الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كلمة أخيرة في المقطع السادس والقسم كله:
إن هذا المقطع كما أنه خاتمة قسم، فهو مقدمة مباشرة للقسم اللاحق. وإن القسم الأول والقسم اللاحق يتعانقان حتى ليكادان يشكلان قسما واحدا. فهما يبنيان مع المقدمة قضية التقوى ليأتي القسم الثالث ليبني على ذلك الإسلام كله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً.
فالقسم الثالث في السورة يبني على القسمين السابقين، والقسم الثاني في السورة يبني على القسم الأول الذي جاء بعد المقدمة.
فمثلا: القسم الأول بدأ بالدعوة إلى العبادة والتوحيد. وختم بذلك.
وفي بدايات القسم الثاني يأتي قوله تعالى:
وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ.
وكل ذلك سنراه تفصيلا.
لقد جاءت المقدمة لتبين التقوى وتصف أهلها، كما بينت الكفر والنفاق ووصفت أهل ذلك. وجاء القسم الأول ليدلنا على طريق التقوى وطريق الكفر والنفاق، وحدد بداية الطريق للتقوى، أنه العبادة والتوحيد. وسيأتي القسم الثاني ليكمل معاني ويبني على معان، ويفصل بناء على ما مر في قضية التقوى، وليدلنا على طرق أخرى للتقوى.
والمقطع السادس والأخير في القسم الأول هو بمثابة المقدمة للقسم الثاني. فكما سبق القسم الأول بمقدمة، فقد جاء المقطع الأخير من القسم بمثابة مقدمة للقسم الثاني. ومن ثم كان هناك تشابه بين مقدمة سورة البقرة وهذا المقطع. في مقدمة سورة البقرة:
كلام عن المتقين الذين من صفاتهم اهتداؤهم بالقرآن، وإيمانهم وإقامتهم الصلاة.
وقد ختم الكلام عنهم بقوله تعالي: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ لاحظ قوله تعالي: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ.
وجاء المقطع السادس وفي بدايته أمر بالاستعانة بالصبر والصلاة. وختمت مجموعة الصبر بقوله تعالى. أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ. ثم جاءت بعد ذلك آية فيها هداية قرآنية في شأن الصفا والمروة، ثم آية في التحذير من كتمان شئ من كتاب الله. وكل ذلك له صلة ما بالكلام عن المتقين
وصفاتهم في مقدمة سورة البقرة.
ثم جاء في مقدمة سورة البقرة قوله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ، وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.
وجاء بعد آية الكتمان في المقطع قوله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ.
ثم جاءت آيتان تضمنتا بيانا في التوحيد والرحمة، هو بمثابة رد على زاعمين. وفي مقدمة سورة البقرة يأتي الكلام عن المنافقين ويبدأ بقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ ....
وآخر مجموعة في المقطع تأتي حديثا عن المشركين، وأولها قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ.
فكان المقطع السادس خاتمة قسم، ولكنه بمثابة المقدمة لقسم آخر.
ولذلك- وكما تتعانق المعاني بين القسم الأول والثاني من سورة البقرة، فإن المعاني تتعانق بين المقطع السادس والأخير من القسم الأول، وبين المقطع الأول من القسم الثاني، ومن مظاهر هذا العناق أن المقطع السادس فيه قوله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى ....
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ ....
وأن المقطع الأول من القسم الثاني فيه:
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً ....
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا.
وقد آن الأوان لنقول كلمة عما مر معنا من سورة البقرة:
جاءت مقدمة سورة البقرة لتبين أن هناك تقوى وضلالا، ثم جاء المقطع الأول مقطع الطريقين ليبين طريق التقوى؛ وطريق الكفر والنفاق. وأن طريق التقوى: هو العبادة والتوحيد والإيمان والعمل الصالح. وأن طريق الضلال: هو نقض الميثاق وقطع
ما أمر الله به أن يوصل والإفساد في الأرض.
وجاءت المقاطع الخمسة اللاحقة لتعمق هذا كله.
فمن خلال مقطع آدم عليه السلام اتضحت أمور، ومن خلال مقطع بني إسرائيل اتضحت أمور، ومن خلال مقطع إبراهيم اتضحت أمور، ومن خلال مقطع القبلة اتضحت
أمور، ومن خلال مقطع الذكر والصبر والشكر وترك الكفران اتضحت أمور. وكلها تعمق قضايا مرتبطة في المقطع الأول، وفي المقدمة، وتمهد لمرحلة قادمة نراها في القسم الثاني من أكل الحلال في الأرض إلى الحج.
ولئن دل القسم الأول على الطريقين. فإن القسم الثاني في أغلبيته، سيكمل الدلالة على طريق المتقين.
ولأمر ما، فإن المقطع الأول من القسم الثاني ينتهي بآية البر، التي هي تلخيص لكل ما سبقها في شأن التقوى- مما عمق السياق الطويل لسورة البقرة ليكون ذلك قبل جولة جديدة تتحدث عن القصاص كطريق للتقوى. وعن الصيام كطريق للتقوى.
وإذا كانت مقدمة سورة البقرة واضحة الصلة مع الفاتحة من خلال كلمة الهداية:
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ. وإذا كان القسم الأول من سورة البقرة واضح الصلة بالفاتحة من خلال كلمة العبادة يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ.
فإن القسم الثاني واضح الصلة بالفاتحة من خلال كلمة الشكر:
وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ.
وهكذا يأتي سياق سورة البقرة مفصلا لشئون وردت في سورة الفاتحة. ومبينا، حكمة تسلسل ورود المعاني فى سورة الفاتحة على نظامها المعروف.
ولعل ما ذكرناه في هذه الكلمة يصلح في الوقت نفسه تمهيدا للبدء في الكلام عن القسم الثاني من أقسام سورة البقرة فلننتقل إليه:
مر معنا فيما مضى تفسير مقدمة سورة البقرة والقسم الأول منها، وقد رأينا أن المقدمة
تحدثت عن أصناف الناس فجعلتهم ثلاثة أصناف: متقين وكافرين ومنافقين، ثم جاء القسم الأول فدعا الناس إلى سلوك الطريق الذي يتحررون به من الكفر وانفاق، ويكونون به من المتقين فعم وخص في الدعوة، وكان المضمون الرئيسي الذي بينه القسم الأول: أن التوحيد والعبادة والإيمان والعمل الصالح هي الطريق إلى التقوى، وأن نقض العهد وقطع ما أمر الله به أن يوصل، والإفساد في الأرض هو الطريق إلى الكفر والنفاق، وأن بداية ذلك كله الكبر والحسد والمعصية، وأن أهل الكتاب الأول عليهم أن يعقلوا معاني كثيرة إذا أرادوا أن يحققوا تقواهم ويتحرروا من أمراضهم، وقد أرانا الله عز وجل في القسم الأول النموذج الكامل للتقي، وعرفنا على محل القبلة في الصلاة، وذلك في سياق الأمر بالعبادة التي هي طريق التقوى، وطالبنا بالاستعانة بالصبر والصلاة، ودلنا على معالم العبادة والتوحيد اللذين هما طريق التقوى، وكانت خاتمة القسم المجموعة التي أعلنت التوحيد وأدلته، واستحقاق أهل الشرك العقوبة، وبعد ذلك كله وغيره يأتي القسم الثاني من أقسام سورة البقرة، التي تتألف من: مقدمة وأقسام ثلاثة وخاتمة. وهذا أوان الكلام عن القسم الثاني، ونرجو من القارئ ألا ينفد صبره وهو يرانا نعيد الكرة مرة بعد مرة في توضيح قضية السياق فإن الأمر يحتاج لذلك.