الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسببها أولى. وذلك لأنه ليس لها محلّ معتاد، ولا يستَعدُّ لها، والابتلاء بها كثير، فعفي عن يسيرها في طهارتي الحدث والخبث، بخلاف نجاسة السبيل. وقد تقدَّم حدُّ الكثير في مسائل العفو.
فأما الخارج الطاهر من البدن كالجُشاء والنخامة ونحو ذلك، فلا وضوء فيه.
مسألة
(1)
: (وزوالُ العقل، إلا النومَ اليسيرَ جالسًا أو قائمًا)
.
لا يختلف المذهب أن النوم في الجملة ينقض الوضوء. وليس هو في نفسه حدثًا، وإنما هو مظنّة الحدث. وإنما قلنا: ينقض الوضوء، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث صفوان:«ولكن من غائط وبول ونوم»
(2)
. فأمرَ أن لا ينزع الخفَّ من النوم، ولولا أنه ينقض الوضوء ويوجب الطهارة لما كان حاجةٌ إلى الأمر بأن لا ينزع الخفَّ منه.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العين وِكاءُ السَّهِ، فمن نام فليتوضأ» رواه أحمد وأبو [95/ب] داود وابن ماجه
(3)
.
(1)
«المستوعب» (1/ 77)، «المغني» (1/ 234 - 238)، «الشرح الكبير» (2/ 19 - 26)، «الفروع» (1/ 224 - 226).
(2)
تقدَّم تخريجه.
(3)
أحمد (887)، وأبو داود (203)، وابن ماجه (477) من طرق عن بقية، عن الوضين بن عطاء، عن محفوظ بن علقمة، عن عبد الرحمن بن عائذ، عن علي به.
إسناده ضعيف، قال ابن القطان في «بيان الوهم» (3/ 9) باختصار:«ليس بمتصل، ومن رواية بقية بن الوليد، وهو ضعيف، ويرويه بقية عن الوضين واهي الحديث، وقد أنكر عليه هذا الحديث نفسه، ومنهم من يوثقه، ويرويه محفوظ عن عبد الرحمن بن عائذ، وهو مجهول الحال، ويرويه ابن عائذ عن علي، ولم يسمع منه. فهذه ثلاث علل سوى الإرسال، كل واحدة تمنع من تصحيحه، مسندًا كان أو مرسلًا» ، وضعفه أبو حاتم وأبو زرعة كما في «العلل» (1/ 563)، وابن عبد البر في «التمهيد» (18/ 247 - 248)، وحسن إسناده المنذري وابن الصلاح كما في «البدر المنير» (2/ 432).
انظر: «الإعلام» (1/ 525 - 527)، «صحيح أبي داود ــ الكتاب الأم» (199).
وعن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العينُ وكاءُ السَّهِ فإذا نامت العينانِ استطلَقَ الوكاءُ» رواه أحمد والدارقطني
(1)
.
وسئل الإمام
(2)
أحمد عن حديث علي ومعاوية في ذلك، فقال: حديث علي أثبت وأقوى
(3)
.
ولأن النوم مظنةُ خروج الخارج لاستطلاق الوكاء، فقامت مقام حقيقة الحدث، لا سيما والحقيقة هنا خفية غير معلومة، وإذا وجدت أناطَ
(4)
(1)
أحمد (16879)، والدارقطني (1/ 160)، من طريق أبي بكر بن أبي مريم، عن عطية بن قيس، عن معاوية به.
قال ابن عبد الهادي في «التعليقة على العلل» (72): «هذا إسناد ضعيف، وأبو بكر بن أبي مريم تكلم فيه غير واحد من الأئمة، وقد خالفه غيره، وحديث علي المتقدم أقوى من حديث معاوية، والصواب في حديث معاوية أنه موقوف عليه» . وضعفه أبو حاتم وأبو زرعة كما في «العلل» لابن أبي حاتم (1/ 563)، والبيهقي في «المعرفة» (1/ 366)، وابن عبد البر في «التمهيد» (18/ 247 - 248).
(2)
لفظ «الإمام» ساقط من المطبوع.
(3)
في «شرح الزركشي» (1/ 237) أن ابن سعيد سأل الإمام أحمد عن الحديثين فقال إلخ. وانظر: «تنقيح التحقيق» (1/ 253).
(4)
كأنها في الأصل: «لمناط» كما في المطبوع، والصواب ما أثبتنا.
الحكمَ بها، ولو كان حدثًا لاستوى فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم وغيرُه.
وفي «الصحيحين»
(1)
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم اضطجع، فنام حتى نفخ، ثم صلَّى، ولم يتوضأ. قال ابن عباس لسعيد بن جبير لما سأله عن ذلك: إنها ليست لك ولا لأصحابك. إنها كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم. كان يُحفَظ. رواه أحمد
(2)
.
وذكر مسلم في «الصحيح»
(3)
عن سفيان الثوري قال: هذا للنبي صلى الله عليه وسلم، لأنه بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم تنام عيناه، ولا ينام قلبه.
فلما لم يُنقَض وضوءه صلى الله عليه وسلم بنومه، لأن قلبه يقظان، وهو محفوظ في منامه، لم يبق النوم في حقه مظنةَ الحدث، بخلاف غيره. ولو كان حدثًا لم يفرَّق بينه وبين غيره كسائر الأحداث.
والنوم قسمان: كثير وقليل.
أما الكثير: فينقض مطلقًا لعموم الأحاديث فيه. قال ابن عباس رضي الله عنه: وجب الوضوء على كلِّ نائم، إلا من خفَق برأسه خفقةً أو خفقتَين
(4)
. وقد روي [96/أ] مرفوعًا
(5)
.
(1)
البخاري (138) ومسلم (763 - 181).
(2)
برقم (3490).
(3)
برقم (763 - 186).
(4)
أخرجه عبد الرزاق (479)، وابن أبي شيبة (1423).
(5)
أخرجه الدارقطني في «العلل» (8/ 210) من حديث أبي هريرة، ورجح الموقوف على ابن عباس، وكذا البيهقي في «السنن الكبرى» (1/ 119).
ولأن النوم الكثير قد يفضي إلى الحدث من غير شعور، لطول زمانه وعدم الإحساس معه، بخلاف اليسير. ولأنه زوالُ عقلٍ
(1)
قد استغرق، فنقض على كل حال كالإغماء والسكر والجنون، فإن سائر الأشياء التي تزيل العقل من الإغماء والجنون والسكر لا يفرَّق فيها بين هيئة وهيئة، وكذلك النوم المستغرق.
وأما النوم اليسير، فينقض وضوءَ المضطجع رواية واحدة، ولا ينقض وضوءَ القاعد رواية واحدة.
وفي القائم والراكع والساجد، سواء كان في صلاة أو في غير صلاة، أربع روايات:
إحداها
(2)
: ينقض مطلقًا، لأن العموم يقتضي النقض بكلِّ نوم، خُصِّص في
(3)
الجالس لما روى أنس رضي الله عنه قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينامون، ثم يصلُّون
(1)
في المطبوع: «ولأن زوال العقل» ، والمثبت من الأصل.
(2)
في الأصل: «أحدها» ، ولا أستبعد أن يكون في أصله كذلك لشيوعه في كتب المصنف المطبوعة؛ ولكن نسختنا كثيرة الخطأ.
(3)
في المطبوع: «خصَّصه الجالس» ، حذف «في» . و «خصَّصه» كذا في الأصل، والناسخ أحيانًا يزيد هاءً، فيكتب «إنّ»: إنَّه.
ولا يتوضّؤون. رواه مسلم
(1)
. ورواه أبو داود
(2)
، ولفظه: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفَق رؤوسهم، ثم يصلُّون ولا يتوضّؤون. وفي لفظ رواه
(3)
أحمد: ينعسون
(4)
.
وروى ثابت عن أنس قال: أقيمت الصلاة، ورجلٌ يناجي النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فلم يزل يناجيه حتى نام أصحابه، فصلَّى بهم. متفق عليه
(5)
. ورواه أبو داود
(6)
، وقال: ولم يذكر وضوءًا
(7)
.
ولأن نوم الجالس يكثر وجوده من منتظري الصلاة
(8)
وغيرهم، فتعمُّ به البلوى، فيعفى عنه، كما عفي عن يسير النجاسة من غير السبيلين.
والرواية الثانية: ينقض، إلا القائم مع الجالس كما ذكره الشيخ، وهو [96/ب] اختيار الخرقي
(9)
؛ لأن النوم إنما نقض لإفضائه إلى الحدث ومحلُّ الحدث مع القائم منضمٌّ متحفظ
(10)
كالقاعد، فيبعد خروجُ الحدث مع عدم العلم به في النوم اليسير، لا سيما والقائم لا يستثقل في نومه استثقال
(1)
برقم (376 - 125).
(2)
برقم (200)، من حديث هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أنس به.
وصححه الدارقطني في «السنن» (1/ 131).
(3)
«رواه» ساقط من المطبوع.
(4)
علقه بهذا اللفظ عن هشام في «سؤالات ابن هانئ» (42)، وأخرجه في «المسند» (12633) من طريق حماد، عن ثابت، عن أنس بلفظ:«حتى نعس القوم» .
أما اللفظ المقصود فأخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (1/ 63) من طريق وهب، عن هشام، عن قتادة، عن أنس به.
(5)
البخاري (6292) ومسلم (376 - 124).
(6)
برقم (201).
(7)
برقم (201).
(8)
في الأصل: «منتظر الصلاة» ، ولعله تصحيف سماعي، فإنه عطف عليه «غيرهم» .
(9)
انظر: «المختصر» (ص 13).
(10)
في الأصل والمطبوع: «منحفظ» .
الجالس؛ بخلاف الراكع والساجد فإنَّ المحلَّ منهما منفرج مستطلق.
والرواية الثالثة: ينقض إلا القائم والراكع، [أمّا الساجد]
(1)
فإن المخرج منه أكثر انفراجًا واستطلاقًا، فأشبه المضطجع.
والرواية الرابعة: لا ينقض في حال من هذه الأحوال حتى يكثر كما تقدَّم
(2)
. وهذه اختيار القاضي وأصحابه وكثير من أصحابنا، لأن النوم إنما نقَض لأنه مفضٍ إلى الحدث، وهذا إنما يكون غالبًا فيمن استرخت مفاصله وتحلل
(3)
بدنه. فأما غيره فالحدث معه قليل، والأصل الطهارة، فلا تزول بالشك إذ الكلام في النوم اليسير. والقاعد وإن كان محلُّ حدثه منضمًّا، فإن النوم الثقيل إليه أقرب. والراكع والساجد مع انفتاح مخرجهم فإن نومهم يكون أخفَّ، فتقابلا من هذا الوجه، واستويا في انتفاء الاسترخاء والتحلُّل المفضي غالبًا إلى الخارج.
ويدل على ذلك ما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا نعس أحدكم وهو يصلّي، فليرقُدْ حتى يذهب عنه النوم؛ فإن أحدكم إذا صلَّى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر، فيسبُّ نفسَه» رواه الجماعة
(4)
.
(1)
زيادة يقتضيها السياق.
(2)
واختيار المصنف أن النوم لا ينقض مطلقًا إن ظنَّ بقاء طهارته. انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 230)، و «الفروع» (1/ 226) و «اختيارات ابن اللحام» (ص 16).
(3)
في الأصل: «تخلت» وهو خطأ. والمثبت من المطبوع.
(4)
أخرجه أحمد (24287)، والبخاري (212)، ومسلم (786)، وأبو داود (1310)، والترمذي (355)، والنسائي (162)، وابن ماجه (1370).
وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا نعس [97/أ] أحدكم في الصلاة فلينم حتى يعلم ما يقرأ» رواه أحمد والبخاري
(1)
.
فلولا أن النوم الذي قد لا يعلم معه ما يقرأ والذي قد يسبّ فيه نفسه تبقى معه طهارته على أيِّ حالٍ كان= لَمَا علَّل النهي بخشية السَّبِّ والتباس القراءة إذا كان الوضوء قد بطل.
وكذلك في حديث ابن عباس رضي الله عنه
(2)
لما صلَّى مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلةَ بات عند خالته ميمونة قال: فجعلت إذا أغفَيتُ يأخذ بشحمة أذني
(3)
.
روى
(4)
الإمام أحمد
(5)
في الزهد عن الحسن البصري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا نام أحدكم وهو ساجد يباهي الله به الملائكة، يقول: انظروا إلى عبدي، روحه عندي وهو ساجد لي»
(6)
. فأثبته ساجدًا مع نومه. وهو وإن كان مرسلًا فقد اعتضد بما روى الدارقطني في «الأفراد» عن علي رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزل أبي بكر، وهو راكع قد نام في ركوعه، فقال:
(1)
أحمد (12446)، والبخاري (213).
(2)
كذا في الأصل. وفي المطبوع: «عنهما» .
(3)
أخرجه مسلم (763).
(4)
في الأصل: «رواه» . وقد يكون الناسخ أسقط شيئًا من النص مع بقية الحديث.
(5)
في المطبوع: «ورواه أحمد» ، زاد الواو وأسقط «الإمام» .
(6)
«الزهد» (280)، وأخرجه بنحوه ابن المبارك في «الزهد» (427)، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (1/ 319).
وفي الباب مرفوعًا عن أنس وأبي هريرة وأبي سعيد بأسانيد واهية كما في «البدر المنير» (4/ 444 - 447).