الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بتأكيدها. وذكر في الآية الثانية: الحال التي يشتغل الشخص فيها عن أدائها على الوجه الأكمل: وهي حال القتال، والتحام الحرب. فأمر في هذا الحال أن نصلي بقدر الوسع، على أي حال قدرنا عليها، راجلين، أو راكبين. مستقبلين القبلة، أو غير مستقبليها. إيماء إن لم نستطع غير ذلك. فإذا انتهت تلك الحال، فعلينا أن نقيم الصلاة كما أمرنا، بركوعها، وسجودها، وقيامها، وقعودها، وخشوعها، وهجودها.
وذلك هو الشكر الذي يقابل نعمة الله علينا، أن علمنا وهدانا، بعد إذ كنا ضلالا جاهلين.
المعنى الحرفي:
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ أي: داوموا عليها بمواقيتها، وأركانها، وشرائطها وَالصَّلاةِ الْوُسْطى أي: صلاة العصر. وهي وسطى لأنها بين صلاتي الليل، وصلاتي النهار. وخصصت بالذكر لما في وقتها من اشتغال الناس بتجاراتهم. أو استرواحهم في وقتها للراحة بعد تعب. وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ أي: قوموا في صلاتكم لله خاشعين ذاكرين.
فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً أي: فإن كان بكم خوف من عدو، أو غيره، فصلوا راجلين، أو راكبين، مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها. فَإِذا أَمِنْتُمْ أي: إذا زال خوفكم. فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ أي: فصلوا صلاة مثل ما علمكم ما لم تكونوا تعلمونه من صلاة الأمن ويحتمل المعنى الذي ذكرناه في المعنى العام.
فوائد:
1 -
اختلف المفسرون كثيرا في تفسير الصلاة الوسطى في الآية. فقيل: المغرب، وقيل: العشاء، وقيل: مجموع الصلوات الخمس، وقيل: الفجر، وقيل: بل صلاة الجماعة. وقيل: صلاة الجمعة، وقيل: صلاة الخوف، وقيل: صلاة عيد الفطر، وقيل: صلاة عيد الأضحى، وقيل: الوتر، وقيل: الضحى، وقيل: بل هي مبهمة، كما أبهمت ليلة القدر في الحول، أو الشهر، أو العشر ليحفظوا الكل. قال سعيد بن المسيب:(كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا- وشبك بين أصابعه-). قال ابن كثير: (وكل هذه الأقوال فيها ضعف
…
وإنما المدار، ومعترك النزاع، في الصبح، والعصر. وقد ثبتت السنة بأنها العصر. فتعين
المصير إليها). ومن الأدلة على أنها صلاة العصر، ما رواه الإمام أحمد عن علي قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر.
ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارا». ثم صلاها بين العشاءين: المغرب والعشاء. وروى مثله البخاري ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي .. وروى مسلم عن البراء بن عازب قال: نزلت: (حافظوا على الصلوات وصلاة العصر) فقرأناها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله. ثم نسخها الله عز وجل، فأنزل: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى. فقال له زاهر- رجل كان مع شقيق-: أفهي العصر؟.
قال: قد حدثتك كيف نزلت، وكيف نسخها الله عز وجل. وفي ذكر الوسطى هنا معنى بليغ جدا. إذ هو أكبر رد على بعض طوائف الباطنية، التي تزعم أنه لم يفرض علينا إلا صلاتين. فإذا اعتبرنا أن الواو تقتضي المغايرة. فقد ثبتت الصلوات الخمس بهذا النص. إذ أقل عدد فرد، يكون له وسط. والطرفان جمع هو الخمس. وقد وردت آثار تؤكد الأمر بالمحافظة على العصر. ففي الحديث الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من فاتته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله وماله» وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بكروا بالصلاة في يوم الغيم. فإنه من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله». وفي الحديث الصحيح: «إن هذه الصلاة عرضت على الذين من قبلكم فضيعوها. ألا من صلاها، ضعف له أجره مرتين. ألا ولا صلاة بعدها حتى تروا الشاهد» .
2 -
روى الإمام أحمد، وغيره- والحديث صحيح- عن زيد بن أرقم قال: كان الرجل يكلم صاحبه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في الحاجة في الصلاة، حتى نزلت هذه الآية:
وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ: فأمرنا بالسكوت. وفي الصحيح عن ابن مسعود قال: كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن نهاجر إلى الحبشة وهو في الصلاة، فيرد علينا. فلما قدمنا، سلمت عليه، فلم يرد علي. فأخذني ما قرب، وما بعد. فلما سلم قال:
«إني لم أرد عليك إلا أني كنت في الصلاة، وإن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن ما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة» . وفي صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال لمعاوية بن الحكم السلمي حين تكلم في الصلاة: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس.
إنما هي التسبيح، والتكبير، وذكر الله». فهذه الأحاديث كلها تفسر قوله تعالى:
وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ.
3 -
فصل الله صلاة الخوف في سورة النساء. ولكن تلك الصلاة إذا لم يكن
التحام، أما في حالة الالتحام، فأمام المسلمين سعة أن يصلوا- كما نصت الآية هنا- كيف قدروا. أو يؤخروا الصلاة كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق. وكما فعل المسلمون يوم فتح (تستر) في عهد عمر. وهذه نقول حول هذا وهذا:(قال مالك عن نافع أن ابن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها- (أي كما وردت في سورة النساء) - ثم قال: (فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا على أقدامهم، أو ركبانا مستقبلى القبلة، أو غير مستقبليها). قال نافع: لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم. ورواه البخاري. وهذا لفظ مسلم. ولمسلم أيضا عن ابن عمر قال: (فإن كان خوف أشد من ذلك، فصل راكبا، أو قائما، تومئ إيماء). وقال جابر بن عبد الله: (إذا كانت المسايفة، فليومئ برأسه إيماء حيث كان وجهه. فذلك قوله تعالى: فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً). قال مالك بن أنس:
(حضرت مناهضة حصن «تستر» عند إضاءة الفجر، واشتد اشتعال القتال. فلم يقدروا على الصلاة. فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار. فصليناها ونحن مع أبي موسى، ففتح لنا. قال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها). هذا لفظ البخاري، وقد أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر يوم الخندق إلى ما بعد غيبوبة الشمس.
4 -
هل للزحف، والهجوم حكم المسايفة؟. يمكن أن يستدل على أن له نفس الحكم إذا اقتضى الزحف أو الهجوم الاستعجال بقوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه لما وجههم إلى بني قريظة:«لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة» . فمنهم من أدركته الصلاة في الطريق، فصلوا، وقالوا لم يرد منا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تعجيل السير. ومنهم من أدركته فلم يصل إلا في بني قريظة فلم يعنف واحدا من الفريقين.
5 -
قال الأوزاعي: (إن كان تهيأ الفتح، ولم يقدروا على الصلاة، صلوا إيماء كل امرئ لنفسه. فإن لم يقدروا على الإيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال ويأمنوا. فيصلوا ركعتين- أي إن كانت صلاة الفجر، أو كانوا مسافرين
…
- فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين. فإن لم يقدروا لا يجزيهم التكبير ويؤخرونها حتى يأمنوا). وكلام الأوزاعي أنهم يصلون ركعة واحدة في سجدتين اتجاه لكثير من السلف، أن صلاة الخوف في بعض حالات الشدة ركعة واحدة. ومن ذلك ما رواه مسلم عن ابن عباس قال:(فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة). قال ابن كثير: (وبه قال الحسن البصري، وقتادة، والضحاك، وغيرهم).