الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هل هو على سبيل التخيير والتشهي، أو أنه ينبغي أن ينظر الإنسان لمقتضى الحال؟ إذا كان الكسوف قد بدأ يضمحل فإنه يجعل ركوعين في كل ركعة، وإن كان الكسوف في أوله ولاسيما أننا في الوقت الحاضر نعلم أنه سيبقى ساعتين، أو ثلاثًا فإننا نزيد في الركوعات، نعم يمكن أن يقال بهذا، لكن الذي أختاره: أن نقتصر على المرفوع الصحيح وهو أربع ركوعات في ركعتين وأربع سجدات.
الدعاء عند هبوب الريح:
484 -
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "ما هبت الريح قط إلا جثا النبي صلى الله عليه وسلم على ركبتيه، وقال: اللهم اجعلها رحمةً، ولا تجعلها عذابًا". رواه الشافعي والطبراني.
قوله: "هبت" يعني: تحركت، وقوله:"قط" هذه- كما مضى- ظرف مبني على الضم في محل نصب، وقوله:"إلا جثا" بمعنى: برك، وقوله:"على ركبتيه" يعني: برك على ركبتيه، هكذا وهذه صفة الخائف من الشيء يبرك على ركبتيه، يكون كالمستلقي في الصلاة، لكن ينزل ظهره.
قوله: "اللهم اجعلها رحمة"؛ اجعلها أي: هذه الريح، وعلى هذا فهي مؤنثة كما جاءت في القرآن:{ريح فيها عذب أليم} [الأحقاف]. فهي لفظها مذكر لكن معناها مؤنث، "ولا تجعلها عذابًا"؛ لأن الرياح بعضها رحمة وبعضها عذاب.
واعلم أن الرياح من آيات الله عز وجل كما قال الله تعالى: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار
…
} إلى قوله: {وتصريف الريح} [البقرة: 164]. فتصريف الرياح من آيات الله عز وجل يصرفها شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا، تصريف في الجهة، يصرفها في الحركة والاندفاع، بعضها شديدة وبعضها خفيف، يصرفها في المصالح والمضار، يصرفها في الحر والبرد، يصرفها في الارتفاع والانخفاض
…
إلى غير ذلك مما لا نعلمه، تصريف هذه الرياح من آيات الله بلا شك، لو اجتمعت جميع ماكينات العالم على أن تجعل الرياح من جهة محدودة مثل تلك الرياح العاصفة لا يستطيعون، ولكن من له القدرة على كل شيء يفعل ذلك- سبحانه وتعالى، ففي هذه الرياح آيات عظيمة من آيات الله، وهي تأتي بالخير وتأتي بالشر، ولهذا ثبت في صحيح مسلم- وليت المؤلف جاء به- من حديث عائشة أن الرسول- عليه الصلاة والسلام كان
يقول: "اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به"، فهنا تجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد استعاذ من ثلاثة أمور: شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به، وهذه لها معان مختلفة:"شرها" هي بنفسها، لأنها قد تحدث شرًا على الإنسان، إما عامًا أو خاصًا، و"شر ما فيها" قد تحمل أشياء أوبئة تحملها معها فتأتي بها إلى الناس، "وشر ما أرسلت به"؛ لأنها قد ترسل عذابًا تدمر، وأما "أسألك خيرها
…
إلخ" فهو على ضد قوله" "أعوذ بك من شرها
…
إلخ".
وقد مر علينا أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن سب الريح. وأنه لا يجوز للإنسان أن يسب الريح؛ لأنها مرسلة مأمورة، فسبها سب لمن أرسلها- سبحانه وتعالى فلا يحل لأحد أن يسب الريح مثل: أن يلعنها أو يسبها بوصف عيب أو ما أشبه ذلك، ولكن إذا قال: ريح شديدة مدمرة فهذا صحيح؛ لأن الله وصف ريح عاد بأنها: {تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم} [الأحقاف: 25]. وأكثر ما جاء في القرآن الرياح بالجمع عندما تأتي بالخير كالمطر كقوله: {والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلدٍ ميتٍ فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور} [فاطر: 9]. قوله: {وهو الذي أرسل الرياح
…
} [الفرقان: 48]. وعندما تأتي ريح بلفظ مفرد غالبًا يكون ذلك عندما تأتي بالشر والعذاب كقوله تعالى: {ريح فيها عذاب أليم} [الأحقاف: 24]. {إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم} [الذاريات: 41] لكن قد تأتي الريح مفردة لكنها توصف بما يدل على الخير مثل قوله: {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريحٍ طيبةٍ} [يونس: 22]. لأن الفلك لا يناسبها الرياح، الذي يناسبها الريح الواحدة؛ لأن الرياح تعرقل سيرها، وكانت الفلك شراعية تمشي على حسب الهواء، فلو تصرفت الرياح لكان ذلك عائقًا لها عن سيرها، فإذا جاءت ريح واحدة وكانت طيبة صار هذا أتم للنعمة.
وقوله هنا: "ما هبت الريح إلا جثا"- إن صح الحديث- المراد: الهبوب الشديد؛ ولهذا في صحيح البخاري. "أنه إذا عصفت الرياح عرف ذلك في وجهه"، وعلى هذا فيكون هنا "هبت" إذا صح الحديث، "ويجثو على ركبتيه" معلوم أنه لا يجثو إلا بأفعال في نفسه، فإذا كان لا يعرف في وجهه عن الريح شيئا إلا إذا عصفت دل على أن المراد بقوله هنا:"إذا هبت" يعني: هبوبًا عاصفًا، أما الهبوب المعتاد فإن الرسول- عليه الصلاة والسلام لا يفعل فيه هذا.
وفي هذا الحديث دليل على شدة مخافة الرسول صلى الله عليه وسلم من ربه وعقابه، ولهذا كان إذا رأى
سحابًا أو غيمًا صار يقبل ويدبر ويدخل ويخرج، فتقول له عائشة: يا رسول الله، الناس إذا رأوا ذلك قد يستبشرون، فقال:"يا عائشة، وما يؤمنني أن يكون في ذلك عذاب"، قد عذب قوم عاد بالريح، لما رأوا الريح مقبلة ماذا قالوا؟ {هذا عارض ممطرنا} [الأحقاف: 24]. ما ظنوا أنه ريح تدمرهم فقال الله تعالى: {بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم (24) تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم} [الأحقاف: 24 - 25]. نسأل الله العافية.
فالحاصل: أن كل من بالله أعرف كان منه أخوف؛ لأن الإنسان إذا نظر إلى ذنوبه وإلى تقصيره خاف من الله عز وجل، ولولا أن الإنسان يعتمد على خوف الله عز وجل وسعة رحمته وإحسانه لهلك، لكن يرجو ويخاف، إن نظر إلى عفو ربه وسعة فضله وإحسانه رجع، وإن رأى تقصيره قال: إني خائف، وفي الحقيقة لا تنظر إلى تقصيرك باعتبار زمانك؛ لأنك إن نظرت إلى تقصيرك باعتبار زمانك قد يؤدي بك ذلك إلى أن تعجب بنفسك؛ لأنك قد ترى كل من حولك أقل منك في عبادة الله، لكن انظر إلى تقصيرك بالنسبة إلى من سبقك، انظر إلى حال النبي- عليه الصلاة والسلام وحال الصحابة، عمر رضي الله عنه، لما سمع القارئ يقرأ} إن عذاب ربك لواقع (7) ما له دافع} [الطور 7 - 8]. مرض حتى صار يعاد من خوفه من الله عز وجل، ونحن تمر على قلوبنا هذه وكأنها قطعة ثلج، فأنت إذا أردت أن تعرف قصورك وتقصيرك فانظر إلى حال من سبقك، أما إذا نظرت إلى حال زمانك فقد يحملك ذلك أن تقول: أنا من أولياء الله، وهذا غلط؛ لأن الكل عباد الله الذين فيما سلف والذين في وقتنا هذا، كلهم عباد الله، يجب أن يتعبدوا لله عز وجل بما شرع، ونحن إذا ظرنا إلى حال الصحابة والتابعين وجدنا أن بيننا وبينهم كما بين الثرى والثريا، وعرفنا تقصيرنا تمامًا، المهم: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يخاف وكان يفعل هكذا.
وقال: "اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابًا"، تكون الريح رحمة؟ نعم، ما الدليل؟ {وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته} [الأعراف: 57]. وتكون عذابًا: {وفي عادٍ إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم} [الذاريات: 41]، {وأما عاد فأهلكوا بريحٍ صرصرٍ عاتيةٍ} [الحاقة: 6]. ريح لها صوت باردة والعياذ بالله عاتية قوية {سخرها عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيامٍ حسومًا} [الحاقة: 7]. متتابعة قاطعة والعياذ بالله، والعذاب يأتي صباحًا:{فأتبعوهم مشرقين} [الشعراء: 60]: آل فرعون، ولوط أهلكوا قومه صباحًا قال تعالى:{أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين} [الحجر: 66]. {إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب} [هود: 81]. لأن الإنسان إذا أصبح وأمن العقوبة بالليل قال: راح كل شيء، فيأتيه العذاب في الوقت الذي يكون فيه آمنا من الوقت الآخر الناس يخافون العذاب والسطو بالليل فإذا أصبحوا أمنوا فيأتيهم العذاب في الوقت الذي يكونون فيه آمن ما يكون، نسأل الله العافية.
والحاصل: أن الله عز وجل أرسل هذه الريح على عاد فدمرتهم، لأن عادًا ماذا كانوا يقولون: