الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وذكر القاضي في «الجامع» رواية ثانية له: يوجب الغسل على أيِّ صفة خرج، بشهوة أو بغير شهوة، للعمومات فيه. وأخذها من نصِّه على أنَّ من جامع ثم اغتسل ثم أنزل، فعليه الغسل
(1)
؛ مع أنَّ ظاهر حاله أنه يخرج بغير شهوة.
فصل
إذا احتلم ولم ير الماء فلا غسل عليه
. وإن استيقظ فرأى الماء فعليه الغسل. وإن استيقظ فرأى بللًا لا يعلم منيٌّ هو أم مَذْيٌ، فإن ذكر احتلامًا لزمه الغسل، سواءٌ تقدَّم نومَه بفكر أو مسيسٍ أم لا، لأن هناك سببًا قريبًا
(2)
يضاف الحكم إليه. وإن لم يذكر احتلامًا لزمه أيضًا الغسلُ، إلا أن يتقدَّمه بفكر أو نظر أو لمس، أو تكون به إبرِدَة، فلا غسل عليه.
وعنه ما يدلّ على أن لا غسل عليه مطلقًا، لأنه يجوز أن يكون منيًّا وأن يكون مَذْيًا، وهو طاهر بيقين، فلا تزول طهارته بالشك.
والصحيح: الأول، لما روت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلامًا قال:«يغتسل» ، وعن الرجل يرى أن قد احتلم ولا يجد البلل قال:«لا غسل عليه» رواه أحمد وأبو داود [119/ب] وابن ماجه
(3)
واحتجَّ به أحمد.
(1)
انظر: «المغني» (1/ 268).
(2)
في الأصل: «سبب قريب» .
(3)
أحمد (26195)، وأبو داود (236)، وابن ماجه (612)، والترمذي (113).
إسناده ضعيف، فيه عبد الله بن عمر العمري لين، وبه ضعفه الترمذي، والنووي في «الخلاصة» (1/ 190)، وله شاهد يقويه من حديث أنس، انظر:«السلسلة الصحيحة» (2863).
ولأنّ هذا الماء لا بدّ لخروجه من سبب، وليس هناك سبب ظاهر إلا الاحتلام، والماء الذي يخرج بالاحتلام في الغالب إنما هو المنيُّ، فألحقت هذه الصورة المجهولة بالأعمِّ الأغلب. ولهذا إذا كان هناك سبب ظاهر يضاف إليه مثل لمس أو تفكير أو إبْرِدَة أضفناه إليه وجعلناه مَذْيًا، لأن الأصل عدم ما سواه.
ومن رأى في ثوبه الذي لا ينام فيه غيرُه منيًّا لزمه الغسل، ويعيد ما صلَّى بعد آخر نومةٍ نامها فيه، إلا أن يعلم أنه قبلها، فيعيد من آخر نومة يمكن أنه منها. وإن كان الرائي لذلك صبيًّا لزمه الغسل إن كان سنُّه ممّن يمكن
(1)
البلوغ، وهو استكمال ثنتي عشرة سنة أو عشر سنين أو تسع سنين، على اختلاف الوجوه الثلاثة.
فأما إن وجد اثنان منيًّا في ثوب ناما فيه، فلا غسل على واحد منهما، في المشهور. وكذلك كلُّ اثنين تيقَّن الحدثَ من أحدهما لا بعينه، لأن كلَّ واحد منهما مكلَّف باعتبار نفسه، ولم يتحقَّق زوالَ طهارته؛ كما لو قال أحدهما: إن كان هذا الطائر غرابًا فزوجتي طالق، وقال الآخر: إن لم يكن غرابًا فزوجتي طالق، وطار ولم يُعلَم ما هو. لكن لا يأتَمُّ
(2)
أحدهما بصاحبه
(3)
. وعنه: يلزمهما
(4)
جميعًا الطهارة، لأنَّا تيقنَّا حدثَ أحدهما،
(1)
كذا في الأصل والمطبوع. ولعل الصواب: «يمكنه» .
(2)
في الأصل والمطبوع: «يأثم» ، تصحيف.
(3)
في المطبوع: «صاحبه» ، والصواب ما أثبت من الأصل. وانظر:«المغني» (1/ 271).
(4)
في المطبوع: «تلزمها» ، والمثبت من الأصل.
وليس في أمرهما بالغسل
(1)
كبيرُ مشقَّة
(2)
.
فإن أحسَّ بانتقال المنيِّ عند الشهوة، فأمسك ذكره، فلم يخرج، وجب الغسل في [120/أ] المشهور من الروايتين. وفي الأخرى: لا يجب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إذا خذفتَ وفضختَ» ، ولم يوجد ذلك. ولأنه ما لم يخرج فهو في حكم الباطن، فلم يجب بتنقُّله فيه طهارةٌ، كالريح المتنقِّلة من المعدة إلى قريب المخرج.
ووجه الأول: أنه منيّ انعقد، وأخذ في الدَّفْق والخروج، فأشبه ما لو خرج من الأقلف المُرْتَتق إلى ما بين القلفة والحشفة، كالمرأة إذا أنزلت ولم يخرُج إلى ظاهر فرجها. ولأن الانتقال مظنّة الإنزال والخروج، فأوجب الغسل كالتقاء الختانين، وأولى منه، لأن الانتقال لا يتخلَّف
(3)
عنه الخروج، بل لا بدَّ أن يخرج، ولا يعود
(4)
إلى محلِّه. ومعنى الحديث: إذا أخذتَ في الخذف والفضخ، لأنه إذا ظهر بعد ذلك وجب الغسل إجماعًا ولا خذف ولا فضخ. هذا يخالف الريح المتردِّدة، فإنه
(5)
لا بد من ظهوره، بخلاف الريح فإنها قد تعود إلى محلِّها.
فإن قلنا: لا يجب الغسل، فإذا خرج لزمه الغسل، سواء كان قد اغتسل أو لم يغتسل، قبل البول أو بعده، لأنه منيٌّ انتقل بشهوة وخرج، فلا بدَّ أن
(1)
في الأصل: «بالوضوء» ، والتصحيح من المطبوع.
(2)
في المطبوع: «كثير مشقة» ، والكلمة الأولى مهملة في الأصل.
(3)
في الأصل: «لا يختلف» ، تحريف.
(4)
في المطبوع: «بل ولا يعود» ، زاد «بل» خطأ.
(5)
في الأصل: «فإن» .
يوجب الغسل، كما لو خرج عقيب الانتقال، بخلاف الذي يتنقّل
(1)
بلا شهوة.
وإذا قلنا: يجب الغسل، فاغتسل، ثم خرج منه، فهو كما لو اغتسل لمنيٍّ خرج بعضُه، ثم خرج باقيه. والمشهور عنه: أنه لا يوجب غسلًا ثانيًا حتّى إنَّ من أصحابنا من يجعله روايةً واحدةً، لما روى سعيد عن ابن عباس أنه سئل عن الجنب يخرج منه المنيُّ بعد [120/ب] الغسل. قال: يتوضأ
(2)
. وكذلك ذكره الإمام أحمد عن علي
(3)
. ولأنه منيٌّ واحد فلا يوجب غسلَين، كما لو ظهرَ [دفعةً واحدةً]
(4)
. ولأن الموجب هو المنيُّ المقترن بالشهوة وهو واحد. ولأن الثاني خارج عن غير شهوة، فأشبه ما لو خرج لإبْرِدَة أو مرض. وهذا تعليل الإمام أحمد، فقال: لا غسل فيه، لأن الشهوة ماضية. وإنما هو حدث، وليس
(5)
بجنابة أرجو أن يجزئه الوضوء، لأنه خارج من السبيل
(6)
.
وعنه: أنه يوجب الغسل ثانيًا، لأنه منيّ انتقل بشهوة، فأوجب الغسل كالأول، وكما لو خرج عقيب انتقاله.
وعنه: إن خرج قبل البول اغتسل، وإن خرج بعده لم يغتسل؛ لأن ذلك
(1)
في المطبوع: «ينتقل» ، والمثبت من الأصل.
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة (1491)، وابن المنذر في «الأوسط» (2/ 112).
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة (1490)، وابن المنذر في «الأوسط» (2/ 112).
(4)
زيادة منّي. انظر: «المغني» (1/ 269) و «المبدع» (1/ 152).
(5)
في المطبوع: «ليس» دون الواو، والمثبت من الأصل.
(6)
نقل قول الإمام أحمد مختصرًا في «المبدع» (1/ 152).
يُروى عن علي
(1)
، وقد ضعَّفه الإمام أحمد. ولأن ما قبل البول هو بقية المنيِّ الأول، وقد انتقل بشهوة. وما بعد البول يجوز أن يكون بقية الأول، ويجوز أن يكون غيرَه خرَج لإبْرِدَة أو مرض. وهو الأظهر، لأن البول يدفع بقايا المني، لأنَّ مخرج المني تحت مخرج البول، وبينهما حاجز رقيق، فينعصر مخرجُ المني تحت مخرج البول، فيخرج ما فيه؛ والوجوب لا يثبت بالشكِّ. وعلى هذا التعليل، فلا يصح مخرجُ هذه الرواية إلى المنتقل، فإنه لا بدَّ من خروجه قبل البول أو بعده. ويمكن تعليله بأن ما خرج قبل البول يكون انتقاله إلى الذكر بدفق وشهوة، كالخارج إلى باطن القُلفة، بخلاف ما لم يخرج [إلا]
(2)
بعد البول، فإنه حين انتقل إلى الذكر كان بغير شهوة، فأشبه الخارجَ [121/أ] عن إبْرِدة أو مرض.
وقد روي عنه عكس هذه الرواية، لأن ما بعد البول منيٌّ جديد، بخلاف ما قبله فإنه بقية الأول.
فأما إن وُجد سببُ الخروج ولم يخرُج، قسمان
(3)
:
أحدهما: أنه يحتلم، ثم يُنزل بعد الانتباه. فيجب عليه الغسل، نصَّ عليه. لكن إن خرج لشهوة وجب حينئذ، وإن خرج بغير شهوة ثبَّتنا وجوبه
(1)
أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (2/ 112 - 113) من طريق عطاء بن السائب، عن علي. وقال:«هذا مُرسل لأن عطاءً لم يسمع من عليٍّ شيئًا» . وقال أيضًا قبل سَوق إسناده: «وليس بثابت عنه» .
(2)
زيادة من المطبوع.
(3)
في المطبوع: «فقسمان» ، والمثبت من الأصل، وله نظائر في الحديث وغيره. انظر:«شواهد التوضيح» لابن مالك (ص 136).
حين الاحتلام وسكون الشهوة، على المشهور، لأنه حينئذ انتقل. [و] يعيد
(1)
ما صلَّى بعد الانتباه وقبل الخروج، لأنه كان جنبًا
(2)
ولم يعلم. وعلى قولنا: لا يجب إلا بالخروج، يكون جنبًا من حين خروجه.
والثاني: أن يجامع ولا يُنزل، فيغتسل، ثم يُنزل بعد ذلك. فيجب عليه الغسل، نصَّ عليه. وهو على الطريقة المشهورة لأصحابنا محمولٌ على ما إذا وُجدت شهوة بعد الوطء حين الإنزال أو قبله، فيكون المني قد انتقل بها، وشهوةُ الجماع قصرت عنه. فأما إذا لم تتجدد شهوة، فهو كالمني المنتقل إذا خرج بعد انتقاله، على ما تقدَّم.
وتحقيق هذه الطريقة أنه قد نصَّ في رواية أخرى في هذه أنه إن خرج قبل البول يغتسل، وإلا فلا. وهذا يبيِّن أنه لا فرق عنده في المني الخارج بعد الغسل بين أن يكون بعد
(3)
جماع أو بعد إنزال. وكلامه في [هذه]
(4)
المواضع وتعليله يقتضي ذلك، وهو قول جمهور أصحابنا.
ومنهم من أوجبه مطلقًا، فعلى هذا ينبغي أن يقال بتكرُّر الوجوب فيما إذا خرج بعد انتقاله [121/ب] أو بعد وطئه، لأنه منيٌّ تامٌّ قد خرج وانتقل بشهوة، دون ما إذا خرج بعضه ثم خرجت بقيته، حيث كان الثاني جزءًا من
(1)
في الأصل: «بعد» ، تحريف. انظر:«الفروع» (1/ 255). وما بين الحاصرتين زيادة مني.
(2)
أصلح النص في المطبوع بالحذف والتعديل على الوجه الآتي: «حين الاحتلام على المشهور لأنه حينئذٍ انتقل بعد الانتباه وسكون الشهوة وقبل الخروج كان جنبًا» .
(3)
«بعد» ساقط من المطبوع.
(4)
الزيادة من المطبوع.
الأول. وعلى هذا يكون كلُّ واحد من الانتقال والخروج سببًا، كما أنّ كلَّ واحد من الوطء والإنزال سببٌ
(1)
. ويمكن على هذا أن يقال في المنيِّ الخارج بعد الانتباه: هو
(2)
الموجِب، لأنه لم يُحبَس، بخلاف من أمسك
(3)
ذكره.
فأما الوضوء من الخارج في جميع هذه الصور، فلا بدَّ منه، لأنه خارج من السبيل.
فصل
وأما التقاء الختانين، فيوجب الغسل. وهو كالإجماع، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إذا جلس بين شُعَبها الأربع، ثم جَهَدها، فقد وجب الغسل»
(4)
متفق عليه
(5)
. ولمسلم: «وإن لم يُنزل» .
وعن أبي موسى الأشعري قال: اختلف
(6)
في ذلك رهطٌ من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدَّفْق أو من الماء. وقال المهاجرون
(7)
: بل إذا خالط فقد وجب الغسل. قال: فقلت: أنا أشفيكم. فقمتُ فاستأذنتُ على عائشة، فأذنَتْ لي، فقلت لها: إني أريد
(1)
في الأصل: «سببًا» .
(2)
في الأصل: «وهو» .
(3)
في الأصل: «أمس» .
(4)
بعده في الأصل: «وهو كالإجماع» ، مكرَّر لانتقال النظر.
(5)
البخاري (251) ومسلم (348).
(6)
في الأصل: «اختلفت» .
(7)
في الأصل: «المهاجرين» .
أن أسألكِ عن شيء وإني أستحييكِ. فقالت: لا تستحيِ أن تسألني عمَّا كنتَ سائلًا عنه أمَّك. قلتُ: فما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطتَ. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جلس بين شُعَبها الأربع، ومسَّ الختانُ الختانَ، فقد وجب الغسلُ» رواه أحمد ومسلم
(1)
. يعني [122/أ]: رجلَيها وشُفْرَيها.
وما روي من الرخصة في ذلك مثلَ ما رواه زيد بن خالد من أنه سأل عثمانَ بن عفّان رضي الله عنه فقال: أرأيتَ إذا جامع الرجل امرأته، فلم يُمْنِ؟ فقال عثمان رضي الله عنه: يتوضَّأ كما يتوضَّأ للصلاة، ويغسل ذكره. وقال عثمان: سمعتُه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فسألتُ عن ذلك عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه، والزبير بن العوّام، وطلحة بن عبيد الله، وأبيَّ بن كعب؛ فأمروه بذلك. متفق عليه
(2)
، وهذا لفظ البخاري= فإنه منسوخ
(3)
.
قال أبيُّ بن كعب: إنّ الفتيا التي
(4)
كانوا يقولون: الماء من الماء، رخصةٌ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رخَّص فيها في أول الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعدها. رواه أحمد وأبو داود والترمذي
(5)
ولفظه: إنما كان الماء من الماء
(1)
أحمد (24655)، ومسلم (349) واللفظ له.
(2)
البخاري (292) ومسلم (347).
(3)
«فإنه منسوخ» خبر «وما روي من الرخصة» .
(4)
في الأصل: «الذي» .
(5)
أحمد (21100)، وأبو داود (215)، والترمذي (110)، وابن ماجه (609)، من طرق عن الزهري، عن سهل بن سعد، عن أبي بن كعب به.
قال الترمذي: «حديث حسن صحيح» ، وصححه ابن خزيمة (226)، وابن حبان (1173)، وأعل بالانقطاع بين الزهري وسهل، انظر:«نصب الراية» (1/ 82 - 83)، «التلخيص الحبير» (1/ 135).
رخصةً في أول الإسلام، ثم نُهِيَ عنها. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وعن محمود بن لبيد أنه سأل زيد بن ثابت عن الرجل يجامع أهله، ثم يُكْسِل ولا يُنزِل. قال: يغتسل. قال: قلتُ: فإن أبيَّ بن كعب كان يقول: لا غُسلَ عليه. قال زيد: إنَّ أُبَيًّا قد نزَع عن ذلك قبل أن يموت. رواه أحمد
(1)
.
وحكى
(2)
أحمد عن عثمان والصحابة المسمَّين معه العَودَ إلى القول بالغسل
(3)
.
وعن الزهري قال: سألتُ عروة عن الذي يجامع ولا يُنزل، فقال: حدّثتني عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، ولا يغتسل. وذلك قبل فتح مكة، ثم اغتسَل بعد ذلك [122/ب] وأمرَ الناسَ بالغسل. رواه الدارقطني
(4)
.
ومعنى التقاء الختانين: تغييبُ الحشفة في الفرج، سواء كانا مختونين أو
(1)
لم أقف عليه عند أحمد بهذا الطريق والسياق.
وأخرجه مالك في «الموطأ» (1/ 91)، ومن طريقه الطحاوي في «شرح المعاني» (1/ 57).
(2)
في الأصل والمطبوع: «وحكاه» .
(3)
أخرج عبد الرزاق (936) عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، قال: كان عمر، وعثمان، وعائشة، والمهاجرون الأولون يقولون: إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل. وانظر: «الأوسط» (2/ 79 - 81).
(4)
الدارقطني (1/ 126)، من طريق الحسين بن عمران، عن الزهري به.
وصححه ابن حبان (1180)، قال الحازمي في «الاعتبار» (34):«الحسين بن عمران قد يأتي عن الزهري بالمناكير، وقد ضعفه غير واحد من أصحاب الحديث، وعلى الجملة، الحديث بهذا السياق فيه ما فيه، ولكنه حسن جيد في الاستشهاد» .
لا. وذلك يحصل بتحاذي الختانين، لأنّ ختان المرأة في الجلدة التي في أعلى الفرج كعُرْف الديك، ومحلّ الوطء هو مخرج الحيض والمني والولد في أسفل الفرج، فإذا غابت الحشفة فيه تحاذى الختانان، فيقال: التقيا. ولو التزق الختان بالختان من غير إيلاج، فلا غسل، ولذلك
(1)
قال صلى الله عليه وسلم: «إذا جاوز الختانُ الختانَ وجب الغسل» رواه الترمذي
(2)
، وقال: حديث حسن صحيح. وكنى عن تغييب الحشفة بمسِّ الختان الختان، لأنه يحصل معه غالبًا.
ولو غيَّب الحشفةَ من وراء حائل وجب الغسل في أحد الوجهين.
وإذا قُطِع ذكرهُ، فأولج من الباقي بمقدار الحشفة وجب الغسل، وتعلَّقت به أحكامُ الوطء من التحليل والمهر وغير ذلك، وإلا فلا.
فأما الخصيُّ إذا جامع، فقال أحمد في خصيّ ومجبوب
(3)
جامع امرأته: لا غسل عليه، لأنه قد ذهب قضيبه. فإن أنزل، فعليه الغسل. وقال أيضًا: إذا كان له ما يصِل به وجب عليه الغسل، وإلا إذا أنزل. قيل: امرأته؟ قال: إذا أنزلَتْ. قال أصحابنا: إذا كان قد بقي من ذكره ما يصل به إلى المرأة ــ وهو مقدار الحشفة ــ وجب عليه الغسل وعليها بإيلاجه، وإلّا لم يجب إلّا بالإنزال للماء، وإن لم يكن مما
(4)
يخلق منه الإنسان.
وسواء أولج في فرج ذكر أو أنثى، من [123/أ] حيوان ناطق أو بهيمة،
(1)
في الأصل والمطبوع: «وكذلك» .
(2)
برقم (108).
(3)
في الأصل: «مختون» ، تصحيف.
(4)
في الأصل والمطبوع: «وإن لم يلزمها» ، وهو تصحيف.
حيٍّ أو ميِّت، سواء في ذلك الفاعل والمفعول به؛ لأنه وطءٌ في فرج أصليٍّ
(1)
، فأشبه فرج المرأة؛ ولأنه مظنة الإنزال، وإن لم يكن يُشتهى في الغالب، لأنَّ الإقدام على ما [لا]
(2)
يشتهى غالبًا دليل على قوة الشهوة.
وكذلك لو استدخلت المرأةُ ذكرَ ميِّت أو بهيمة، وسواء في ذلك اليقظان والنائم، والطائع والمكره؛ لأنَّ موجبات الطهارة لا يُعتبر فيها القصدُ، بدليل احتلام النائم وسبق الحدث.
ولا بدَّ أن يكون الفرج أصليًّا، فلو وَطِئ الخنثى المشكلُ أو وُطِئ في قُبله، فلا غسل عليهما، لاحتمال أن يكون أولج بخلقة زائدة أو أولج في خلقة زائدة منه. وكذلك لو أولج كلُّ واحد من الخنثيين ذكره في قبل الآخر. لكن لو وَطِئ ووُطِئ في قُبله لزمه الغسلُ، ولزم أحدَ الآخرَين، لا بعينه، كما تقدَّم في مسِّ الذكر.
ويجب الغسل على الصغير إذا جامع والصغيرةِ إذا جومعت، بمعنى أنه لا يبقى جنبًا. نصَّ عليه، وأنكر قولَ من لم يوجبه. وفسَّره القاضي وجماعة من أصحابنا بتوقُّف مجرى
(3)
العبادات عليه. ووجوبُه إذا بلغ يوجب الغسلَ
(4)
، كما يوجب العدَّة. ثم الصغيرةُ مثل الكبيرة في إيجاب العدّة، فكذلك في إيجاب الغسل. ولأنا نوجب أمرها بالصلاة، فكذلك أمرَها بالاغتسال، فإنه من لوازمه.
(1)
في الأصل والمطبوع: «أصل» .
(2)
زيادة من المطبوع.
(3)
قراءة المطبوع: «مجزئ» ، والأصل مهمل.
(4)
كذا في الأصل والمطبوع، وكأن في العبارة تحريفًا أو سقطًا.
ويجب الغسل من الإيلاج على العالم والجاهل. فلو مكث زمانًا لا يغتسل من الوطء [123/ب] ولم يعلم أنَّ الغسل عليه، فإنه يحتاط في الصلاة، فيعيد حتى يتيقَّن براءة ذمته. نصَّ عليه، لأن هذا مما استفاضت به الآثار، فلم يُعذَر به الجاهلُ، ولم يَسُغْ فيه الخلاف. نصَّ عليه؛ بخلاف ما قلناه في لحوم الإبل على إحدى الروايتين، فإنَّ تلك السنّة ليست في الشهرة كهذه. وقد قيل: إنما قال هذا في العامّي الذي لم يقلّد، ونصُّه بخلاف هذا. وإنما وجب إعادة كلِّ صلاة إذا شكَّ في طهارتها، لأنه قد تيقَّن الوجوب، وشكَّ في الأداء المجزئ.
فلا يجوز تمكينه
(1)
من الصلاة والطواف ومسِّ المصحف وقراءة القرآن. ويجب الغسل إذا بلغ، ولم يكن اغتسل؛ ويغسَّل إذا مات شهيدًا. ولا خلاف في هذا كلِّه.
فصل
فأما الأغسال المستحبة فهي نوعان:
أحدهما: ما يُقصد به النظافة لأجل اجتماع الناس في الصلاة المشروع لها الاجتماعُ العامُّ، و
(2)
في مجامع المناسك وهي
(3)
: غسل الجمعة والعيدين والكسوف والاستسقاء، والاغتسال للإحرام، ولدخول مكة والمدينة، وللوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة، ولرمي الجمار كلَّ يوم،
(1)
يعني تمكين الصبي الجنب، فكأن الكلام رجع إليه بعد الاستطراد بذكر الجاهل. وفي الأصل والمطبوع:«تمكنه» .
(2)
حذف الواو في المطبوع.
(3)
في المطبوع: «وهو» ، خلافًا للأصل.