الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المصدق لما معهم، وكيف أنهم في الوقت نفسه يتبعون الشياطين والسحر، بينما هم يزعمون كما عرضته علينا المجموعة الأولى أنهم لا يتبعون القرآن؛ لأنهم يؤمنون بما أنزل عليهم.
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا.
وبذلك كملت المجموعات الثلاث بعضها بعضا، فكانت فقرة واحدة إذ بمجموعها بينت كيف أنهم يتركون ما أمروا به، ويقتلون أو يكذبون من أمروا بمتابعته، ويتابعون من أمروا بمحاربته، ويعملون ما أمروا بتركه. ولنبدأ عرض الآيات:
العرض والتفسير:
أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ نبذه أي نقضه ورفضه وقوله فَرِيقٌ مِنْهُمْ يدل على أن الذي يتولى النقض هم البعض، قال الحسن البصري:«نعم ليس في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه ونبذوه، يعاهدون اليوم وينقضون غدا» .
أقول: فعلينا أن نلاحظ دائما في التعامل معهم هذا المعنى، فمن لم يضع هذا المعنى في حسابه يكون من الغافلين، صحيح أن الذي ينقض العهد فريق، ولكن الآخرين يؤيدون النقض، ويقبلونه ويرضون به، إن لم يكن علنا فسرا أو ضمنا، هذا ما نأخذه من الآية بشكل دائم، ولكن إذا ربطنا هذه الآية بقوله تعالى: أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ فإنه يخرج معنا معنى مرتبط بموقفهم من الرسل، وقد سجل هذا المعنى ابن كثير: حين قال:
«وقال مالك بن الصيف (من اليهود) حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرهم ما أخذ عليهم من الميثاق، وما عهد إليهم في محمد صلى الله عليه وسلم: والله ما عهد إلينا في محمد وما أخذ علينا ميثاقا» فأنزل الله تعالى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ
…
فكأن الفريق على هذا التفسير هو الجيل من أجيالهم. قال ابن كثير: «قلت: فالقوم ذمهم الله بنبذهم العهود التي تقدم الله إليهم في التمسك بها والقيام بحقها، ولهذا أعقبهم ذلك التكذيب بالرسول المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، الذي في كتبهم نعته وصفته وأخباره، وقد أمروا فيها باتباعه ومؤازرته ونصرته» .
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ إذا نظرنا إلى هذه الجملة من خلال التفسير الأول كان معناها: بل أكثرهم لا تظهر عليه ثمرات الإيمان من تمسك بالعهود ووفاء لها، وإذا نظرنا إلى الآية من خلال التفسير الثاني كان المعنى: بل أكثرهم لا يؤمنون بمن أخذ عليهم
العهد أن يؤمنوا به، ومن ثم قال السدي فيها:«(أي) لا يؤمنون بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم» ، وقال النسفي: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ بالتوراة وليسوا من الدين في شئ، فلا يعدون نقض المواثيق ذنبا ولا يبالون،
وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ. أي: ولما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم مصدق لما معهم من التوراة نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ. أي:
طرح طائفة منهم كتاب الله الذي بأيديهم وهو التوراة بما فيه البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله، أو كأنهم ليسوا أهل كتاب سابق يعلمهم، والذين أوتوا الكتاب في الآية هم اليهود، ونبذ الكتاب وراء الظهور مثل لتركهم له وإعراضهم عنه، مثل بما يرمى به وراء الظهور استغناء عنه وقلة التفات إليه، ويلاحظ أن كلمة (فريق) تكررت في هذه الآية والتي قبلها، هناك في معرض نقض الميثاق، وهنا في معرض ترك اتباع التوراة في موضوع الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، فبين الآيتين ارتباط لا يخفى على اللبيب،
ثم تأتي الآية الثالثة وارتباطها بما قبلها واضح لوجود حرف العطف إذ تبتدئ الآية بقوله تعالى: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ فصار التقدير نبذ اليهود كتاب الله، واتبعوا إملاءات الشياطين، وكتب السحر، والشعوذة هذه طبيعتهم: إعراض عما كلفوا به مما ينفعهم في دنياهم وأخراهم، واتباع لما حظر عليهم مما يظنون أنه ينفعهم في دنياهم.
وقبل أن نبدأ شرح الآية نحب أن نلفت النظر إلى قضيتين: الأولى السحر، والقضية الثانية حول هاروت وماروت، فالآية في سياقها تعرضت لهاتين القضيتين. وقد جرى خلاف كثير بين العلماء في تفسير الآية بسبب هاتين القضيتين ونحن سنعقد فصلين حولهما بعد أن ننهي عرض المقطع حتى يبقى عرض السياق مستمرا وسنقتصر على أدنى ما يلزم من كلام للعرض فليلاحظ ذلك.
وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ هذه الآية معطوفة على ما قبلها فبنو إسرائيل نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا .. قال ابن كثير: أي واتبعت اليهود- الذين أوتوا الكتاب من بعد إعراضهم عن كتاب الله الذي بأيديهم ومخالفتهم لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ما تتلوه الشياطين أي ما ترويه وتخبر به، وتتحدث به الشياطين على ملك سليمان، وعداه ب (على) لأنه ضمن (تتلو) تكذب ومعنى عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ. أي: على عهد ملكه وفي زمانه وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ
كَفَرُوا
هذه تبرئة لسليمان من الكفر والسحر، وحكم على الشياطين بالكفر باستعمال السحر وتعليمه يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ. أي: يعلم الشياطين الناس
السحر، ومن ثم صدر الحكم عليهم بالكفر بهذا السبب مع أنهم كفار في الأصل، يفهم من ذلك أن السحر الذي هو سحر يلازمه الكفر. وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ للمفسرين في (ما) من قوله تعالى: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ مذهبان: الأول أنها نافية، والثاني على أنها اسم موصول، وعلى أنها نافية يفهم النص مجموعة فهوم، وعلى أنها اسم موصول يفهم النص مجموعة فهوم، وسنعقد لذلك فصلا أما الآن فنقول: إن إحدى الاتجاهات الرئيسية في النص: أن هذين ملكان أنزلهما الله- عز وجل ليعلما الناس السحر ليستطيعوا أن يفرقوا بين السحر والمعجزة، ومن ثم فإنهما كانا يقولان لمن يتعلم إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ بأن تعمل بالسحر وتسحر فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ. أي: فيتعلم الناس من هاروت وماروت من علم السحر ما يتصرفون به فيما يتصرفون من الأفاعيل المذمومة ما إنهم ليفرقون به بين الزوجين مع ما بينهما من الخلطة والائتلاف، وسبب التفريق بين الزوجين بالسحر ما يخيل إلى الرجل أو المرأة من الآخر سوء منظر، أو خلق أو بغضة أو نحو ذلك من الأسباب المقتضية للفرقة، والمرء هو الرجل وتأنيثه امرأة ويثنى كل منهما ولا يجمعان وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ. أي: وما هم بضارين بالسحر أحدا إلا بعلم الله ومشيئته وقضائه وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ. أي: يضرهم في دينهم وأخراهم وليس له نفع يوازي ضرره أصلا. دل ذلك على أن تعلم السحر ضرر محض
قال النسفي: وفيه دليل على أنه واجب الاجتناب كتعلم الفلسفة التي تجر إلى الغواية. أقول: المطالعة في كتب الفلسفة حرام على من ليس عنده مناعة ضدها، وهذا بحث يقتضي فصلا وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ. أي:
ولقد علم اليهود الذين استبدلوا السحر عن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لمن فعل فعلهم ذلك أنه ما له في الآخرة من نصيب، فالخلاق هو النصيب وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. أي: ولبئس البديل ما استبدلوا به من السحر عوضا عن الإيمان ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، لو كان لهم علم بما وعظوا به، ولكنهم لا علم عندهم، إنما نفى العلم عنهم مع إثباته لهم بقوله وَلَقَدْ عَلِمُوا لأن معناه لو كان عندهم علم يعملون به، جعلهم حين لم يعلموا بعلمهم كأنهم لا يعلمون
وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. أي: ولو أنهم آمنوا بالله ورسله والقرآن، واتقوا الله باجتناب المحارم وترك ما هم عليه من نبذ كتاب الله، واتباع كتب الشياطين، لكان ثواب الله خيرا لهم مما هم فيه، فالمثوبة الثواب، وقد حكم عليهم بالجهل بقوله لَوْ