الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذا الشهر بذلك الشهر وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ: أي وهتكه بهتكه. يعني تهتكون حرمته عليهم كما هتكوا حرمته عليكم إذ كل حرمة يجري فيها القصاص. فمن هتك حرمة، أي حرمة كانت، اقتص منه بأن تهتك له حرمة. فحين هتكوا حرمة شهركم فافعلوا بهم نحو ذلك. ولا تبالوا. وهذا كله مع الالتزام بالعهود، والوعود، والاستقامة على أمر الله. فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ. أي فعاقبوه بعقوبة مماثلة لعدوانه، بعدوان مثل عدوانه. وَاتَّقُوا اللَّهَ: في كل حال. وفي حال كونكم منتصرين على من اعتدى عليكم. فلا تعتدوا إلى ما لا يحل لكم. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ: بالنصر، والتأييد في الدنيا والآخرة.
فوائد:
1 -
اتجه بعضهم إلى أن قوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ نزل بمكة. وأنه منسوخ بآية القتال. وقد رد هذا القول ابن جرير.
وقال: بل الآية مدنية بعد عمرة القضاء. وعزا ذلك إلى مجاهد رحمه الله.
2 -
أخرج الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله قال:
«لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو في الشهر الحرام، إلا أن يغزى، وتغزوا. فإذا حضره أقام حتى ينسلخ» . قال ابن كثير. هذا إسناد صحيح.
والذي يبدو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل هذا مراعاة لأعراف سائدة بما لا يعطل قضية الجهاد. وبما لا تتضرر منه مصلحة المسلمين.
3 -
نفهم من قوله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ: أنه إذا خالف غير المسلمين عرفا عاما فإن المسلمين في هذه الحالة يستطيعون أن يردوا بالمثل. ونتساءل الآن في عصرنا بعد أن أصبح صاحب الضربة الأولى هو المنتصر هل ينتظر المسلمون الضربة الظالمة إذا تأكدوا من وجودها؟ وهل تكفير أبنائنا الذي هو أشد من القتل يبيح لنا قتل أبناء الذين يكفرونهم إذا كانوا غير بالغين كنوع من أنواع الضغط على الكافرين ليراجعوا خططهم وطريقهم؟ الجواب على السؤالين:
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ: التهلكة والهلاك والهلك واحد. وفي هذا النص أمر ونهي. أمر بالإنفاق في سبيل الله فدخل في ذلك التصدق
للجهاد وغيره. وأما النهي عن إهلاك النفس. فإذا نظرنا إلى النص مجردا كان له معنى.
وإذا نظرنا إليه من خلال الآية التي هو فيها، أعطانا معنى آخر. وإذا انظرنا إليه أنه جزء من السياق أعطانا معنى جديدا. وكل هذه المعاني مرادة. وكلها قد ذكرها أئمة التفسير عند شرح هذه الآية. فإذا نظرنا إلى النص مجردا فهمنا منه أنه نهي عن قتلنا أنفسنا. أي لا تقتلوا أنفسكم بأيديكم كما يقال: أهلك فلان نفسه بيده. إذا تسبب لهلاكها. وهل يدخل في ذلك لو أن الإنسان أمر المسلمين بمعروف، أو نهاهم عن منكر فقتلوه؟. الجواب: لا. بل هو مأجور. نص على ذلك فقهاء الحنفية. وهل يدخل في إلقاء النفس إلى التهلكة لو أن إنسانا هجم على الكافرين ملقيا نفسه عليهم فقتلوه؟.
قال الحنفية: إن كان بعمله هذا ينكي فيهم، ويلقي الرعب في قلوبهم فهو مأجور.
ولا يدخل في النهي. وإن كان لا ينكي فيهم بل يزيد من جرأتهم على المسلمين فلا يحل له ذلك. ويدخل في النهي.
وإذا نظرنا إلى هذا النهي ووروده بعد الأمر بالإنفاق، فهمنا منه أنه نهي عن ترك الإنفاق في سبيل الله. لأنه سبب للهلاك. ذهب إلى ذلك كثير. أخرج البخاري عن حذيفة في الآية قال:«نزلت في النفقة» . وقال ابن عباس في الآية: «قال ليس ذلك في القتال. إنما هو في النفقة أن تمسك بيدك عن النفقة في سبيل الله. ولا تلقي بيدك إلى التهلكة» . وعن الضحاك بن أبي جبير قال: «كانت الأنصار يتصدقون وينفقون من أموالهم، فأصابتهم سنة، فأمسكوا عن النفقة في سبيل الله، فنزلت: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ؛ وقال الحسن البصري: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ: قال: «هو البخل» .
وإذا نظرنا إلى هذا النهي من خلال وروده بعد آيات القتال، فهمنا منه أنه نهي عن ترك الجهاد. وأن ترك الجهاد هو الهلاك. وهكذا فسرها أبو أيوب الأنصاري. روى أبو داود والترمذي والنسائي عن أسلم أبي عمران قال: حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه. ومعنا أبو أيوب الأنصاري فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة. فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية. إنما نزلت فينا. صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدنا معه المشاهد، ونصرناه. فلما فشا الإسلام، وظهر اجتمعنا معشر الأنصار تحببا. فقلنا قد أكرمنا الله بصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وشهدنا معه المشاهد ونصرناه حتى فشا الإسلام وكثر أهله. وكنا قد آثرناه على الأهلين، والأموال، والأولاد. وقد