الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أخرج البزار عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا وضعت جنبك على الفراش وقرأت فاتحة الكتاب وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فقد أمنت من كل شئ إلا الموت» .
4 - المعاني العامة والكلية
إذ كانت الفاتحة هي مقدمة القرآن فقد تجمعت فيها مقاصده ومعانيه. فالقرآن يدور حديثه حول العقائد والعبادات ومناهج الحياة، وقد بدأت السورة بذكر العقائد:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ* الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. وثنت بالعبادات إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. وثلثت بمناهج الحياة اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ.
والقرآن دعوة إلى العقيدة أولا، ثم إلى العبادة، ثم إلى مناهج الحياة، وقد تسلسلت المعاني في هذه السورة على هذا الترتيب.
والعقيدة في الإسلام ليست فكرة مجردة، بل إن لها ثمارها وآثارها وواجباتها، فكونك تعرف لله الربوبية والرحمة والحساب فهذا يقتضي منك عملا. ومن ثم بدأت السورة بالحمد ثم علمتنا العبادة والاستعانة وطلب الهداية والسير في صراط الله عز وجل، لقد عرفتنا السورة على الله وربوبيته، وعرفتنا أن مقامنا هو العبودية له، وأن مقام العبودية مضمونه الحمد لله والعبادة له والاستعانة به وطلب الهداية منه والسير في منهاجه. والإسلام مداره على معرفة الله ومن ثم عرفتنا السورة على الله في مقدمتها وفي وسطها وفي نهايتها: فهو رب العالمين ذو الرحمة، وهو المعين وهو الهادي.
وأساس العقيدة الإسلامية الإيمان بالله واليوم الآخر، وقد ذكرت السورة ذلك رَبِّ الْعالَمِينَ .. مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ.
وأساس العبادة إخلاصها لله، وقد أشارت السورة إلى ذلك إِيَّاكَ نَعْبُدُ إذ تقديم الضمير إِيَّاكَ على الفعل يفيد ذلك.
وأساس الطريق إلى الله القدوة الحسنة المتمثلة في النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وقد أشارت السورة إلى ذلك.
وأساس الانحراف القدوة السيئة، وقد أشارت السورة إلى ذلك.
ابتدأت السورة بذكر الحقيق بالحمد والثناء ووصفته بالصفات العظام فتعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بالثناء وغاية الخضوع، والاستعانة في المهمات فخوطب ذلك المعلوم المتميز بهذه الصفات العظام فقيل إِيَّاكَ يا من هذه صفاته نعبد ونستعين لا غيرك وقدمت العبادة على الاستعانة لأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة أقرب إلى الإجابة وأطلقت الاستعانة لتتناول كل ما يطلب العون من الله فيه. ثم قيل اهْدِنَا، بيانا للمطلوب الأول من المعونة فكأنهم سئلوا عن ماهية المعونة التي يريدونها فقالوا: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ .. فالاهتداء إلى الصراط المستقيم لا يكون إلا بالله، ولا تنال عطايا الله بالهداية إلا بالافتقار إليه ومظهر ذلك طلب المعونة منه ولا يوصل إلى الافتقار مثل دوام العبادة، ولا عبادة إلا بمعرفة، ومعرفة لا يعطى فيها الحمد كله لله معرفة قاصرة، ينظر العبد ما أعطي فيقول: الحمد لله، فإذا ما استقرت معرفته خاطب ربه إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ثم دعاه بما هو الأهم والأعظم وهو الاهتداء في الأمر كله.
من المعاني الكبرى في الإسلام: موضوع لزوم الجماعة «أن تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» . «من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه .. » والسورة دلتنا من خلال الخطاب الجماعي إِيَّاكَ نَعْبُدُ اهْدِنَا ..
على أن الأصل في المسلم أن يكون جزءا من كل هو جماعة المسلمين وأن الأصل في التربية الإسلامية أنها تقوم على التربية الجماعية.
ويلاحظ من السورة أن الصراط المستقيم مظهره شيئان السير في طريق المنعم عليهم وتنكب صراط المغضوب عليهم والضالين. والمنعم عليهم فصل الله فيهم في الآية:
فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ، وهناك نص ستراه ذكر أن المغضوب عليهم هم اليهود، والضالين هم النصارى. وإذا كان هؤلاء وهؤلاء كذلك فمن باب أولى غيرهم. وكثيرا ما ينسى الناس هذه المعاني فلا يفطنون أن الشهداء هم القدوة، وأن الصديقين هم القدوة، وأن الصالحين هم القدوة، فضلا عن النبيين والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، وبعضهم يفطن لذلك، ولكنهم ينسون تنكب طرق الضالين والمغضوب عليهم، ومن ثم فإن على المسلم وهو يقرأ كتاب الله أن يتفطن لهذا وهذا، فالقرآن فصل هذا كله، والمسلم عليه أن ينتبه لأخطاء أهل الضلال وأهل الغضب فيتخلى عنها، بل عليه من الأصل ألا يقربها وعليه أن يفطن لمظاهر القدوة فيسير فيها.