الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لا يسأله إلا في أمر دنياه، وهو معرض عن أخراه. وذلك أن قوما من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللهم اجعله عام غيث، وعام ولاد حسن. لا يذكرون من أمر الآخرة شيئا. فأنزل الله فيهم: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا أي: من الذين يشهدون الحج من لا يسأل الله إلا حظوظ الدنيا كالجاه والدنيا وغير ذلك.
وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ أي: من نصيب لأن همه مقصور على الدنيا، لكفره بالآخرة.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ أي: ومن الذين يشهدون الحج من يقول: ربنا آتنا في الدنيا نعمة، وعافية، وعلما، وعبادة، ونحو ذلك، وفي الآخرة عفوا، ومغفرة، وجنة، ونحو ذلك.
واحفظنا من عذاب جهنم. فصار المعنى العام: أكثروا ذكر الله ودعاءه. لأن الناس من بين مقل لا يطلب بذكر الله إلا أغراض الدنيا، ومكثر يطلب خير الدارين. فكونوا من المكثرين الذكر، الطالبين خيري الدنيا والآخرة.
أُولئِكَ أي: الداعون بالحسنتين. لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا أي: من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة، وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة. وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ: وصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم، وكثرة أعمالهم، ليدل على كمال قدرته، ووجوب الحذر من نقمته.
فوائد:
1 -
روى الحاكم في مستدركه عن سعيد بن جبير قال: «جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني آجرت نفسي من قوم على أن يحملوني، ووضعت لهم من أجرتي على أن يدعوني أحج معهم. أفيجزي ذلك ذلك. فقال: أنت من الذين قال الله: أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ» .
2 -
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما مررت على الركن إلا رأيت عليه ملكا يقول: آمين. فإذا مررتم عليه فقولوا: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» .
3 -
قال ابن كثير: (فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا، وصرفت كل شر. فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي، من عافية، ودار رحيبة وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هين، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين. ولا منافاة بينهما. فإنها كلها مندرجة في
الحسنة في الدنيا. وأما الحسنة في الآخرة؛ فأعلى ذلك دخول الجنة، وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب، وغير ذلك من أمور الآخرة. وأما النجاة من النار؛ فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا؛ من اجتناب المحارم والآثام، وترك الشبهات والحرام، وقال القاسم أبو عبد الرحمن:«من أعطي قلبا شاكرا، وجسدا صابرا فقد أوتي في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة ووقي عذاب النار» .
4 -
وإذا كانت هذه الدعوة رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً
…
قد علمنا أن نقولها في أشرف المواطن، وفي أنقى الأحوال، وأحسنها. فإنه من المناسب أن ندعو الله بها دائما، وفي كل أحوالنا. وبهذا وردت السنة:
روى البخاري عن أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» . وفي مسند الإمام أحمد سأل قتادة أنسا: أي دعوة كان أكثر ما يدعوها النبي صلى الله عليه وسلم؟. قال: يقول: «اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» . وفي صحيح مسلم: (وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة، دعا بها. وإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه). أخرج ابن أبي حاتم عن أبي طالوت قال: «كنت عند أنس بن مالك فقال له ثابت: إن إخوانك يحبون أن تدعو لهم. فقال: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وتحدثوا ساعة حتى إذا أرادوا القيام قال: يا أبا حمزة إن إخوانك يريدون القيام فادع الله لهم. فقال: أتريدون أن أشقق لكم الأمور. إذا آتاكم الله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ووقاكم عذاب النار؛ فقد آتاكم الخير كله» وروى الإمام أحمد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلا من المسلمين قد صار مثل الفرخ. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟. قال: نعم؛ كنت أقول:
اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
روى الإمام الشافعي عن عبد الله بن السائب أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما بين ركن بني جمح، والركن الأسود:«ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» .