المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(1) فكرة عامة عن بدء الاستعمار - أجنحة المكر الثلاثة

[عبد الرحمن حبنكة الميداني]

فهرس الكتاب

- ‌ترجمة المؤلف [ووالده]

- ‌الشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني [المؤلف]بقلم: أيمن بن أحمد ذو الغنى

- ‌الشيخ حسن حبنكة الميداني [والد المؤلف]بقلم د: يحيى الغوثاني

- ‌1ـ مولده ونسبه:

- ‌2ـ نشأته وطلبه للعلم:

- ‌3ـ مرحلة الدعوة والتعليم:

- ‌4ـ أسلوبه في التعليم:

- ‌5ـ مشاركاته العلمية:

- ‌6ـ اهتمامه بالمجتمع والأعمال الخيرية:

- ‌7ـ مواقفه الإسلامية الشجاعة:

- ‌8 ـ صفاته الشخصية ومشاركاته الأدبية ومختارات من شعره:

- ‌9 ـ صفاته التربوية:

- ‌10 ـ وفاته:

- ‌الشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني [المؤلف]بقلم د: يحيى الغوثاني

- ‌مولده وتعليمه:

- ‌من مؤلفاته:

- ‌من آرائه ومواقفه التاريخية:

- ‌الشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني [المؤلف]بقلم: وصفي عاشور أبو زيد

- ‌دعاء

- ‌القِسمُ الأول الغَزوُ بالحِيَل وَوَسَائل المَكْرِ غَيْر المبَاشِرَة

- ‌الفصل الأوّل من القسم الأول مقَدِّمَات عَامَّة

- ‌(1) الحروب الصليبية وخيبتها وتحول اتجاهها

- ‌(2) الغزو الفكري وخطره

- ‌(3) تاريخ ظاهرة الغزو الفكري

- ‌(4) المهمات الرئيسية لأعداء الإسلام

- ‌(5) المنهج الرئيسي للغزو الفكري

- ‌(6) الوسائل الرئيسية للغزو الفكري

- ‌(7) تعريفات للأجنحة الثلاثة

- ‌(8) المؤازرون من الداخل لقوى المكر الخارجية

- ‌الفصْل الثاني المبشِّرون وأعمالهمْ

- ‌1- عرض موجز لتاريخ التبشير وأعمال المبشرين

- ‌(2) مؤتمرات المبشرين

- ‌(3) مجالات أنشطة المبشرين

- ‌(4) التآزر بين المبشرين والمستعمرين

- ‌الفصْل الثالث المستَشرقون وَأعمَالهمْ

- ‌(1) تعريف عام بالاستشراق والمستشرقين

- ‌(2) موجز تاريخ الاستشراق

- ‌(3) مدارس الاستشراق

- ‌(4) دوافع المستشرقين وأهدافهم

- ‌(5) مجالات أنشطة المستشرقين

- ‌(6) أخطر وسائل المستشرقين الفكرية

- ‌(7) موازين البحث عند المستشرقين

- ‌(8) الجامعات الغربية وأثر المستشرقين فيها على المسلمين

- ‌(9) مقارنة بين التبشير والاستشراق وأعمالها

- ‌(10) المستشرقون يدركون قدرة الإسلام الذاتية

- ‌الفصْل الرابع الاسْتِعْمَار وَالمُسْتَعْمِرُون

- ‌(1) فكرة عامة عن بدء الاستعمار

- ‌(2) الاستعمار الغربي للبلاد الإسلامية العربية

- ‌(3) الاستعمار البريطاني للهند وآثاره

- ‌(4) أبرز أعمال الكيد التي قام بها الاستعمار في بلاد المسلمين

- ‌(5) وثيقة من دولة استعمارية لنصارى وطنيين

- ‌الفصل الخامس عناصر التلاقي والأهداف والأعمال المشتركة

- ‌(1) الالتقاء على الكراهية والحقد

- ‌(2) الالتقاء على كسب المغانم

- ‌(3) الالتقاء على محاربة الإسلام وتطبيقاته

- ‌(4) محاولات الفصل الكلي بين الإسلام والمسلمين

- ‌(5) محاولات الفصل الجزئي بين الإسلام والمسلمين

- ‌الفصل السادس وسائل الغزاة وحيلهم

- ‌(1) مقدمة عامة

- ‌(2) وسائل الغزو غير المسلح

- ‌(3) شرح الوسائل

- ‌الوسيلة الأولى: الوجوه المستعارة

- ‌الوسيلة الثانية الخداع السياسي

- ‌الوسيلة الثالثة: الضغط السياسي

- ‌الوسيلة الرابعة: الحصار الاقتصادي

- ‌الوسيلة الخامسة: الحصار العلمي والثقافي

- ‌الوسيلة السادسة: التمييز الطائفي

- ‌الوسيلة السابعة: التمييز العنصري والقومي

- ‌الوسيلة الثامنة: التضليل الفكري

- ‌الوسيلة التاسعة العبث النفسي

- ‌الوسيلة العاشرة: حيل السلب المالي

- ‌الوسيلة الحادية عشرة: الإفساد الاجتماعي

- ‌الوسيلة الثانية عشرة الإفساد الخلقي والسلوكي

- ‌الفصْل السّابع منْ وَسَائل الغزو الفكري: التفريغ وَالملء

- ‌(1) مقدّمة

- ‌(2) عناصر الخطة

- ‌(3) وسائل التفريغ

- ‌(4) عمليات ملء الفراغ

- ‌(5) تسخير الجيش الجديد من أبناء الأمة

- ‌الفصْل الثامِن خطط العَدُوّ لغزو الإسْلام

- ‌(1) خطة وغرض

- ‌(2) التحريف في مفهوم التوكل على الله

- ‌(3) سوء فهم معنى الرضى بالقضاء والقدر

- ‌(4) محاولات الغزاة إلغاء ركن الجهاد في سبيل الله

- ‌الخطة الأولى: خطَّة استغلال ردود الأفعال الناتجة عن توجيه الاتهام

- ‌الخطة الثانية: خطَّة تفريغ الجهاد في سبيل

- ‌الخطة الثالثة: اتخاذ حيلة الربط الدوري بين ركن الجهاد في سبيل الله بالقتال وبين إقامة الحكم الإسلامي

- ‌الخطة الرابعة: اصطناع الفرق العميلة الأجيرة

- ‌الخطة الخامسة: خطَّة استغلال المنظمات الدولية المندسة في الشعوب المسلمة

- ‌الخطة السادسة: خطة التوريط والإحباط، لإقناع جماهير المسلمين بالعجز

- ‌(5) محاولات الغزاة تفريغ الإسلام من أحكام المعاملات وسائر شؤون الحياة

- ‌(6) محاولة إلغاء تطبيق أحكام الأحوال الشخصية الإسلامية

- ‌(7) التلاعب بالأحكام الإسلامية بحيلة المرونة في الشريعة

- ‌(8) حيلة خلط معنى التمسك المحمود بالحق بمعنى التعصب الجاهلي المذموم

- ‌(9) التلاعب بعبارات التقدمية والرجعية والتمدن والتخلف ونحوها

- ‌(10) حيلة التحسر على افتقار الأمة العربية إلى فلسفة ترفع من شأنها

- ‌(11) حيلة التمجيد بعبقرية محمد لتفريغ دعوته من كونها رسالة ربانية

- ‌الفصْل التاسِع الغزاة وأعمالهم في هدم وحدة المسلمين

- ‌(1) مقدمة عامة

- ‌(2) التجزئة باستغلال الخلافات السياسية

- ‌(3) تفتيت وحدة المسلمين هدف مشترك لدى أجنحة المكر

- ‌(4) دسائس وألاعيب استعمارية لتمزيق وحدة المسلمين

- ‌(5) التقسيم الطبقي

- ‌(6) هدم الخلافة الإسلامية

- ‌(7) مكيدة تحديد النسل

- ‌الفصْل العاشر الغزو بفكرة القوميّة

- ‌(1) خطة وأهداف

- ‌(2) مغالطة جدلية

- ‌(3) موقع الشعب العربي بين الشعوب الإسلامية الأخرى

- ‌(4) تقبّل المبادئ الأخرى بعد التفريغ بفكرة القومية

- ‌(5) الأمة العربية بعد الإسلام وقبله

- ‌الفصْل الحَادي عشر أعمال الغزَاة ضِدّ اللغةِ العربيَّة

- ‌(1) مقدمة عامة حول أهمية اللّغة

- ‌(2) الاستعمار ومحاربته للعربية الفصحى

- ‌(3) الدعوة إلى نشر العاميات واللهجات الإقليمية

- ‌(4) نظرة تاريخية إلى حركة التحويل عن الفصحى

- ‌(5) ردود على مزاعم خصوم الفصحى

- ‌(6) دغدغة العواطف القومية القديمة للتحويل عن العربية الفصحى

- ‌(7) مزاعم إصلاح رسم الخط العربي

- ‌(8) غزو الفصحى عن طريق العبث بقواعدها

- ‌(9) غزو اللغة العربية بالمفردات الأجنبية الدخيلة

- ‌(10) طلائع المستجيبين لمكيدة إحلال العاميات محل الفصحى

- ‌(11) نحن والغزاة

- ‌الفصْل الثاني عشر الغزاة وتفصيل أعمالهم في الإفساد

- ‌(1) تكسير معاقد الترابط الاجتماعي وتقطيع أوصاله

- ‌(2) العبث بجذور الأخلاق

- ‌(3) طريقا التضليل الفكري والاستدراج إلى الانحراف السلوكي

- ‌(4) الوسائل

- ‌الوسيلة الأولى: استخدام عنصر المال

- ‌الوسيلة الثانية: استخدام عنصر النساء

- ‌الوسيلة الثالثة: الاهتمام بالمرأة في مجالات العلم والثقافة والفن

- ‌الوسيلة الرابعة: فتنة الاختلاط وسفور المرأة

- ‌الوسيلة الخامسة: استخدام الآداب والفنون

- ‌الوسيلة السادسة: استخدام عنصر الحكم

- ‌الوسيلة السابعة: استخدام المسكرات والمخدرات

- ‌الوسيلة الثامنة: استخدام وسائل اللهو واللعب

- ‌الوسيلة التاسعة: اهتمام الغزاة بإفساد الفتيان والفتيات

- ‌الوسيلة العاشرة: استخدام وسائل الترف والرفاهية

- ‌الوسيلة الحادية عشرة: سياسة المستعمرين غير الأخلاقية

- ‌الوسيلة الثانية عشرة: استخدام الفكر الإلحادي

- ‌الفصْل الثالث عشر الغزو بالمذاهِبِ الاقتصَادية

- ‌(1) مقدمة عامة

- ‌(2) بين اتجاهين متباينين

- ‌(3) وسائل إيقاف نشاط غزو المذاهب المخالفة للإسلام

- ‌(4) نظام الإسلام على قمة وعن يمينها ويسارها منحدران

- ‌(5) قدوم المذاهب الاقتصادية المخالفة لنظام الإسلام

- ‌(6) لا تكفي الكلمة وحدها

- ‌(7) الأسس العامة لنظام الإسلام الاقتصادي

- ‌(8) مقارنة بين الأسس العامة للنظام الاقتصادي في الإِسلام والنظم الأخرى

- ‌(9) فرية ربط التخلف الصناعي بنظام الإسلام

- ‌(10) اصطناع المناخات المناسبة لتقبل الأفكار والمذاهب الغازية

- ‌(11) التعلُّل بعدم وجود دولة تطبق نظم الإسلام وتحميها

- ‌الفصْل الرابع عشر مَا تُعانيه الحَركات وَالمؤسَّسّاتُ الإسْلَاميَّة

- ‌(1) مقدمة عامة

- ‌(2) الكمين والإثارة

- ‌(3) الفقر الذي تعاني منه المؤسسات والحركات الإسلامية

- ‌القِسمُ الثَّاني الغَزْو بالهُجُوم المبَاشِر عَلى الإسْلَام

- ‌الفصْل الأوّل شُبهَاتٌ حَوْلَ المثَاليّةِ وَالمادّيَّةِ في الإسْلَام

- ‌الفصْل الثاني شُبهَاتٌ حَوْلَ الرُّوحيَّة وَالمادّيَّةِ في الإسْلَام

- ‌الفصْل الثالث شُبهَاتٌ حَوْلَ بَعْض العبَادات في الإسْلَام

- ‌الفصْل الرابع شُبهَاتٌ حَوْلَ الزَّكَاةِ في الإسْلَام

- ‌الفصْل الخامس شُبهَاتٌ حَوْلَ العُقوبَات في الإسْلَام

- ‌الفصْل السادس شُبهَاتٌ حَوْلَ الرِّقِّ في الإسْلَام

- ‌الفصْل السّابع شُبهَاتٌ حَوْلَ حُقُوق المَرأةِ في الإسْلَام

- ‌الفصْل الثامِن أجوبَة أسئِلة تَشكيكيَّة

- ‌القِسمُ الثالِث نَظَراتٌ عَامَّة حَوْل دَوافِع الغزو في الناسِ

- ‌الفصْل الأوّل دَوافع الغزو

- ‌(1) ربانية أو عدوانية

- ‌(2) الجهاد المقدس

- ‌(3) أهداف محاولات التسلط المادي المرتبط بالدوافع العدوانية

- ‌(4) تآزر الغزاة لتحقيق الأهداف المشتركة

- ‌الفصْل الثاني خلَاصَة وتوجيه لِلمسْلمين

- ‌(1) مقدمة

- ‌(2) العناصر الغازية

- ‌(3) نتائج حققها الغزاة

- ‌(4) خطوات العمل الحميدة

الفصل: ‌(1) فكرة عامة عن بدء الاستعمار

1-

كانت الامبراطوريات القديمة الرومانية والفارسية وغيرها إحدى مظاهر الاستعمار القديم، وقد انهارت هذه الإمبراطوريات بظهور الدولة الإسلامية الكبرى الفاتحة، تحمل لواء الإسلام، وتدعو إلى عبادة الله وحده، وتنادي بوحدة الأمة الإسلامية، مهما اختلفت أعراقها،ولغاتها وبلدانها ومواطنها من الأرض.

(1) فكرة عامة عن بدء الاستعمار

1-

كانت الامبراطوريات القديمة الرومانية والفارسية وغيرها إحدى مظاهر الاستعمار القديم، وقد انهارت هذه الإمبراطوريات بظهور الدولة الإسلامية الكبرى الفاتحة، تحمل لواء الإسلام، وتدعو إلى عبادة الله وحده، وتنادي بوحدة الأمة الإسلامية، مهما اختلفت أعراقها،ولغاتها وبلدانها ومواطنها من الأرض.

2-

ولما دب الوهن في الأمة الإسلامية، بابتعادها عن تطبيق أحكام الإسلام، ودخول الاختلافات الفكرية المذهبية الاعتقادية في كتل كبرى من المنتمين إليه، ودخول التنازل على السلطة ومطامع الحياة الدنيا في صفوف ذوي السلطان والمال والاستغراق في متاع الحياة الدنيا، توجهت مطامع الدول الصليبية الأوروبية لمحاربة المسلمين، بحجة استعادة الأرض المقدسة لدى النصارى في بلاد الشام.

3-

وبعد حروب دامت قرابة قرنين من الزمان، وخيبة الصليبيين في تحقيق أهدافهم، وطرد المسلمين لهم، وعودتهم إلى بلدانهم معتقدين أن ما خسروه في حروبهم شيء عظيم، وأنه ما كان من مصلحتهم أن يغامروا فيما غامروا فيه طوال هذه الحروب -صرفوا النظر عن القيام بمغامرات جديدة مماثلة، قبل أن يهيئوا شعوب الأمة الإسلامية لتقبل حكم الغرب، وتقل سيادته عليهم، دينياً ونفسياً واجتماعياً.

4-

عندئذ تحولت النزعة الاستعمارية لدى الغربيين لاكتشاف مواطن في العالم

ص: 168

غنية يمتلكونها، ولا يصارعون لامتلاكها شعوباً تنتمي إلى الإسلام، وتحميها مراكز القوة في العالم الإسلامية.

ومع بداية القرن الثالث عشر الميلادي (السادس الهجري) ظهر في الغرب ما يعرف بعهد الكشوف الجغرافية، وقد تضافرت في الغرب عدة عوامل أدت إلى ظهور حركة الكشف الجغرافي، أهمها العوامل التالية:

الأول: العامل السياسي، وقد قوي مع ظهور الدولة الوطنية الحديثة، ذات الرغبة الملحة في بسط سيطرتها على غيرها من الأمم والشعوب.

الثاني: العامل الاقتصادي، الذي دفع الغربيين للتخلص من سيطرة المسلمين على الطرق البحرية التي تصل الغرب بالشرق، والذي حرك أطماع الغربيين في الحصول على الذهب والأرض والعبيد.

الثالث: العامل الديني، الذي كان له دور كبير في دفع حركة الكشف الجغرافي، بغية نشر النصرانية، وقد برز هذا العامل بوضوح لدى البرتغاليين، والأسبانيين، منذ القرن الرابع عشر الميلادي.

فبعد إخراج المسلمين من الأندلس صار لدى نصارى شبه جزيرة إيبريا رغبة قوية في مطاردة المسلمين خارجها. وانتقل نشاطهم إلى شمال إفريقية وغربها يتعقبون المسلمين. وراودتهم الآمال بإمكان محاصرة الإسلام عن طريق البحر، وطعنه من الخلف، ولا تزال مدينتا "سبتة" و"مليلة" المغربيتان ثغراً المغرب على البحر الأبيض المتوسط مستعمرتين من قبل الإسبان منذ ستة قرون.

وكان من أهداف البرتغاليين تحويل المسلمين في غرب إفريقية وفي غيرها من البلدان الآهلة بهم إلى النصرانية، ومن المؤكد لدى المؤرخين أن الرغبة في نشر المسيحية، ومعاداة الإسلام، كانت من الحوافز التي دفعت

ص: 169

المغامرين من البرتغال وأسبانيا لتحمل المشقات العظمية أثناء رحلاتهم.

وظل هذا الحافز الديني يوجه جهود المكتشفين والمستعمرين الأوروبيين، وكان محل رضى عدد من البابوات، فأصدروا مراسيم متلاحقة تخول ملوك الببرتغال وأسبانيا الحق في ملكية كل إقليم جديد، وكل بحر جديد يتم اكتشافه في الحاضر والمستقبل. ووصف بعض البابوات في هذه المراسيم الإسلام بأنه "طاعون" وطالبوا ببذل أقصى الجهود لتنصير سكان المناطق التي اكتشفت أو سوف تكتشف، والحيلولة بينهم وبين الإصابة بطاعون الإسلام.

وبذل البابوات نفوذهم الديني والأدبي لإغراء البحارة على الانخراط في سلك البعثات الكشفية، وصاروا يعدون المشتركين في تلك الرحلات بالعفو يوم القيامة، وبدخول الجنة.

وصدرت الأوامر البابوية برسم الصلبان على أشرعة السفن وكان المبشرون بالنصرانية من رجال الكنيسة يرافقون الرحلات الكشفية للقيام بمهمات التبشير.

5-

وفي أواخر القرن الخامس عشر (1497-1499م) قام "فاسكوداجاما" بأول رحلاته المشهورة للوصول إلى الهند واجتاز رأس الرجاء الصالح، واستعان بالملاح المسلم "شهاب الدين أحمد بن ماجد" في الوصول إلى ساحل "مليبار".

وهذه الرحلة فتحت الطريق أمام البرتغاليين للسيطرة على البحار الشرقية، واحتكار تجارة الشرق، ونقلها إلى أوربا عن طريق رأس الرجاء الصالح، بعيداً عن الطرق الأخرى التي يسيطر عليها المسلمون.

6-

ثم رأى البرتغاليون مصلحتهم في القضاء على المسلمين في هذه البحار التي يسيطرون عليها، فقاموا بحملات تصادم مع المسلمين انتهت بسيطرتهم على هذه البحار الموصلة إلى الهند، وإقامة مستعمرات هي بمثابة مراكز تجارية على السواحل.

ص: 170

وساعد البرتغاليين على تحقيق أغراضهم الاستعمارية في مواطن المسلمين واقع الانقسامات بين المسلمين، والخلاف الشديد القائم بين الدولة العثمانية،والدولة المملوكية في مصر والشام، والدولة الصفوية في فارس.

7-

وفي النصف الأول من القرن السادس عشر الميلادي كان البرتغاليون قد استولوا على مجموعة من الممتلكات على طول شواطئ شرق إفريقية وغربها وفارس والخليج العربي، والمليبار وسيلان والهند الصينية وأرخبيل الملايو.

8-

ومع أوائل القرن السادس عشر الميلادي اكتشف "كولمبس" باسم مملكة أسبانيا "العالم الجديد" الذي كان يظنه جزر الهند الشرقية، ثم صار يعرف بجزر الهند الغربية، وهي في الحقيقة من أمريكا الجنوبية.

ثم اتجه بعض الأسبان صوب أمريكا الشمالية، في الوقت الذي كانوا يؤسسون فيه مستعمراتهم في أمريكا الوسطى، وأمريكا الجنوبية، ودخلوا الأقاليم المعروفة الآن باسم الولايات المتحدة الأمريكية. وظهر للأسبان مستعمرات واسعة في أمريكا.

9-

يلخص المؤرخون نظام الاستعمار الأسباني في العالم الجديد بما يلي:

"قد عمل على إخضاع جماعات كبيرة العدد من الأهالي الهادئين النشيطين لحفنة قليلة من العسكريين والتجار المخاطرين، الذين لم يكن لهم همٌُّ سوى جمع الثروة في أسرع وقت ممكن، وأصبح ملايين الهنود تحت رحمة بضعة آلاف من الغزاة الجبابرة العتاة، وفتح الأسبانيون مناجم غنية كان يعمل فهيا عشرات الألوف من الهنود حتى الموت.

أما سكان البلاد الأصليون والزنوج الذين جلبوا من الخارج عن

ص: 171

طريق الاسترقاق القهري، ومواليدهم، فقد سخرهم الغزاة المستعمرون عبيداً أرقاء يعملون لهم في الأرض.

وتكدَّست الثروة في أيدي عدد قليل من الناس، أما سائر الناس فهم في فقر وضنك من العيش".

10-

وفي أواخر القرن السادس العشري الميلادي بدأ الإنكليز يسيطرون على الساحل الشرقي لأمريكا الشمالية، ويؤسسون فيه مستعمراتهم، بعد انتصاراتهم على الأسطول الأسباني.

وبدأ الاستعمار الإنكليزي في العالم الجديد بعام (1578م) .

ثم أخذت السفن الإنكليزية في القرن السادس عشر الميلادي تدخل البحر المتوسط، بحثاً عن السع الشرقية والاتِّجار فيها.

ومع انتهاء هذا القرن أيقن الإنكليز أنه لا توجد وسيلة للوصول إلى ثروة الشرق إلا بمزاحمة البرتغاليين مباشرة في الأسواق الشرقية.

وتحولت الملاحة البريطانية من طرق البحر المتوسط إلى طريق رأس الرجاء الصالح.

وتأسست شركة الهند الشرقية الإنكليزية سنة (1600م) ، وحصلت على براءة ملكية تمنحها حق احتكار التجارة في المنطقة الواقعة إلى الشرق من رأس الرجال الصالح، وحق شراء الأراضي في هذه المنطقة.

ونزل الإنكليز أيضاً في إفريقية الغربية، وتأسست الشركة الإفريقية عام (1618م) .

وسيطر الإنكليز على الهند عن طريق شركة الهند الشرقية البريطانية عام (1748م) حتى عام (1858م) ، ثم أخضعتها بريطانيا لإدارتها المباشرة.

11-

وشاركت فرنسا متأخرة في حملاتها الراغبة باستعمار مواطن في العالم الجديد.

ص: 172

وخلال القرنين السابع عشر والثامن عشر حاولت فرنسا أن تحصل على موطئ قدم في جزيرة "مدغشقر".

ثم أضحى ساحل هذه الجزيرة مكمناً مفضَّلاً للقراصنة الأوربيين، لا سيما الفرنسيون والهولنديّون والإنكليز.

ولم تنجح فرنسا في إقامة مراكز صغيرة لها على الجزيرة، رغم محاولات عديدة من جانب التجار الفرنسيين.

وحاولت فرنسا منذ عام (1601م) إقامة مستعمرات كبرى لها في هندستان، إلا أن القوة العسكرية للأباطرة المغول أحبطت كلَّ محاولاتها.

ثم انتزعت انكلترا من فرنسا أكبر مستعمراتها في الهند في صلح باريس عام (1763م) .

12-

وطعمت "هولندة" بأن يكون لها نصيب في الاستعمار، فبعثت رحلاتها إلى العالم الجديد.

وفي عام (1614م) ادَّعوا أنَّ لهم حقوقاً في استعمار وامتلاك المنطقة الساحلية في أمريكا الشمالية.

وفي عام (1626م) صارت "نيونذرلند" أو "هولندة الجديدة" مستعمرة حقيقية لهولندة. ثم استردها الإنكليز منها عام (1664م) .

وفي عام (1673م) احتل الهولنديون "نيويورك" وأعادوا إليها اسمها الهولندي، ولكن لم يلبث البريطانيون أن استردوها منهم عام (1674م) وظلَّت إنكليزية حتى قيام الثورة الأمريكية.

وفي الشرق احتل الهولنديون جزيرة "سنت هيلانة".

وأقاموا مستعمرة عند رأس الرجاء الصالح سنة (1652م) .

وأقاموا محطات لتجارة الحرير في موانئ فارس، والخليج العربي، ومحطة لتجارة البنّ في "مخا" باليمن.

لكن اهتمام الهولنديين الرئيسي قد كان موجّهاً لأرخبيل الملايو،

ص: 173