الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المحسوس، حتى يتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده. والمعنى: فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله، فقد عقد لنفسه من الدين عقدا وثيقا، لا تحله شبهة.
لَا انْفِصامَ لَها أي: لا انقطاع لهذه العروة التي تمسك بها من آمن بالله، وكفر بالطاغوت شبه من آمن بالله، وكفر بالطاغوت، بالمستمسك بالعروة القوية التي لا تنفصم. لأنها في نفسها محكمة مبرمة، قوية. وربطها قوي شديد. ودخل في الإيمان بالله، الإيمان برسوله، وكتابه، ودينه. لأن ذلك كله من لوازم الإيمان. وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ: يسمع كل شئ، ويعلم كل شئ. فأسمعوه من أنفسكم خيرا، وأحكموا أمر الإيمان بالله، والكفر بالطاغوت.
فوائد:
1 -
لاحظنا أن الاستمساك بالعروة الوثقى، كفر بالطاغوت، وإيمان بالله. وقد ذكر في الآية، الكفر بالطاغوت مقدما على الإيمان بالله، لغموض هذا الجانب في حياة الناس. وهكذا قال المربون الإسلاميون: التخلية، ثم التحلية. وبقدر ما تتخلى، تتحلى.
بقدر ما يكون الكفر بالطاغوت قويا، يكون الإيمان قويا.
2 -
من المعلوم أن هناك اتفاقا بين الفقهاء، أن العربي الوثني لا يقبل منه إلا الإسلام، أو القتل. وأما الذمي العربي، فيجوز أن تؤخذ منه الجزية. ولكنه لا يقر في جزيرة العرب.
أما غير العرب، فإنه يعرض عليهم الإسلام، أو الجزية، أو القتال. على خلاف حول غير اليهود والنصارى. والشئ الذي تم عليه العمل خلال العصور، هو ما ذكرناه. ونتيجة لهذه الأحكام، وجد من يقول إن آية: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ منسوخة. والمسألة مرتبطة بموضوع تخصيص العام هل يعتبر نسخا أو بيانا. ومن الناحية العملية، لا يترتب على هذا الاختلاف شئ. فالقتال شئ، والإكراه على الدخول في الإسلام شئ آخر.
أمرنا أن نقاتل الكافرين، وحرم علينا إكراههم، إلا عربيا وثنيا. فهذا ليس أمامه إلا الإسلام أو القتل لأن الحجة في حقه أظهر.
3 -
قال عمر رضي الله عنه «إن الجبت: السحر. والطاغوت: الشيطان. وإن الشجاعة والجبن غرائز، تكون في الرجال. يقاتل الشجاع عمن لا يعرف. ويفر الجبان من أمه. وإن كرم الرجل دينه، وحسبه، وخلقه، وإن كان فارسيا، أو نبطيا» رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
4 -
في الحديث الصحيح: «عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل» .
وفي الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل:
«أسلم» . قال: إني أجدني كارها. قال: «وإن كنت كارها» .
قد يفهم فاهم أن هذين الحديثين يتنافيان مع قوله تعالى لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ وليس هذا صحيحا. فالحديث الأول في الأسارى الذين يقدم بهم إلى بلاد الإسلام في الوثاق، والأغلال، والقيود، والأكبال. ثم بعد ذلك يسلمون، وتصلح أعمالهم، وسرائرهم.
فيكونون من أهل الجنة. وليس في الحديث ما يدل على الإكراه. وأما الحديث الثاني فليس فيه ما يدل على الإكراه. بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه إلى الإسلام. فأخبره بأن نفسه ليست قابلة له بل هي كارهة فقال له: أسلم وإن كنت كارها فإن الله سيرزقك حسن النية والإخلاص.
5 -
عن عبد الله بن سلام: إني رأيت رؤيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه: رأيت كأني في روضة خضراء. قال ابن عون: فذكر خضرتها، وسعتها- وفي وسطها عمود حديد. أسفله في الأرض، وأعلاه في السماء. في أعلاه عروة. فقيل لي:
اصعد عليه. فقلت: لا أستطيع. فجاءني منصف- قال ابن عون: هو الوصيف- فرفع ثيابي من خلفي فقال: اصعد، فصعدت حتى أخذت بالعروة. فقال: استمسك بالعروة فاستيقظت، وإنها لفي يدي. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما الروضة، فروضة الإسلام. وأما العمود، فعمود الإسلام. وأما العروة، فهي العروة الوثقى. أنت على الإسلام حتى تموت». أخرجاه في الصحيحين. ومن ثم كان الصحابة يقولون عن عبد الله بن سلام: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا.
6 -
كنا ذكرنا قبل تفسير آية الكرسي شيئا عن الصلة بين آية الكرسي، وهذه الآية فبعد أن ذكر الله في آية الكرسي صفاته العليا بهذا البيان، ناسب أن يبين أن الإيمان به، والكفر بالطاغوت هو المقام الصحيح. وأن هذا ينبغي أن يكون على طواعية. لأن الأمر أوضح من أن يكون ملتبسا .. فالله غني عن خلقه، لا يريد استكراههم، وهو
سيحاسبهم.
7 -
في كتابنا (الله جل جلاله رأينا كيف أن ظواهر الكون تدلنا على الله وصفاته بمحض التفكر. ورأينا أن ما دلتنا عليه ظواهر الكون عقلا، هو الذي يتفق مع ما ورد في الإسلام نقلا في هذا الموضوع. فالكلام عن الله عز وجل في الكتاب الكريم بمثل هذا