الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مسألة
(1)
: (وكذلك حكمُ مَن به سلَسُ البول، ومَن في معناه)
.
يعني: كلَّ من به حدث دائم، لا ينقطع قدرَ ما يتوضَّأ ويصلِّي، كسلَس البول، والمَذْي، والريح، والجُرح الذي لا يرقَأ، والرعاف الدائم. قال: هؤلاء يتوضؤون لكلِّ صلاة، ويمنعون الحدث بقدر الطاقة. ثم من كان حدثه بخروج نجاسة وجب تطهيرها إن أمكن كالجريح. ومن لم يمكنه أن يعصِبَ على جرحه عِصابًا لم يكن عليه شيء، فإنَّ عمر رضي الله عنه صلَّى وجُرحُه يثعَب دمًا
(2)
. ولأنَّ هذا حدث دائم، فأشبَه المستحاضة.
وينقض طهارتَهم ما ينقض طهارةَ غيرهم سوى الحدث الدائم، مثل أن يبول أحدهم أو يمسَّ ذكره، لأنه في هذا الحدث بمنزلة الصحيح. فأما الحدث الدائم، فإن كان متواصلًا أو ينقطع تاراتٍ لا تتَّسع للوضوء
(3)
والصلاة لم يُبطِل
(4)
الطهارةَ كما تقدَّم، لأنه لو أبطل الطهارةَ مطلقًا لما أمكنت الصلاة معه. وإن انقطع قدرًا يتّسع للوضوء
(5)
والصلاة [191/ب] فهو على قسمين:
أحدهما: أن ينقطع عن برء بأن لا يعود بعد ذلك، فيتبيَّن بهذا الانقطاع بطلان طهارته، لأن الحدث الخارج قبل الانقطاع كان مُبطِلًا للطهارة، وإنما
(1)
«المستوعب» (1/ 139)، «المغني» (1/ 421 - 427)، «الشرح الكبير» (2/ 455 - 466)، «الفروع» (1/ 388 - 391).
(2)
سبق تخريجه.
(3)
في الأصل والمطبوع: «يقطع تارات لا يتسع الوضوء» ، تصحيف.
(4)
في المطبوع: «تبطل» ، والمثبت من الأصل.
(5)
في الأصل والمطبوع: «الوضوء» ، تصحيف.
عفي عنه للضرورة، فمتى زالت الضرورة ظهر أثره. وكذلك الحدث القائم ببدن المتيمم. فإن انقطع ولم تعلم هل هو عن برء أو غير برء لم يُحكَم بأنه برء، لأن الأصل عدم البرء وبقاء نجاسة
(1)
الاستحاضة. فإن لم يعُد وتبيَّن أنه كان عن برء حكمنا ببطلان كلِّ صلاة صلَّتها بعد هذا الانقطاع، إذا كان قد وُجد قبله حدثٌ بعد الطهارة، لأنّا تبينَّا أنها صلَّت بعد انتقاض وضوئها انتقاضًا يوجب الوضوء، وأقصى ما فيها
(2)
أنها جاهلة بالحدث.
ولا فرق في بطلان الصلاة بين العالم بالحدث والجاهل به. نعم، إن كان صاحب هذا الحدث إمامًا فهو كمن أمَّ قومًا ناسيًا لحدثه أو جاهلًا به. وإن كان هذا الانقطاع في الصلاة، فهو على الطريقين الذين يُذكران فيما بعد.
الثاني: أن ينقطع عن غير برء، بل ينقطع ويعود. فإن كان زمن هذا الانقطاع معلومًا وقد صار عادةً لزمها أن تتحرَّى، وتتطهَّر، وتصلِّي فيه. ومتى انقطع على هذا الوجه بطلت طهارتها، لأنها أمكنها الصلاة بطهارة صحيحة من غير مشقَّة. فأمَّا إن عرض هذا الانقطاع لمن عادته اتصال
(3)
الحدث، فكذلك في أحد الوجهين، ذكرهما الآمدي وغيره. وهو الصحيح عند كثير من أصحابنا، منهم القاضي وابن عقيل
(4)
، لأن الضرورة زالت به، فيظهر حكم الحدث [192/أ]، كالمتيمِّم إذا رأى الماء. وسواء
(5)
وُجِد هذا الانقطاع
(1)
في الأصل: «بلا سبب» ، وما أثبت تصحيح ظنِّي. وفي المطبوع:«وبقي بلا سبب» .
(2)
في الأصل: «وأفضى إلى ما فيها» ، والتصحيح من المطبوع.
(3)
في الأصل: «إيصال» ، تصحيف.
(4)
«المغني» (1/ 425).
(5)
في المطبوع: «سواء» دون الواو.
في الصلاة أو خارجَها، لأنَّ ما كان حدثًا خارج الصلاة كان حدثًا فيها.
وقد خرَّجها ابن حامد وغيره على روايتي المتيمِّم إذا رأى الماء. وأبى غيرُه
(1)
التخريج، لأنَّ الحدث هنا قد وُجِد بعد الطهارة، ولم يوجد عنه بدلٌ يبنى على حكمه. وقد قدَر على شرط العبادة فيها، فأشبه العاريَ إذا وجد السترة، والمصلِّيَ بالنجاسة إذا قدَر على إزالتها في الصلاة، لا سيَّما وهنا مُبطِلان: بطلانُ طهارة الحدث، وحملُ النجاسة. وإذا خرج وتطهَّر فإنه يستأنف. وقد خرَّج القاضي وجهًا وغيرُه: أنه يبني كما خرَّجه في التيمم
(2)
.
ثم إذا انقطع، ولم يُعلَم هل هو انقطاع متَّسِع أو غير متَّسع، لم يُحكَم ببطلان الوضوء حتى يمضي زمنٌ يمكن فيه الوضوء والصلاة، لأنَّ الانقطاع الذي يوجب الطهارة مشكوك فيه. ولا يجوز له أن يصلِّي به لاحتمال دوامه واستمراره. وليست هنا طهارة متيقَّنة، لأنَّ الحدث وُجِد بعدها، والمسوِّغُ الصلاةَ معه ــ وهو دوامه ــ مشكوكٌ فيه، فأشبهَ المتيمِّمَ إذا شكَّ في عدم الماء قبل الدخول في الصلاة، لم يجُز له أن يصلِّي حتى يستبرئ.
فإن خالف
(3)
وصلَّى واتَّسع الانقطاعُ تبينَّا بطلانَ صلاته لبطلان طهارته. وإن لم يتَّسع الانقطاع، فالطهارةُ بحالها، وكذلك الصلاةُ، لأنا تبينَّا أنها وقعت بطهارة، في أحد الوجهين. وفي الآخر: لا يصحُّ. وهو أقيَس، لأنه شرَع في الصلاة مع المخالفة، فلم يصحَّ وإن أصاب؛ كمن شكَّ في الطهارة،
(1)
كأبي البركات. انظر: «شرح الزركشي» (1/ 439).
(2)
انظر: «المبدع» (1/ 197).
(3)
في المطبوع: «خاف» ، والصواب ما أثبت من الأصل.
فصلَّى، ثم تيقَّن الطهارة؛ [192/ب] وماسحِ الخُفِّ إذا شكَّ في انقضاء المدة، ثم صلَّى، ثم تبيَّن بقاؤها. وكذلك لو صلَّى إلى القبلة بلا اجتهاد ولا تقليد، ثم تيقَّن أنه أصاب؛ أو حكَم الحاكم، أو أفتى المفتي، أو قال في القرآن، أو شهد الشاهد بغير الطريق المشروع، وتبيَّن أنه أصاب.
وإن كان الانقطاع في الصلاة قطَعها بمجرِّده، في أشهر الوجهين، كما مُنع من ابتداء
(1)
الصلاة معه. فإن أتمَّها واتسع زمن الانقطاع تبينَّا بطلانها، وإلا خُرِّج فيها الوجهان. والأظهر أنه يتمُّها هنا، لأن الانقطاع محتمل أن يكون متَّسِعًا، ويحتمل أن يكون ضيِّقًا، فلا تبطل به الصلاة المتيقَّنة، كالمتيمِّم إذا طلع عليه رَكبٌ، وهو في الصلاة، ولم يعلم أنَّ معهم ماءً.
ولو كان لها عادة بانقطاع ضيِّق، فاتّسَع الانقطاع، فهو كما لو عرَض الانقطاع المتّسع ابتداءً، لكن إذا تطهَّرت هنا كانت الطهارة صحيحةً في نفسها. فلو لبست عليها خفًّا كانت قد لبسته على طهارة صحيحة، حتى لو عاد الدم بعد ذلك، ثم انقطع انقطاعًا متَّسِعًا كان لها المسح، بخلاف ما لو جرى الدم قبل اللبس، ثم انقطع الانقطاعَ المعتبر؛ فإنَّا نتبيَّن أنه ملبوس على حدث.
هذا كلُّه إذا عرض الانقطاع. فأمَّا إن كثُر الانقطاع واختلف، ولم يكن له وقت معلوم وقدر معلوم ليُبنَى
(2)
عليه فيصيرَ مثل العادة، بل تقدَّم تارةً وتأخَّر أخرى، وضاق مرّةً واتسع أخرى، ووُجِد مرَّةً وعُدِم أخرى، فكذلك
(1)
قراءة المطبوع: «ابتدأ» .
(2)
اللام واضحة في الأصل. وفي المطبوع: «يبنى» .
أيضًا عند كثير من أصحابنا، إلا أنه إذا وُجِد لم يمنَع من الدخول في الصلاة معه ولا المضيِّ فيها، حتى يتبيَّن
(1)
أنه متَّسِع، لأنها قد ألِفَت
(2)
الانقطاعين من الطويل والقصير، [193/أ] فليس إلحاقُه بأحدهما أولى من الآخر. ولأنَّ الانقطاع الضيِّق قد صار عادةً، فأشبه ما لو لم تَعْتَدْ
(3)
غيرَه.
والوجه
(4)
الثاني: أنَّ هذا الانقطاع لا يُبطِل مطلقًا. وقال أحمد بن القاسم: سألتُ أبا عبد الله، فقلتُ: إن هؤلاء يتكلَّمون بكلام كثير، ويوقِّتون بوقت. يقولون: إذا توضّأَتْ للصلاة وقد انقطع الدم، ثم سال بعد ذلك قبل أن تدخل في الصلاة، تعيد الوضوء. ويقولون إذا كان الدم سائلًا فتوضَّأت، ثم انقطع الدم= قولًا آخر. قال: لستُ أنظر في انقطاعه حين توضَّأتْ، سال الدم أم لم يسِلْ. إنما آمُرها أن تتوضَّأ لكلِّ صلاة، فتصلِّي بذلك الوضوء النافلةَ والفائتةَ، حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى
(5)
. فقد نصَّ على أنَّ الانقطاع حين الوضوء لا عبرةَ به، ولم يفرِّق بين طويله وقصيره، وأنه سال بعده دم أو لم يسِلْ.
ومقتضى هذا: أنه إذا انقطع طويلًا، فتوضَّأَتْ فيه ولم تصلِّ حتى سال الدم، فطهارتها باقية، وإن اتّسع الانقطاع. وأنَّ السائل بعد ذلك لا ينقض الوضوء حتى يخرج الوقت، سواء انقطع بعد ذلك أو لم ينقطع. وأنه لا فرق
(1)
في الأصل: «تبين» ، والمثبت من المطبوع.
(2)
في الأصل: «ألقت» ، وفي المطبوع:«ألغت» .
(3)
في الأصل: «يعيد» ، وفي المطبوع:«تعد» .
(4)
في المطبوع حذف الواو قبل «الوجه» .
(5)
«المغني» (1/ 424).
بين وضوئها وهو منقطع، أو هو سائل. ولو كان الانقطاع قد نقض الطهارة الماضية لكان الوضوء فيه واجبًا، بخلاف السَّيَلان. فاختلف
(1)
أصحابنا في هذا الكلام بعد اتفاقهم على أنَّ ظاهره أنَّ انقطاعَ الحدث لا يُبطِل الطهارة، فتأوَّله القاضي على الانقطاع القليل المعتاد. ومنهم من أقرَّه على ظاهره [193/ب] وهم أهل الوجه الثاني، لكن منهم من قال: لا أثر لهذا الانقطاع العارض أو المختلف المعتاد، وإن طهارتها صحيحة ما لم ينقطع انقطاعَ برء أو يخرج الوقت، إلا أن يكون وقتُ الانقطاع معلومًا واسعًا كما تقدَّم. قال أبو الحسن الآمدي: وهو الظاهر. وهو اختيار الشيخ صاحب الكتاب
(2)
.
ومنهم من قال: أمَّا الانقطاع العارض
(3)
، فإنها تفعل فيه كما تقدَّم. وأما المتكرِّر والمختلف، فإنها لا تلتفت إليه. وهذه الطريقة في الجملة أشبه بكلام أحمد، وأشبه بالسنّة؛ فإنّ الحكم لو اختلف بهذا الانقطاع وجودًا وعدمًا لبيَّنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم للمستحاضات، فإنه يعرض كثيرًا لهن. ثم تكليفُها كلَّما انقطع الدم لحظةً أن تنظر: هل يعود بعد مدة متَّسعة أو ضيِّقة، فيه مشقَّة عظيمة. ثم فيه تقدير الطهارة بالفعل الذي لا ينضبط.
وإنَّ قولهم: قدرَ ما يسع الوضوءَ والصلاةَ، يختلف ذلك باختلاف بُعد الماء من المتوضِّئ وقربه، وسرعته وإبطائه
(4)
، ونشاطه وكسله. وكذلك الصلاة. ثم بماذا يقدِّرون هذا الوضوء والصلاة؟ بأقلِّ ما يجزئ من
(1)
كذا في الأصل والمطبوع. ولعل الصواب: «واختلف» .
(2)
انظر: «المغني» (1/ 426).
(3)
في الأصل والمطبوع: «للعارض» .
(4)
في الأصل: «ابطاوه» ، وفي المطبوع:«بطائه» .
المتوضئ مرّة مرّة، والاقتصار على الفاتحة، وتسبيحة واحدة في الركوع والسجود؛ أم بالوضوء والصلاة الكاملتين؟ فإن كان الأول، فنحن نجوِّز لها مع قيام الدم أن تصلِّي صلاة كاملة، فلَأَنْ يجوز ذلك إذا انقطع وخشيَتْ عودَه بطريق الأولى. وكذلك
(1)
الثاني، فإنه يجوز لها بطريق
(2)
الأولى.
ثم لو كان إذا انقطع الدم [194/أ] وجب عليها الوضوء والصلاة به، ولم يتَّسع الوقتُ للقدر المجزئ، لَمَا جاز
(3)
تكميل الوضوء والصلاة، كمن خشي أنه إن توضأ ثلاثًا وصلَّى صلاةً كاملةً خرج الوقت، لم يجُز أن يصَلّيها.
ثم إنها لا تعلم قدر الزمان إلا بمضيِّه، وحينئذ يفوت المقصود، فكيف تُكَلَّفه؟ وإن وجب عليها الوضوء ثانيًا فلا فائدة فيه، لقيام الحدث معه، وهي لا تُنسَب
(4)
في ذلك إلى تفريط.
ثم تقديرُ الزمان بفعل قليل للواحد إنما يُعلَم بحَزْر وخَرْص
(5)
، وذلك يختلف باختلاف آراء الناس، ومواقيتُ العبادات حدود لله لا يجوز تعدِّيها، فكيف يفوَّض إلى الناس؟
مسألة
(6)
: (فإذا استمرَّ بها الدم في الشهر الآخَر، فإن كانت معتادةً
(1)
في الأصل والمطبوع: «فكذلك» .
(2)
في الأصل والمطبوع: «تطويل» ، تحريف.
(3)
في الأصل: «جار» ، وفي المطبوع:«جاء» . تصحيف.
(4)
في الأصل: «تثبت» . وقد تكرر التصحيف في كلمات واضحة في هذه اللوحة.
(5)
ضبط في الأصل بفتح الخاء والصاد. وفي المطبوع: «فرض» ، تصحيف.
(6)
«المستوعب» (1/ 126 - 129)، «المغني» (1/ 411 - 414)، «الشرح الكبير» (2/ 403 - 419، 449 - 452)، «الفروع» (1/ 376 - 383).
فحيضُها أيامُ عادتها. وإن لم تكن معتادةً ولها تمييز، وهو أن يكون بعضُ دمها أسودَ ثخينًا، وبعضُه رقيقًا أحمر، فحيضُها زمنُ الأسود الثخين).
أما إذا استمرَّ بها الدم، فلا يخلو إمَّا أن يكون لها عادة محفوظة يُعلم قدرها ووقتها، أو لا. فإن كان لها عادة رجعت إلى عادتها، فجلست قدر ما كانت تحبسها حيضتها، سواء كان الدم في جميعها أسود أو أحمر، أو بعضُه أسود وبعضُه أحمر، في أشهر الروايتين، وهي اختيار أكثر الأصحاب.
وإن لم تكن معتادة، إمَّا أن تكون مبتدأةً أو ناسيةً لعادتها أو غيرَ ذلك، فإنها تُرَدّ [إلى]
(1)
التمييز، فإنَّ دم الحيض أسود ثخين منتِن محتدِم
(2)
، ودم المستحاضة أحمر رقيق [194/ب] أو أصفر؛ فتجلس زمن الدم الأسود، إذا
(3)
لم يزِد على أكثر الحيض ولم ينقص عن أقلِّه.
وعنه: أنها تردُّ إلى التمييز أولًا
(4)
. فإن لم يكن لها تمييز، بأن كان الدم كلُّه أسود أو أحمر، وزاد الأسود على أكثر الحيض، أو نقص عن أقلِّه= رُدَّت إلى العادة. وهذا اختيار الخرقي
(5)
.
فإن كان زمن العادة كلُّه أسود وما سواه أحمر عملَتْ بذلك بلا شبهة، لما روت عائشة أنَّ فاطمة بنت أبي حُبيش قالت: يا رسول الله، إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: «إنما ذاك دم عرق، وليست
(1)
زيادة من المطبوع.
(2)
أي حارٌّ شديد الحمرة إلى السواد.
(3)
في الأصل: «وإذا» .
(4)
في الأصل والمطبوع: «أولى» ، ولعل الصواب ما أثبت.
(5)
انظر: «مختصر الخرقي» (ص 15).
بالحَيضة. فإذا أقبلت الحَيضة فدعي الصلاة. وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، وصلِّي» رواه الجماعة إلا ابن ماجه
(1)
.
وعن عروة بن الزبير عن فاطمة بنت أبي حُبيش: أنها كانت تستحاض، فقال لها النبيُّ صلى الله عليه وسلم:«إذا كان دم الحيض فإنه أسود يُعرَف. فإذا كان كذلك فأمسِكي عن الصلاة. فإذا كان الآخر فتوضَّئي وصلِّي، فإنما هو عِرْق» رواه أبو داود والنسائي
(2)
.
ولأنه خارج يوجب الغسل، فيُرجَع إلى صفته عند الإشكال كالمنيِّ المشتبه بالمذي. وكان أولى من العادة لأنه علامة في تمييز
(3)
الدم حاضرة، والعادة علامة منقضية.
والأول أصحُّ، لما روت عائشة رضي الله عنها أنَّ أمَّ حبيبة
(4)
بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف شكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الدم قال لها: «امكُثي قدرَ ما كانت تحبسك حَيضتك، ثمّ اغتسلي» . فكانت تغتسل عند كل صلاة. رواه [195/أ] مسلم
(5)
.
وعن القاسم عن زينب بنت جحش أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إنها مستحاضة، فقال: «تجلس أيامَ أقرائها، ثم تغتسل، وتؤخِّر الظهر وتعجِّل
(1)
أحمد (24538، 25622)، والبخاري (320، 331)، ومسلم (333)، وأبو داود (282)، والترمذي (125)، والنسائي (212).
(2)
تقدم تخريجه (ص 292 - 293).
(3)
في الأصل: «سر» ، وفي المطبوع:«تميز» .
(4)
في الأصل والمطبوع: «أم حبيب» .
(5)
برقم (334).
العصر، وتغتسل وتصلِّي. وتؤخِّر المغرب وتعجِّل العشاء، وتغتسل وتصلِّيهما جميعًا. وتغتسل للفجر» رواه النسائي
(1)
.
وعن أمِّ سلمة أنها استفتت رسول صلى الله عليه وسلم في امرأة تُهرَاق الدمَ، فقال:«لتنظر قدرَ الأيام والليالي التي كانت تحيضهنَّ من الشهر، فتدَع الصلاة، ثم تغتسل، ولْتستثفِرْ، ثم تصلِّي» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه
(2)
.
وعن عائشة: أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة فسَد حيضُها وأُهريقت دمًا، لا تدري كم
(3)
تصلِّي. قالت: فأمرَني أن آمُرها: فلتنظرْ
(4)
قدرَ ما كانت تحيض في كلِّ شهر، وحيضها مستقيم، فلتعتدَّ بقدر ذلك من
(5)
الليالي والأيام
(6)
، ثم لتدَع الصلاة فيهن، أو بقدرهن
(7)
، ثم تغتسل وتُحسِن طهرها، ثم لتستثفر، ثم تصلِّي» رواه أبو داود
(8)
.
ولأنَّ العادة طبيعة ثانية
(9)
، فوجب الردُّ إليها عند التغيُّر لتمييز دم الجبلَّة من دم الفساد. ولأن الاستحاضة مرض وفساد، والفاسد هو ما خرج من
(1)
سبق تخريجه.
(2)
سبق تخريجه.
(3)
أثبت في المطبوع: «ما» ، وذكر في الحاشية أنَّ في الأصل:«لم» .
(4)
في المطبوع: «فلتنتظر» . والصواب ما أثبت من الأصل.
(5)
العبارة «ما كانت
…
ذلك من» ساقطة من المطبوع.
(6)
في «السنن» : «من الأيام» بدلاً من «من الليالي والأيام» .
(7)
في الأصل والمطبوع: «وتقدرهن» .
(8)
سبق تخريجه.
(9)
في المطبوع: «ثابتة» ، تصحيف. والمثبت من الأصل.
عادة الصحة والسلامة؛ ولهذا يُستدَلُّ على سقم الأعضاء
(1)
بخروجها عن عادتها.
وقدَّمنا العادة على التمييز، لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أفتى به في قضايا متعددة، ولو كان العمل بالتمييز مقدَّمًا لبدأ به. ولأنه لم يستفصل واحدةً منهن عن حال دمها، وتركُ الاستفصال [195/ب] يوجب عموم
(2)
الجواب لجميع صور السؤال. ولأنه يبعد أن لا يكون فيهن مميِّزة. ولأنَّ الدم الموجود في العادة
(3)
هو حيض في غير المستحاضة بكلِّ حال، فكذلك في المستحاضة؛ بخلاف الدم الأسود. ولأن الدم الزائد على العادة حادث مع الاستحاضة، فكان استحاضة كما زاد على أكثر الدم. وهذا لأنَّ الحكم إذا حدَث، وهناك سبب صالح له، أضيف إليه. ولأنَّ الدم الأسود إن كان أقلَّ من العادة، فالصفرة والكدرة في زمن العادة حيض. وإن كان أكثر، فلا دليل على أنه حيض، لاحتمال أن يكون استحاضة. ولأنّ المشهور عندنا أنَّ الدم إذا تغيَّر أول مرة عن حاله لا تلتفت
(4)
إليه، حتى يتكرَّر فيصير عادة في المبتدأة والمعتادة، مع أنه صالح لِأن
(5)
يكون حيضًا، فلَأن يعمل بالعادة المتقدِّمة مع الاستحاضة أولى.
(1)
في الأصل: «سم الأعظاء» .
(2)
في الأصل والمطبوع: «عدم» ، تحريف.
(3)
في الأصل والمطبوع: «العدة» .
(4)
في المطبوع: «يلتفت» ، والمثبت من الأصل.
(5)
في الأصل والمطبوع: «لا» .
وأما حديث فاطمة فقد روت عائشة رضي الله عنها أنَّ فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أُستحاضُ فلا أطهر، أفأدع
(1)
الصلاة؟ فقال: «لا، إن ذلك دمُ عرق. ولكن دعي الصلاة قدرَ الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسِلي وصلِّي» رواه البخاري
(2)
. فقد ردَّها تارةً إلى التمييز، وتارةً إلى العادة. والله أعلم أنه أمرها بالعادة أولًا فلم تحفظها
(3)
، فأمرَها بالتمييز. كذلك قال الإمام أحمد
(4)
: إنها أُنسِيَتْ
(5)
أيامَها. وقد تقدَّم ذكرُ العادة التي يُرجع إليها، وأنها لا تثبت إلا بثلاث في ظاهر [196/أ] المذهب.
وتثبت العادة بالتمييز، فإذا رأت دمًا أسود خمسةَ أيام في ثلاثة أشهر، وما فيه
(6)
دم أحمر متصل، وهي مبتدأة أو ناسية، ثم صار دمًا مبهمًا، فإنها تجلس زمن الدم الأسود. ولكن هل تُقدَّم هذه العادة على التمييز بعدما أثبتنا التمييز بأول مرة؟ على وجهين، مثل أن ترى في الشهر الرابع: خمسة أحمر ثم أسود وثلاثة أحمر ثم أسود، فقيل: نُحيِّضها
(7)
من أول الأسود وقدر
(8)
عادتها، لأن الأسود يمنع الأحمر قبله أن يكون حيضًا، لأن التمييز أصل هذه
(1)
في الأصل: «أفدع» .
(2)
برقم (325) وقد تقدم.
(3)
في المطبوع: «يقطعها» ، أخطأ في القراءة.
(4)
في رواية حرب. انظر: «شرح الزركشي» (1/ 418).
(5)
في المطبوع: «نسيت» ، والمثبت من الأصل.
(6)
كذا في الأصل والمطبوع. وفي «المغني» : «ثم صار أحمر، واتَّصَل» .
(7)
أوله مهمل في الأصل. وفي المطبوع: «حيضها» ، كما جاء فيما بعد.
(8)
حذف الواو قبله في المطبوع مع التنبيه.
العادة، فيكون أقوى منها. وقيل: حيضها من الأحمر، لأنه صادف زمان العادة، ومن أصلنا أنَّ العادة مقدَّمة على التمييز.
فصل
والعادة على قسمين: متفقة، ومختلفة. فالمتفقة: أن يكون أربعة أيام مثلًا من أول يوم كلَّ شهر فيُعمل بها. وأما المختلفة فعلى قسمين: مضبوطة، وغير مضبوطة.
فالمضبوطة، فإن
(1)
كانت على ترتيب مثل أن تحيض في الشهر الأول ثلاثة، وفي الثاني أربعة، وفي الثالث خمسة، ثم تحيض ثلاثة ثم أربعة ثم خمسة. فإذا استُحيضت قعدت هكذا على الترتيب، فتجلس في شهر الاستحاضة بقدر ترتيبه
(2)
، ثم تبني على ذلك. فإن لم تعلم شهر الاستحاضة جلست اليقين وهو ثلاثة، واغتسلت عقيبها غسلًا واحدًا، في أحد الوجهين. وفي الثاني: تجلس أكثره، لأن هذه متحيِّرة
(3)
، فتجلس أغلب عادات النساء أو أكثر [196/ب] الحيض في رواية، لكن هنا لا يجوز أن يزاد على أكثر عادتها، لأنه ليس حيضًا بيقين، ولا يلزمها إلا غسل واحد كالمتحيِّرة
(4)
.
(1)
كذا في الأصل. وكأنه أراد: «فأمّا المضبوطة» . وحذفت الفاء في المطبوع مع التنبيه.
(2)
غير محررة في الأصل، وفي المطبوع:«يومين» .
(3)
في الأصل: «متحريه» ، تحريف.
(4)
في المطبوع: «كالمتميزة» ، تصحيف.
وكذلك إن كان شيئًا مضبوطًا معتادًا على غير ترتيب، مثل أن تحيض في أول شهر خمسة، وفي الثاني ثلاثة، وفي الثالث أربعة؛ وتسمَّى «العادة الدائرة» .
وأما التي ليست مضبوطة، مثل أن تحيض تارةً ثلاثة، وتارةً خمسة، وتارةً أربعة، أو أقلَّ أو أكثر، ولا يتسق على نظام، فإنها تجلس الأقلَّ المتّفقَ عليه، لأنه عادة بيقين، والزائدُ مشكوك فيه. ولو نقصت عادتها، كمن عادتها عشرة، فرأت سبعة وطهرت، فإنها طاهر. فإذا استحيضت في الشهر الآخر جلست السبعةَ، لأنها هي العادة القريبة، ولأنَّ الثلاثة طهرٌ متيقَّن في الشهر الذي يعقبه شهر الاستحاضة، فلم يكن حيضًا، كما زاد على العادة.
فصل
فإن تغيَّرت العادة بتقدُّم أو تأخُّر أو زيادة لم تجاوز أكثرَ الحيض، مثلَ أن يكون حيضها عشرة أيام في أول الشهر، فترى الحيض قبلها أو بعدها أو أكثر منها= لم تلتفت إلى ذلك، في المشهور من المذهب، حتى يتكرَّر ثلاثًا أو مرَّتين، بل يكون مشكوكًا فيه، تصوم وتصلِّي، وتقضي الصوم إن تكرَّر على معنى واحد. فإن يئست قبل ذلك وانقطع حيضها تقضيه، كطهر المستحاضة المشكوك فيه. وقيل: تقضيه كصوم النفاس المشكوك فيه، ولا يقربها زوجها، وتغتسل [197/أ] عند انقطاع الدم في آخر العادة، إن كان في إثر العادة، كما قلنا في المبتدأة، لأن هذا الدم بمنزلة ما زاد على أقلِّ الحيض، وأولى.
وقد روي عنه ما يدلُّ على أنه حيض، ما لم يجاوز أكثرَ الحيض، لما
ذكره البخاري في «صحيحه»
(1)
أنَّ نساءً كنَّ يبعثن إلى عائشة بالدُّرْجَة، فيها الكُرْسُف، فيه الصُّفرة، فتقول: لا تَعْجَلْنَ حتى تريَن القَصَّة البيضاء؛ تريد بذلك الطُّهرَ من الحَيضة. فاعتبرت حصولَ النقاء الخالص، ولم تأمرهن بالعادة. وعن فاطمة بنت المنذر قالت: كنّا في حَجْر جدّتي أسماء، بناتِ بنتها
(2)
، فكانت إحدانا تطهر من الحيضة، ثم لعلَّ الحيضة تنكِّسها بالصفرة، فتأمرنا أن نعتزل الصلاة ما رأيناها، حتى لا نرى إلا البياض خالصًا. رواه سعيد
(3)
. ولأنَّ الأصل في الدم الخارج أن يكون دمَ حيض، لأنَّ دم الاستحاضة دم مرض وفساد.
ووجه الأول: ما روت عائشة رضي الله عنها أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في المرأة ترى ما يريبها بعد الطهر: «إنما هو عِرْق» أو قال: «عروق» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه
(4)
. وقالت أم عطية: كنَّا لا نعُدُّ الصفرة والكدرة بعد
(1)
تعليقاً في باب إقبال المحيض وإدباره، قبل الحديث (320).
ووصله مالك في «الموطأ» (1/ 59)، وعبد الرزاق (1159)، وصححه الألباني في «إرواء الغليل» (1/ 218).
(2)
كذا في الأصل و «مسند ابن راهويه» ، و «بناتِ» منصوب على الاختصاص. ولكن فاطمة بنت ابن أسماء، وهو المنذر بن الزبير، فالظاهر أن الصواب:«مع بنات بنتها» كما في «مصنف ابن أبي شيبة» و «المغني» (1/ 414). هذا، وفي «سنن البيهقي» (1/ 336):«مع بنات أخيها» .
(3)
وأخرجه ابن أبي شيبة (1013)، والدارمي (889).، وابن راهويه (2259).
(4)
أحمد (24428)، وأبو داود (293)، وابن ماجه (646)، من طريق أبي سلمة، عن أم بكر، عن عائشة به.
في إسناده ضعف، أم بكر مجهولة، كما في «تهذيب التهذيب» (4/ 693)، وقد اختلف في إسناده على أوجه، كما في «العلل» للدارقطني (14/ 440)، وصححه الألباني بمتابعاته في «صحيح أبي داود ــ الكتاب الأم» (2/ 84).
الطهر شيئًا. رواه أبو داود
(1)
. وهذا يدل على أنَّ الزائد على الطهر المعتاد ليس بحيض. ولأنه دم زائد على العادة، فلم يثبت حتى يُختَبر
(2)
بالتكرار، كالزائد على العادة في حقِّ المستحاضة
(3)
. وهذا لأنَّ الصلاة ثابتة في ذمتها بيقين، وخروجه على العادة يُورث الشكَّ فيه، فوجب الاحتياط فيه. فأما إن نقص عن العادة، فإنَّ الطهر يثبت بذلك، لأنَّ الطاهر لا تكون حائضًا قطُّ
(4)
وعلى ذلك يُحمَل
(5)
حديثُ عائشة وأسماء، لأن الطهر قبل كمال العادة طهر صحيح إذا رأت النقاء الخالص، فإنَّ الصفرة والكدرة في العادة حيض. ويدلّ على ذلك ما روى حرب
(6)
عن عائشة قالت: إذا رأَتْ بعد الغسل صفرة أو كدرة توضَّأتْ وصلَّتْ.
فصل
أما التمييز، فمن شرطه أن لا يزيد الدم الأسود على أكثر الحيض ولا ينقص عن أقلِّه، وأن لا ينقص الأحمر عن أقلِّ الطهر، ولا بدَّ فيه من اختلاف
(1)
برقم (307). وأصله في البخاري (326) دون قولها: «بعد الطهر» .
وصححه الحاكم (1/ 174)، وابن الملقن في «البدر المنير» (3/ 134).
(2)
في المطبوع: «يميز» ، أخطأ في القراءة.
(3)
في المطبوع: «الاستحاضة» خلافًا للأصل، وقد سبق مثله مرتين.
(4)
«قطُّ» ظرف خاصّ بالزمان الماضي، فاستعماله هنا في غير موضعه. وقد كثر ذلك في كتب العلماء.
(5)
في الأصل: «يحتمل» . والمثبت من المطبوع.
(6)
في «مسائله» (1/ 307)، وأخرجه بتمامه البيهقي (1/ 337).
لون الدم، فتكون أقراؤه هو الحيض والباقي استحاضة. فإذا رأت خمسة أسود وخمسة أحمر وخمسة أصفر، فالأسود هو الحيض، والأحمر والأصفر استحاضة، ولو رأت خمسة أحمر، وخمسة أصفر، كان الأحمر هو الحيض، والأصفر استحاضة.
ولا يشترط في الرجوع إلى التمييز تكرُّره في أقوى الوجهين. وهذا ظاهر كلام أحمد بل نصُّه. وهو قول القاضي في بعض المواضع وابن عقيل وغيرهما. وفي الآخر: لا بد من تكرُّره كالعادة. وهو قول القاضي في بعض المواضع والآمدي وغيرهما، لا سيَّما إذا قدَّمنا العادة عليه
(1)
.
فلو رأت المبتدأة في أول كلِّ شهر خمسة أسود والباقي أحمر، فالحيض أيام الدم الأسود على الوجه الأول. لكن أولَ مرّة [198/أ] تجلس يومًا وليلةً لأن استحاضتها لم تكن معلومة، ثم في الشهر الثاني تجلس الدم الأسود كلَّه، وتقضي ما فعلته في مدة الدم الأسود أولَ مرّة من صيام وطواف واعتكاف. وعلى الوجه الثاني تجلس يومًا وليلةً ثلاثَ مرَّات على المشهور من الروايتين. فإن تكرَّر بمعنى واحد صار عادةً، فتجلس الخمسة في الشهر الرابع أو الثالث على اختلاف الوجهين، سواء كان دمها أسود أو أحمر، لأنه زمن عادة فيقدَّم على التمييز.
ولو رأت المبتدأة خمسة أيام أحمر ثم أسود، ولم يجُز
(2)
الأسودُ أكثرَ الحيض، فحيضها زمن الدم الأسود. ولا يضرُّه تقدُّم الأحمر عليه، كما لا
(1)
انظر: «المغني» (1/ 393) و «المبدع» (1/ 243).
(2)
يعني: لم يجاوز.
يضرُّ زمنَ العادة تقدُّمُ دمٍ آخر عليها، على قولنا
(1)
: إنّ التمييز لا يفتقر إلى تكرار. وإن قلنا: يفتقر إلى تكرار، فإنها تجلس يومًا وليلةً أو ثلاثةً. وإن جاز
(2)
أكثرَ الحيض فقيل: تحيض من أول الدم الأحمر، لأنه ليس لها تمييز صحيح، فكانت كمن اتفق لون دمها. وقيل: تحيض من أول الدم الأسود، لأنه أشبه بكونه
(3)
دم الحيض.
ولو كان الأحمر المتقدِّم أكثرَ من الطهر الكامل بقدر حيضة، مثل أن يكون ستة عشر يومًا، وباقي الشهر أسود، فعلى وجهين. أحدهما: تُحيَّض من أول الأسود، كالتي قبلها. والثاني: تُحيَّض من أول الأحمر يومًا وليلةً وتُحيَّض الأسود، لأنه يمكن أن يكونا حيضتين. [198/ب] قال القاضي: ولا تُحيَّض على هذا أكثر من يوم وليلة، روايةً واحدةً
(4)
، لأنها لو حُيِّضت غالبَ الحيض ونحوَه لنقص ما بين الحيضتين عن أقلِّ الطهر، وهو يفتقر بحيضها من أوله إلى تكرُّره، على وجهين.
ولو كان الأحمر مع الأسود أكثر من شهر، فقيل: ليس لها تمييز صحيح، لأنَّ الغالب أنَّ في كلِّ شهر حيضةً وطهرًا، فإذا خالف التمييز الغالب ضعف. والصحيح أنه تمييز صحيح، كما لو كان زمنه أكثر من غالب الحيض.
(1)
قراءة المطبوع: «وعلى قولنا» .
(2)
في المطبوع: «جاوز» خلافًا للأصل دون تنبيه. وقد مرَّ آنفًا المضارع منه.
(3)
في الأصل: «يكون» . وفي المطبوع: «تكوّن» .
(4)
وانظر: «الإنصاف» (2/ 407).
فصل
والأحمر كالأسود في غير المستحاضة، لأنه دم مثله. وقيل: يعتبر السواد في حق المبتدأة، فلا تكون بالغةً بالأحمر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«دم الحيض أسود يُعرَف»
(1)
، ولأنَّ المبتدأة لا عادة لها، فيكون السواد دليل الحيضة.
والأول هو المشهور، لأن الأحمر إذا جاء في العادة بدل الأسود كان حيضًا، فإذا لم يخالف صفة متقدِّمة فهو أولى بذلك، بخلاف الصفرة والكدرة، فإنه لا تجيء الحيضة منها وحدَها قطُّ. فأمَّا الصفرة والكدرة، فهي في زمن العادة حيض، يتقدَّمها حمرة وسواد أو لم يتقدَّمها وفيما خرج عن العادة ليست بحيض، تكررَّت
(2)
أو لم تتكرَّر؛ بل يكفي منها
(3)
الوضوء.
وعنه ما يدلُّ على أنها إن تكرَّرت كانت حيضًا. واختاره القاضي في «المجرَّد» وابن عقيل
(4)
، لأنها بالتكرر تصير كما لو كانت في العادة، بخلاف ما تراه بعد الطهر، فإنها لا تلتفت إليه و [لو] كان دمًا
(5)
. ولأن الصفرة والكدرة من ألوان الدم، فأشبه السواد والحمرة. وقد روي عن أسماء بنت أبي بكر ما يشبه ذلك
(6)
.
(1)
سبق تخريجه.
(2)
زاد في المطبوع بعده: «منها» دون تنبيه.
(3)
في المطبوع: «فيها» ، والمثبت من الأصل.
(4)
انظر: «شرح الزركشي» (1/ 432).
(5)
في المطبوع: «لو كان دمًا» بحذف الواو.
(6)
قد تقدم.
ووجه الأول: قولُه في التي ترى ما يريبها بعد الطهر: «إنما هو عرق» أو «عروق» . وقالت أم عطية
(1)
: كنَّا لا نعُدُّ الكدرة والصفرة شيئًا. رواه البخاري
(2)
. وفي لفظ أبي داود
(3)
: بعد الطهر. وهذا يبيِّن أنه قبل الطهر حيض. كما رواه أحمد
(4)
عن عائشة: أن نساءً كنَّ يرسلن بالدُّرْجَة فيها الشيءُ من الصفرة إليها، فتقول: لا تصلِّينَ
(5)
حتّى ترين القَصَّة البيضاء.
قال أحمد
(6)
: القَصَّة: شيء يتبَع الحيضةَ أبيض، لا يكون فيه صفرة ولا كدرة. وقال أيضًا: تُدخل القطنة، فتخرج عليها نقطةٌ بيضاءُ تكون على أثر الدم، وهي علامة الطهر. وقال في رواية أخرى: القَصَّة البيضاء: إذا استدخلت القطنة، فخرجت بيضاء ليس عليها شيء. وكذلك قال الأزهري
(7)
. القُصَّة
(8)
(1)
في الأصل: «وقالت عطية» .
(2)
برقم (326).
(3)
في المطبوع: «لأبي داود» ، والمثبت من الأصل. وقد سبق تخريجه.
(4)
ليس في «مسنده» ، ولم أجده مسندًا في كتب «المسائل» ، وإنما ذكر طرفًا منه محتجًّا به في «مسائل الكوسج» (3/ 1316)، و «مسائل أبي داود (ص 37) و «مسائل عبد الله» (ص 44). وقد سبق تخريجه.
(5)
كذا في الأصل. والمشهور: «لا تعجلن» كما سبق، وكما في المطبوع دون تنبيه.
(6)
في «مسائل صالح» (3/ 104)، ونقله عن الشافعي. وانظر:«فتح الباري» لابن رجب (2/ 125).
(7)
في «الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي» (ص 47). ولفظه: «
…
القصة البيضاء: تستدخل المرأة القطنة، فتخرج بيضاء».
(8)
في الأصل: «القطنة» ، تصحيف. وفي المطبوع:«والقصة» .
بضم القاف
(1)
: القطنة التي تحشوها المرأة، فإذا خرجت بيضاء لا تغيُّر عليها، فهي القصّة
(2)
.
ورواه البخاري
(3)
عن عائشة، قالت في الصفرة والكدرة: إذا كانت واصلةً بالحيض فهي بقية من الحيض، لا تصلِّي حتى ترى الطهر الأبيض. وإذا رأت الطهر الأبيض، ثم رأت الصفرة والكدرة بعد ذلك، فإنما تلك التَّرِيَّة
(4)
، تتوضَّأ وتصلِّي.
(1)
كذا في الأصل و «المغني» طبعة المنار (1/ 366) و «مختصر الإنصاف والشرح الكبير» (1/ 84). وهو معدود من غلط الفقهاء، والصواب: القَصَّة بفتح القاف. نصَّ عليه الصقلِّي في «تثقيف اللسان» (ص 322) وعنه ابن برِّي في «غلط الضعفاء من الفقهاء» (ص 17) والصفدي في «تصحيح التصحيف» (ص 424).
(2)
السياق يوهم أن قوله: «القصة بضم القاف
…
فهي القصة البيضاء» من كلام الأزهري كما أثبته الشيخ محمد بن عبد الوهاب في «مختصر الإنصاف» ، وكأنه صادر عن كتابنا هذا، لأن النص لم يرد في «الشرح الكبير» على ما نقله الشيخ. وقد رأينا أن لفظ الأزهري أقرب إلى الرواية السابقة. ولكن المشكل أن هذا القول نسب في «المغني» (1/ 437) إلى الإمام أحمد. قال: «وروي عنه أن القصة
…
»، ثم قال في آخره:«حكي ذلك عن الزهري، وروي عن إمامنا أيضًا» . ونحوه في «الشرح الكبير» (2/ 444) مع حذف قوله: «وروي عن إمامنا أيضًا» لأنه تكرار محض. فوقع في الكتابين: «الزهري» مكان «الأزهري» ، وقد يشكِّك ذلك في صحة ما ورد في نسختنا السقيمة. ثم كأنّ خللًا وقع في سياق «المغني» أيضًا.
(3)
الظاهر أنَّ المقصود الكلام الآتي، ولكنه لم يرد في «الصحيح» ولا في «التاريخ الكبير». والعبارة: «الصفرة والكدرة
…
الطهر الأبيض» نقلها ابن المنذر في «الأوسط» (2/ 234) عن عبد الرحمن بن مهدي.
(4)
في «المغني» (1/ 437) عن الإمام أحمد أنَّ التَّرِيّة هي القَصّة البيضاء. وفي «الصحاح» (رأي): التريَّة: الشيء الخفي اليسير من الصفرة والكدرة تراها المرأة بعد الاغتسال من الحيض. فأما ما كان في أيام الحيض فهو حيض وليس بترية.
قال إسحاق بن راهويه: إذا رأت الطهر الأبيض، ثم رأت صفرة أو كدرة مستلزمًا
(1)
بحيضها في أيام أقرائها، فذلك حيضٌ كلُّه. قال: ولا اختلاف بين [199/ب] أهل العلم في ذلك.
وروى حرب
(2)
عن عائشة قالت: إذا رأت بعد الطهر صفرة أو كدرة توضّأت وصلَّت، وإن رأت دمًا أحمر اغتسلت وصلَّت.
وهذا يبيِّن أنَّ حكمه مخالف لحكم الدم الأحمر، تكرَّر أو لم يتكرَّر. ولأنه عدم اللون والعادة، فضعف كونه حيضًا. وهو وحده لا يكاد يتكرَّر، وإن فرض ذلك فهو نادر.
ولو رأت المبتدأة صفرةً أو كدرةً لم تلتفت إليه لِما تقدَّم. وقد روي ذلك عن عائشة. وقال القاضي وغيره: تجلسه بناءً على أنَّ اليوم والليلة للمبتدأة، كالعادة للمعتادة
(3)
. وبنى على هذا بعضُ أصحابنا أنها لو رأت الصفرة والكدرة خارجَ العادة كان حكمها حكم الدم العَبيط
(4)
في أنها تحسبها حيضًا، على رواية، لما
(5)
روي عن أسماء.
(1)
كذا في المطبوع، ولا أراه صحيحًا. والكلمة في الأصل صورتها:«مننلرما» ، ولم أتمكن من قراءتها.
(2)
في «مسائله» (1/ 307) وقد تقدّم.
(3)
انظر: «الإنصاف» (2/ 399).
(4)
هو الدم الطري الخالص.
(5)
في الأصل: «فيما» ، والمثبت من المطبوع.