الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ترى إذا كانت النصوص الواردة في شأن الجن والشياطين تؤول كلها على أنها ليست من باب الحقائق وإنما هي رموز لمعان فأي حقيقة إذن لا تؤول؟ إنه الكفر بالنصوص وليس التأويل لها.
إن الشيطان ذات من الذوات الغيبية نؤمن بوجودها، كما نؤمن بكل غيب أخبرتنا عنه النصوص، وموقفنا منه هو الموقف الذي أمرتنا به النصوص، والقلب المؤمن الحي يميز بين نوعين من الإلقاءات يحسها في قلبه: إلقاء نفسه وهواجسها، وإلقاء الشيطان ووساوسه.
إن المسلم الذي يعلم أن هذا القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يعلم أن ما حدثه عنه القرآن هو الحق، ويحاول دائما أن يبحث عن الفهم الصحيح لكتاب الله ولذلك قواعده التي لا تخطئ.
ولقد حاول بعض الكتاب في عصرنا أن يعطي الشيطان صفة البطولة في مواقفه النضالية ضد آدم، وفي الاعتراض على الله، وذلك من باب قوله تعالى في سورة الأنعام: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ. وحاول بعضهم أن يشكك من خلال: أن موقف إبليس كان بإرادة الله، وذلك من باب التشويش لأن كون الأشياء كلها بإرادة الله لا ينفي اختيار المكلف، ولقد كان إبليس مختارا في موقفه فاستحق العقوبة، وموضوع اختيار المكلفين، وأن ذلك وغيره بإرادة الله، موضوع سيمر بنا فلا نقف عنده هنا، إذ إن خطتنا في هذا التفسير ألا نقف عند كل مقام إلا بالقدر الذي يقتضيه المقام، وموضوع الجن والشياطين سيمر معنا كثيرا فلنقتصر على هذا القدر فيه.
فصل في رفض الداروينية كتعليل لنشأة البشر:
إن نظرية داروين أصبحت منقوضة بأكثر من علم، إن دراسة السائل المغذي للكائن الحي ليست لصالح نظرية داروين، وإن حسابا رياضيا لتعميم الأجناس على ضوء نظرية داروين ليس لصالحها، وإن نظام الوراثة وخصائصها وقوانينها ليس لصالح هذه النظرية، وإن دراسة المستحاثات ليست لصالح هذه النظرية، فالنظرية أصبحت منقوضة من جوانب شتى، وحتى لو لم تكن منقوضة فإن قصارى ما يمكن أن تقدمه مجموعة ملاحظات، وليس شرطا أن يكون لهذه الملاحظات تعليل وحيد.
إن الذين يفرون من الإيمان بالله ومن أنه هو الخالق، يفرون إلى نظرية داروين، ولكن إن استطاعوا أن يوجدوا نظرية تغنيهم في زعمهم عن أن الله هو خالق الحياة، فقوانين الكون تدل على أن الله هو خالق الكون كله، وبالتالي فلا ينفعهم الفرار من خلال نظرية داروين عن أن الله هو الخالق.
إن الله عز وجل في القرآن يقول: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ فهذا أمر من الله عز وجل لنا في أن ندرس خلق الكون وخلق الحياة ومن ثم فنحن المسلمين مطالبون بالدراسة المستطاعة، وما توصلنا إليه الدراسة عن خلق الكون أو الحياة فنحن لا نتحرج منه بل نفهم على ضوئه النصوص إن كان من باب الحقائق العلمية.
والله عز وجل في آية أخرى في نفس السورة (سورة العنكبوت) يقول: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فإن نرى خلقا ثم خلقا، فذلك دليل على قدرة الله، أما أن يفهم فاهم أن ذلك دليل على استغناء الأشياء عن الله، فذلك هو العمى الكامل في البصيرة.
لقد رأى الإنسان في عملية البحث عن مسيرة الحياة هياكل لمخلوقات تشبه إنساننا الحالي، ووجودها أقدم من وجود إنساننا الحالي، فهل هذا وحده كاف للقول بأن إنساننا الحالي قد تطور عن تلك؟ يقول الله عز وجل: ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ. سورة الكهف.
إن الله- عز وجل في كتابه المعجز الذي خلق الإنسان يقول لنا: أنتم من ذرية آدم يا بَنِي آدَمَ.* ويقول لنا: إن آدم: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ، أبعد هذا الوضوح وضوح في أصل نشأة آدم.
أما إذا كان لا بد من تعليل لوجود هذه الهياكل الشبيهة بالإنسان فهذه مجموعة تعليلات:
في قوله تعالى: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً أكثر من اتجاه في التفسير: الاتجاه الأقوى أنه خليفة عن الله، ولكن هناك اتجاهات أخرى، فهناك من يقول بأنه خليفة عن خلق آخرين هم الجن.
ذكر ابن كثير عن ابن جرير عن ابن عباس قال: «إن أول من سكن الأرض الجن