الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال إسحاق: كان زيد بن ثابت به سلَس البول، وكان يداويه ما استطاع. فإذا غلبه توضَّأَ، ولا يبالي ما أصاب ثوبه
(1)
.
ولأنَّ هذا أقصى ما يمكنه، ولا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها.
ولا إعادة عليه، لأنه فعَل ما أُمِر به؛ ولأنه عذرٌ يتَّصل
(2)
ويدوم، ففي إيجاب الإعادة مشقَّة.
ويجب إعادة غسل الدم والتعصيب لوقت كلِّ صلاة كالوضوء، في أحد الوجهين، سواء ظهر الدم في ظاهر العصابة
(3)
أو كان بباطنها. والآخر: لا يجب. وهو أقوى، لأن في غسل العصائب كلَّ وقت وتجفيفه
(4)
أو إبداله بطاهر مشقةً كبيرةً، بخلاف الوضوء؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا أمرها بالوضوء لكلِّ صلاة لم يذكر غسلَ الدم وعَصْبَ الفرج.
مسألة
(5)
: (وتتوضَّأَ لكلِّ صلاة وتصلِّي)
.
وجملة ذلك أنه لا يجوز أن تتوضَّأ إلا بعد دخول الوقت، فإذا توضأت صلَّت به ما شاءت من الفروض والنوافل.
(1)
أخرجه عبد الرزاق (582)، والدارقطني (1/ 202).
(2)
في المطبوع: «يتصل به» ، خلافًا للأصل، وهو خطأ.
(3)
في المطبوع: «ظهر العصابة» ، والمثبت من الأصل.
(4)
في الأصل: «تحقيقه» ، والتصحيح من المطبوع.
(5)
«المستوعب» (1/ 138 - 139)، «المغني» (1/ 450)، «الشرح الكبير» (2/ 455 - 461)، «الفروع» (1/ 388 - 391).
وعنه: لا تجمع بوضوء واحد فرضَين [190/أ] لكن إذا اغتسلت فلها أن تجمع بالغسل بينهما، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة:«وتوضَّئي لكلِّ صلاة»
(1)
. وجوَّز الجمعَ بين الصلاتين بغسل واحد لحَمْنة بنت جَحش
(2)
وسَهلة بنت سهيل
(3)
.
والمشهور: الأول، لأنه إذا جاز أن تجمع بين الفرضين بغسل واحد جاز بوضوء واحد، لأنَّ الحدث قائم في الموضعين. وإنما كان الغسل أفضل خشيةَ أن يكون الخارج دم حيض.
وقولُه: «توضَّئي لكلِّ صلاة» أي لوقتِ كلِّ صلاة من الصلوات المعهودة، لما روى ابن بطّة
(4)
بإسناده عن حَمْنة بنت جحش أنها كانت تُهَراق الدمَ، وأنها سألت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأمَرها أن تغتسل لوقت كلِّ صلاة، لأنه يجوز لها الجمع بين نوافل وفرض. ولو أراد أنها تتوضَّأ لفعل كلِّ صلاة مطلقًا لما جاز ذلك.
ولأنَّ الصلاة الراتبة هي المشهورة، فأمَّا الفوائت والمجموعة فنادرة. فإذا قيل: توضَّأْ عند كلِّ صلاة، انصرف الإطلاق إلى المعهود. ولهذا لما قال أنس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضَّأ لكلِّ صلاة
(5)
، لم يفهم إلا الصلوات ا
(1)
سبق تخريجه.
(2)
سبق تخريجه.
(3)
في الأصل: «سهل» تصحيف. والحديث قد سبق تخريجه.
(4)
سبق تخريجه، والكلام على نكارة الأمر بالاغتسال.
(5)
أخرجه البخاري (214).
لخمس في مواقيتها.
ولا يجوز طهارتها قبل الوقت، لأنها طهارةُ ضرورة، فلم يجُز في وقت الاستغناء عنها كالتيمُّم، وأولى؛ لأن سبب الحدث هنا خارج عند التطهر وبعده، بخلاف التيمم فإن القائم هناك الحدث. ولأنه حكم مقيَّد بالضرورة فيقدَّر بقدرها كأكل الميتة. ولأنَّ الحدث الخارج ينقض الوضوء ويوجب الاستنجاء، إلا ما عُفي عنه للضرورة، ولا ضرورة قبل الوقت.
فإذا خرج الوقت انتقضت طهارتها، كما تنتقض بدخوله لو توضَّأَتْ قبل ذلك، في أحد الوجهين اختاره القاضي
(1)
. والوجه الآخر، وهو ظاهر كلام أحمد: أنها لا تبطل بخروج الوقت [190/ب] وإنما تبطل بدخوله. فإذا توضَّأت للفجر لم يبطل وضوؤها إلا بزوال الشمس، لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمرها أن تغتسل لوقت كلِّ صلاة، وتتوضَّأ لكلِّ صلاة؛ وذلك يقتضي بقاء طهارتها من الوقت إلى الوقت. ولأنه
(2)
كلَّما دخل وقتُ صلاة فهي مأمورة بالوضوء لها، فوجب عليها، وجاز أن تصلِّي بما شاءت بعد ذلك تبعًا، فلا فرق بين ما تفعله في الوقت أو بعد الوقت.
فإذا توضّأت فإنها تنوي رفعَ الحدث المتقدِّم، و
(3)
استباحة الصلاة من الحدث المتأخِّر. فإن نوت رفعَ الحدث فقط لم يكفِ
(4)
، لأن سبب
(1)
ذكره في «المجرَّد» . انظر: «الإنصاف» (2/ 459).
(2)
في المطبوع: «ولأن» ، والمثبت من الأصل.
(3)
في الأصل والمطبوع: «أو» ، وهو خطأ.
(4)
في المطبوع: «لم يكن» ، والصواب ما أثبت من الأصل.
الحدث دائم فلا يرتفع. هكذا ذكره بعضُ أصحابنا. وكلامُ غيره يقتضي أنه لا يجب عليها ذلك، لأنهم قالوا: هذه الطهارة ترفع بها حدثًا سابقًا، ولا يؤثِّر فيها [ما]
(1)
يتجدَّد من الحدث. بل يتعقَّب هذا الحدثُ طهارتَها فتكون محدِثةً. وإنَّا
(2)
أجزنا لها الصلاة مع الحدث، لأنه لا يمكن في حقِّها أكثرُ من ذلك. وإن نوت الاستباحة فقط أجزأ، لأنه يعُمَّ الاستباحةَ من الحدثين، ويتضمَّن ارتفاع الحدث المتقدِّم.
ولا يجب أن تنوي الطهارة للفريضة مثل التيمُّم، لأن هذه الطهارة ترفع الحدثَ الذي أوجبها وهو المتقدِّم، والحدثُ المتجدِّدُ بعد ذلك معفوٌّ عنه للضرورة، فلا يوجب طهارة أخرى.
والأفضل أن تصلِّي في عقب الطهارة احترازًا عن الحدث والنجاسة بقدر
(3)
الإمكان، إلا أن تؤخِّرها لبعض مصالحها كانتظار جماعة [191/أ] أو إقامة، أو تكميل سُترة. فإن أخَّرتها لغير مصلحة، فقد قيل: لا يجزئها، لأنه أمكن التحرُّز عن ذلك، فأشبَه ما لو لم يُحكَم الشدُّ. والصحيح: أنه يجزئ، لأن الطهارة مقيَّدة بالوقت كما تقدَّم، ولأنه يجوز لها أن تطيل القراءة والتسبيح في الصلاة، فجاز لها التأخير كصلاة المغرب؛ بخلاف ما بعد خروج الوقت، فإنه لا يجوز مدُّ الصلاة إليه عمدًا. ولأن طهارتها باقية في حقِّ النوافل التي لم تصلِّها تبعًا مع تأخيرها، فلَأَنْ يبقى لفرض الوقت أولى.
(1)
ما بين الحاصرتين ساقط من الأصل. وفي المطبوع: «ولا يؤثر فيها تجدُّد الحدث» . حذف «من» وغيَّر «يتجدَّد» لإصلاح العبارة.
(2)
في المطبوع: «وإن» ، والصواب ما أثبت من الأصل.
(3)
في الأصل والمطبوع: «بعد» ، ولعله تحريف ما أثبت.