الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فرغب إلى الله أن تكون الإمامة في بعض ذريته كذلك فأجيب لذلك، لكنه أخبر بأنه سيكون من ذريته ظالمون، وأنه لا ينالهم عهد الله، ولا يكونون أئمة؛ فلا يقتدى بهم.
وبعد الآية الأولى تأتي في الفقرة هذه الآية:
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ.
كلمة في سياق هذه الآية:
تأتي هذه الآية بعد إعطاء إبراهيم منصب الإمامة، وبعد إعطائه الوعد بأن يكون من ذريته أئمة، فترينا هذه الآية مظهرا من مظاهر إمامة إبراهيم وواحد من ذريته، وترينا نموذجا على قيام إبراهيم وإسماعيل بما كلفا به، وترينا كذلك أن البيت الذي سيكون قبلة للمسلمين ومحجا لهم إنما وجد بإرادة تشريفية من الله وبأمره، كما ترينا الحكمة من بناء البيت، وترينا أنه في الأصل بني للطواف والعكوف والسجود، وترينا أن الأمر صدر لإبراهيم وإسماعيل بتطهيره، ففي الآية تصحيح لمفاهيم أهل الكتاب والمشركين في شأن البيت، وتأسيس للرد على اليهود في شأن القبلة، وتأنيب لمن ينجس البيت بالشرك بعد أن بني في الأصل للتوحيد، وفي ذلك تأنيب لمن روع المؤمنين وآذاهم وفتنهم، حتى اضطروا أن يخرجوا من جواره، وقد جعله الله مثابة للناس جميعا وأمنا، وفي ذلك دروس لما يستقبل من الزمان.
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً البيت: الكعبة، والمثابة: المباءة والمرجع للحجاج والعمار يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه، والأمن هنا: مكان السلام. وقد فسر ابن عباس كون هذا البيت مثابة بقوله: «لا يقضون منه وطرا يأتونه ثم يرجعون إلى أهليهم ثم يعودون إليه» ، وقال غيره:«لا ينصرف عنه منصرف وهو يرى أنه قد قضى منه وطرا» ، وقال ابن زيد:«يثوبون إليه من البلدان كلها ويأتونه» ، وقال كثيرون من أئمة التفسير: إن المثابة: المجمع، وعلى هذا القول يكون المعنى: أن الله عز وجل أراد أن يكون هذا البيت ملتقى للشعوب كلها، وللأجناس كلها، يجتمعون فيه، فيتعارفون وينتفعون، قائمين بأمر الله، عابدين له موحدين معظمين شعائره، وأما كون البيت أمنا فمن حيث: إن من دخله كان آمنا، وقد كانوا في الجاهلية يتخطف
الناس من حولهم وهم آمنون، واستدل الحنفية بهذه الآية على مذهبهم بأن الجاني إذا أوى الحرم فلا يتعرض له حتى يخرج، لكنه يلجأ إلى الخروج بمقاطعته. وسنعقد لموضوع الأمن عند البيت وحدوده واتجاهات العلماء فصلا.
ذكر في هذا النص: شرف هذا البيت، وما جعله موصوفا به شرعا وقدرا من كونه مجمعا للناس من كل أقطار العالم، يعرف فيه بعضهم بعضا، ويألف فيه بعضهم بعضا، ويستمع فيه بعضهم إلى بعض، وينفع فيه بعضهم بعضا، وهو كذلك، المكان الذي تشتاق إليه الأرواح وتحن إليه، ولا تقضي منه وطرا ولو ترددت إليه كل عام؛ استجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام. فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ (سورة إبراهيم) كما وصفه تعالى بأنه جعله آمنا لمن دخله حتى الرجل في الجاهلية يلقى قاتل أخيه أو أبيه فلا يهيجه، وقد فسر ابن عباس الأمن هنا بأن هذا البيت والقيام بحقه أمن لهذا العالم كله فلا يخرب، قال ابن عباس:«لو لم يحج الناس هذا البيت لأطبق الله السماء على الأرض» قال ابن كثير: وما هذا الشرف إلا لشرف بانيه أولا وهو خليل الرحمن.
وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى اختلف المفسرون في المراد بمقام إبراهيم ما هو: قال ابن عباس: «مقام إبراهيم الحرم كله، مقام إبراهيم الحج كله» . وقال سعيد بن جبير: «الحجر مقام إبراهيم فقد جعله الله رحمة، فكان يقوم عليه ويناوله إسماعيل الحجارة» وقال السدي: «المقام الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم حتى غسلت رأسه» وهذا القول يلتقي مع الذي قبله في أن المراد بمقام إبراهيم هو الحجر الذي غاصت فيه قدما إبراهيم، فكان آية، وهو الحجر المعروف الآن، والأدلة
التي تعضد أن المراد بالمقام إنما هو الحجر الذي كان إبراهيم عليه السلام يقوم عليه لبناء البيت كثيرة، من جملتها، أنه هو الذي عليه عمل الناس وفهمهم خلال العصور، إذ يطبقون هذا الأمر بصلاتهم عند الحجر الذي عليه آثار قدمي إبراهيم، ومنها ما ورد في الحديث الصحيح عن عمر:«قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ومنها ما في صحيح مسلم عن جابر قال: «استلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا ثم نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) فجعل المقام بينه وبين البيت فصلى ركعتين» ومنها ظاهر قوله تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وعلى هذا الاتجاه يكون المعنى: وقلنا اتخذوا من مقام إبراهيم موضع صلاة تصلون فيه.
وهل الحجر الآن في محله حيث تركه إبراهيم؟ يذكر ابن كثير: أن الذي وضعه محله الآن إنما هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أما قبل ذلك فقد كان ملصقا بجدار الكعبة، فدل فعل عمر، وصنيع الناس أن الحجر أيا كان من الكعبة، فذلك مقام إبراهيم وعنده تكون الصلاة التي أمر الله بها في هذه الآية.
وفي فقه الحنفية «يجب على من طاف بالبيت أن يصلي ركعتين لكل طواف، ويسن أن تكون هاتان الركعتان وراء مقام إبراهيم، فإذا لم يتمكن الإنسان من الصلاة عند مقام إبراهيم صلى حيث أمكنه» .
وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ أي: أمرناهما أن يطهراه من الأوثان والخبائث والأنجاس كلها، للدائرين حوله، والمجاورين الذين عكفوا عنده، أي: أقاموا لا يبرحونه، أو المعتكفين والمصلين راكعين وساجدين. فالعهد هنا بمعنى الأمر، وإنما عدي بإلى لأنه بمعنى: تقدمنا وأوحينا فتقدير الكلام: وتقدمنا بوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي من الشرك والريب، وابنياه خالصا لله، معقلا للطائفين والعاكفين والراكعين الساجدين. وقد فهم من ذلك أن الطواف والعكوف والركوع والسجود كلها مما يتعبد الله عز وجل به في الحرم، وقد اختلف الفقهاء أيهما أفضل عند البيت الصلاة النافلة أو الطواف النافلة؟. قال مالك: الطواف به لأهل الأمصار أفضل وقال الجمهور: الصلاة أفضل مطلقا.
قال العلماء: وتطهير المساجد مأخوذ من هذه الآية الكريمة ومن قوله تعالى في سورة النور: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ
…
ومن السنة من أحاديث كثيرة في الأمر بتطهيرها وتطييبها وغير ذلك من صيانتها من الأذى والنجاسات وما أشبه ذلك، ولهذا قال عليه السلام:«إنما بنيت المساجد لما بنيت له» ومن قوله تعالى وَالْعاكِفِينَ استدلوا على جواز النوم في المسجد: قال ثابت: قلنا لعبد الله ابن عبيد بن عمير: ما أراني إلا مكلم الأمير أن أمنع الذين ينامون في المسجد الحرام، فإنهم يجنبون ويحدثون: قال: لا تفعل فإن ابن عمر سئل عنهم فقال هم العاكفون قال ابن كثير: «وقد ثبت في الصحيح أن ابن عمر كان ينام في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عزب» .
وهكذا رأينا في الآية ثلاث قضايا معطوفا بعضها على بعض ومرتبطا بعضها ببعض إذ