الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فهل وضحت الصلة بين هذه الآية وما قبلها في مجموعة الصبر؟ إن هذه الشعيرة سببها الصبر. فما نالت أمنا هاجر هذه الإمامة إلا بالصبر.
وعلى هذا فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذله وحاجته إلى الله في هداية قلبه وصلاح حاله وغفران ذنبه، وأن يلتجئ إلى الله عز وجل: أن يزيل ما هو به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم وأن يثبته إلى مماته، وأن يحوله من حاله الذي هو عليه إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة، كما فعل بهاجر عليها السلام، إذ نقلها من حال إلى حال.
المعنى الحرفي:
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ هما علمان للجبلين المعروفين. مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ أي:
من أعلام مناسكه ومتعبداته جمع شعيرة. وهي العلامة. فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أي قصده لإقامة فريضة الحج. أَوِ اعْتَمَرَ: أي زاره لإقامة العمرة. فالحج القصد والاعتمار الزيارة. ثم غلبا على قصد البيت وزيارته المعروفين. فَلا جُناحَ عَلَيْهِ:
أي فلا إثم عليه أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما أي: أن يتطوف. وأصل الطواف المشي حول الشئ. والمراد هنا السعي بينهما. وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً أي: بالسعي بينهما فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ يجازي على القليل كثيرا. عَلِيمٌ بالأشياء صغيرا وكبيرا.
فوائد:
1 -
في أسباب النزول: قال الإمام أحمد «عن عروة عن عائشة قال: قالت:
أرأيت قول الله تعالى إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما؟ قلت فو الله ما على أحد جناح أن لا يطوف بهما، فقالت عائشة: بئسما قلت يا ابن أختي (الخطاب لعروة ابن أختها أسماء) إنها لو كانت على ما أولتها عليه كان فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما. ولكنها إنما أنزلت أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا كانوا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله. إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية. فأنزل الله عز وجل إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما. قالت عائشة: ثم قد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بهما. فليس
لأحد أن يدع الطواف بهما» أخرجاه في الصحيحين. وفي رواية عن الزهري «أنه قال: فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. فقال: إن هذا العلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالا من أهلي يقولون: إن الناس- إلا من ذكرت عائشة- كانوا يقولون إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية. وقال آخرون من الأنصار إنما أمرنا بالطواف بالبيت ولم نؤمر بالطواف بين الصفا والمروة.
فأنزل الله تعالى إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ قال أبو بكر بن عبد الرحمن:
فلعلها نزلت في هؤلاء وهؤلاء». وأخرج البخاري: «عن عاصم بن سليمان قال:
سألت أنسا عن الصفا والمروة قال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما. فأنزل الله عز وجل: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ».
2 -
في صحيح مسلم من حديث جابر الطويل: «وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من طوافه بالبيت عاد إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من باب الصفا وهو يقول:
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ ثم قال: «أبدأ بما بدأ الله به» . وفي رواية النسائي: «ابدءوا بما بدأ الله به» . وروى الإمام أحمد عن صفية بنت شيبة عن حبيبة:
بنت أبي تجراة قالت: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو وراءهم وهو يسعى، حتى أرى ركبته من شدة السعي يدور به إزاره وهو يقول: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي» . ثم رواه الإمام أحمد عن صفية بنت شيبة أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة يقول: «كتب عليكم السعي فاسعوا» . وقد استدل ابن كثير بهذا الحديث لمذهب من يرى أن السعي بين الصفا والمروة ركن في الحج كما هو مذهب الشافعي ومن وافقه، ورواية عن أحمد وهو المشهور عن مالك. وقيل أنه واجب وليس بركن. فإن تركه عمدا أو سهوا جبره بدم. وهو رواية عن أحمد وبه يقول طائفة، وقيل: بل مستحب، وإليه ذهب أبو حنيفة والثوري والشعبي وابن سيرين. وروي عن أنس وابن عمر وابن عباس. وحكي عن مالك في العتبية قال القرطبي: واحتجوا بقوله تعالى: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً والقول الأول أرجح لأنه عليه السلام طاف بينهما وقال: «لتأخذوا عني مناسككم» .
فكل ما فعله في حجته تلك واجب لا بد من فعله في الحج إلا ما خرج بدليل. والله أعلم. وقد تقدم قوله عليه السلام: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي» .
أقول: الذي عليه الفتوى في مذهب الحنفية، أن السعي بين الصفا والمروة في الحج واجب عند الحنفية. فما نقله ابن كثير عن أبي حنيفة في كونه مستحبا، لعله قول
ضعيف في المذهب؟!.
3 -
من قوله تعالى: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما. نفهم أن السعي بين الصفا والمروة عبادة مرتبطة بالحج والعمرة، وليس عبادة مستقلة. والعمرة إحرام وطواف حول البيت، وسعي بين الصفا والمروة. أما الحج فأركانه عند الحنفية: إحرام ووقوف بعرفات ولو لحظة ما بين ظهر التاسع من ذي الحجة وفجر العاشر. وطواف الإفاضة. وما سوى ذلك عندهم فإما واجبات أو سنن. ومن سعى بعد طواف فقد أسقط واجب السعي. وإلا فإن عليه أن يسعى بعد طواف الإفاضة الذي هو طواف الركن.
4 -
قال القرطبي: «ولا يجوز أن يطوف أحد بالبيت ولا بين الصفا والمروة راكبا إلا من عذر. فإن طاف معذورا فعليه دم. وإن طاف غير معذور أعاد إن كان بحضرة البيت، وإن غاب عنه أهدى. إنما قلنا ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بنفسه وقال:
«خذوا عني مناسككم» . وإنما جوزنا ذلك من العذر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على بغيره واستلم الركن بمحجنه، وقال لعائشة وقد قالت: إني أشتكي. فقال: «طوفي من وراء الناس وأنت راكبة» . وفرق أصحابنا بين أن يطوف على بعير أو يطوف على ظهر إنسان. فإن طاف على ظهر إنسان لم يجزه، لأنه حينئذ لا يكون طائفا. إنما الطائف الحامل. وإذا طاف على بعير يكون هو الطائف. قال ابن خويزمنداد: وهذه تفرقة اختيار وأما الإجزاء فيجزئ. ألا ترى أنه لو أغمي عليه فطيف به محمولا، أو وقف به بعرفات محمولا كان مجزئا عنه؟!.
5 -
وعلى التحرج الذي تحرجه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسعوا بين الصفا والمروة ابتداء قبل نزول الإباحة علق صاحب الظلال بقوله: «وهذا هو الإسلام ..
هذا هو: انسلاخا كاملا عن كل ما في الجاهلية، وتحرجا بالغا من كل أمر من أمور الجاهلية، وحذرا دائما من كل شعور وكل حركة كانت النفس تأتيها في الجاهلية. حتى يخلص القلب للتصور الجديد بكل ما يقتضيه ..
فلما أن تم هذا في نفوس الجماعة المسلمة، أخذ الإسلام يقرر ما يريد الإبقاء عليه من الشعائر الأولى مما لا يرى فيه بأسا. ولكن يربطه بعروة الإسلام، يأتيه بعد أن نزعه وقطعه عن أصله الجاهلي. فإذا أتاه المسلم فلا يأتيه لأنه كان يفعله في الجاهلية. ولكن