الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإنسان إذا شك في صلاته في عدد الركعات ولم يترجح عنده شيء فإنه يأخذ بالأقل فيكمل عليه، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم.
ويستفاد من هذا الحديث: مراعاة النبي صلى الله عليه وسلم لكون الصلاة تقع شفعًا؛ لقوله: "إن صلى خمسًا شفعن صلاته".
ويستفاد منه: أنه ينبغي للإنسان أن يراغم الشيطان ويذله ويحقره، لقوله:"كانتا ترغيمًا للشيطان" كيف تراغم الشيطان والأصل أنك كلما هممت بأمر خير فإن الشيطان يثبطك عنه دائمًا، إذن بماذا تكون مراغمته؟ أن تفعل الخير وكلما هممت بأمر سوء لتتركه فإن الشيطان يأمرك بفعله، فمراغمته: أن تترك ذلك الفعل المحرم، وكما أنه ينبغي لنا أن نراغم الشيطان فإنه ينبغي لنا أن نراغم أولياء الشيطان من الكافرين والفاسقين وغيرهم؛ لأن الله هكذا أمر، قال الله تبارك وتعالى:{محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من اله ورضوانًا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فأزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار} (الفتح: 29). فإن الكفار إذا رأوا المسلمين على الحالة المحمودة غاظهم ذلك، وقال الله تعالى في وصف المجاهدين:{ولا يطئون موطئًا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدوٍ نيلًا إلا كتب لهم به عمل صالح} . (التوبة: 120). فإغاظة أعداء الله من الشيطان وأوليائه أمر محبوب إلى الله وفيه أجر لنا.
السهو مبني على غلبة الظن:
320 -
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمَّا سلَّم قيل له: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا، قال فثنى رجليه واستقبل القبلة، فسجد سجدتين، ثم سلم، ثم أقبل على الناس بوجهه فقال: إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فيتم عليه، قم ليسجد سجدتين". متفق عليه.
وفي رواية للبخاري: "فليتم، ثم يسلم، ثم يسجد".
ولمسلم: : أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد سجدتي السهو بعد السلام والكلام".
وبالنسبة للحديث السابق، الحكمة من كون السجود قبل السلام؛ لأم هذا الشك الذي طرأ يخلخل الصلاة ويؤدي الإنسان منها جزءًا مترددًا فيه، إذا صار يشك في صلاته أصلي ثلاثة أو أربعة وقلنا: أجعلها ثلاثة وجاء بالرابعة، تجده الآن مترددًا هل هذه الرابعة أو خامسة أو رابعة فبقى
هذا الجزء ناقصًا فلهذا صار من الحكمة أن يسجد قبل السلام لئلا ينصرف من صلاته إلا وقد أتمها وجبرها.
أما حديث ابن مسعود فيقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم الظهر خمسًا، فلما انصرف قيل:"يا رسول الله أزيد في الصلاة؟ "، وإنما استفهموا عن الزيادة؛ لأن الوقت قابل للنسخ فإنه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم {يمحوا الله ما يشاء ويثبت} (الرعد: 39). ومن الممكن أن يزيد الله في الصلاة.
قال: "وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا" يعني: صليت خمسًا، "فثنى رجليه" يعني: عطفهما واتجه إلى القبلة وسجد سجدتين ثم سلم، السجود هنا وقع بعد السلام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم بالزيادة إلا بعد السلام، فصار هنا بعد السلام لعدم العلم يمقتضيه، ثم قال صلى الله عليه وسلم:"إنه لو حدث شيء في الصلاة لأنبأتكم به" صلى الله عليه وسلم، لا يمكن أن يحدث شيء في الشرع إلى ويخير به؛ لأنه يجب عليه البلاغ، وفي هذا دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما كان يصلي بأهل مكة في عام الفتح كان يصلي ركعتين ويقول:"يا أهل مكة أتموا فإنا قوم سفر"، قال بعض الناس: إنه يصلي ركعتين إذا كان مسافرًا صلى بجماعة مقيمين يصلي ركعتين فإذا سلم قال: "أتموا" وهذا غلط، وإنما يقول:"إنا قوم سفر" قبل أن يدخل في الصلاة لأجل أن يبنوا صلاتهم على يقين، فقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"لو حدث شيء في الصلاة لأنبأتكم"، يعني: أنبأتكم قبل أن تفعلوا أم بعد؟ قبل أن تفعلوا، إذن هؤلاء الذين يصلون خلف المسافر يخبرهم أنه مسافر قبل أن يدخل في الصلاة يقول:"إني مسافر فإذا سلمت فأتموا" المهم أن الرسول قال: "لو حدث شيء لأنبأتكم به، وإنما أن بشر مثلكم"، هذا من تواضع الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو بشر كما قال الله عنه {قل إنما أنا بشر مثلكم} (الكهف: 110). "أنسى كما تنسون"؛ لن طبيعة البشر النسيان، "فإذا نسيت فذكروني وإذا شك أحدكم في صلاته"، فلم يدر كم صلى، ثلاثًا أو أربعًا؟ "فليتحر الصواب، ثم ليبن عليه ثم ليسلم ثم ليسجد سجدتين".
يستفاد من هذا الحديث: أن الإنسان إذا زاد في صلاته بان صلى خمسًا في رباعية أو أربعًا نقول: يجب عليك أن تسجد، يعني: مثلُا زاد رجل ركعة في صلاته بأن صلى ثلاثًا في ثنائية، أو أربعًا في ثلاثية، أو خمسًا في رباعية ولم يدر حتى سلم يجب عليك أن يسجد؛ لأن الرسول سجد وأمر بالسجود، لا يقول: أنا أديت صلاتي بدون شك، نقول لكنك علمت بالزيادة فيجب عليك أن تسجد لها، ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن الإنسان إذا شك في الصلاة ثم
علم أنه ليس فيها زيادة ولا نقص فإنه لا سجود عليه، مثال ذلك: شككت هل صليت ثلاثًا أو أربعًا، وجعلتها ثلاثًا وجئت بأربع، ولما جلست في التشهد الأخير ذكرت أن هذا هو الصواب، وأنك لم تزد في صلاتك ولم تنقص؛ وأنك مصيب فيما فعلت فهل عليك سجود؟
المشهور من مذهب الحنابلة: أنه لا سجود عليك؛ لأن السجود لجبر الشك وقد زال، وقال بعض العلماء: عليك السجود؛ لأن الركعة الأخيرة أديتها وأنت متردد فيها: هل هي تتميم لصلاتك أو هي ركعة زائدة، لكن ظاهر فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث يدل على أنه إذا تبين للإنسان أنه مصيب فيما فعل فإنه لا سجود عليه، كما أنه لو تبين أنه مخطئ فعليه السجود.
ويستفاد من هذا الحديث: أنه لو زاد في صلاته وذكر قبل أن يسلم أنه زاد فإنه يجب عليه السجود، لكن يكون بعد السلام.
فإن قال قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما سجد بعد السلام؛ لأنه لم يعلم إلا بعد السلام، فإن علم قبل أن يسلم لسجد قبل أن يسلم؟ نقول: لا، بل القاعدة: أن كل سجود سببه الزيادة فمحله بعد السلام.
مسألة: رجل صلى الظهر خمسًا وقبل أن يسلم علم يقينًا أنه صلى خمسًا فهل نقول: سلم ثم اسجد، أو أسجد ثم سلم؟ نقول: سلم ثم أسجد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى خمسًا سجد بعد السلام فإن قلت النبي صلى الله عليه وسلم سجد بعد السلام؛ لأنه لم يعلم إلا بعد أن سلم فكيف تقيس عليه ما إذا علم بالزيادة قبل أن يسلم؟
فالجواب أن نقول: لما سجد النبي صلى الله عليه وسلم بعد السلام لهذه الزيادة ولم يقل للأمة: إن زدتم فاسجدوا قبل السلام علم أن محل السجود في الزيادة يكون بعد السلام، وبهذا نقول: متى زاد الإنسان في صلاته ركوعًا بان ركع مرتين، أو سجودًا بان سجد ثلاث مرات مثلًا، أو ركعة كاملة بأن صلى خمسًا في رباعية فإنه يسلم أولًا ثم يسجد للسهو بعد السلام، ويكون الضابط الآن:"كل سجود سببه الزيادة فمحله بعد السلام".
ويستفاد من هذا الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر كغيره من البشر، كل الخصائص البشرية تنطبق عليه، فيعتريه النسيان والجهل والمرض والجوع والعطش والألم والأرق، فكل شيء يعتري البشر فإنه يعتري الرسول صلى الله عليه وسلم، وبهذا قال:"إنما أنا بشر" وأكد البشرية بقوله: "مثلكم" كما أمره الله أن يقول: إنه بشر: {قل إنما أنا بشر مثلكم} لكن يتميز عنهم بالرسالة ولهذا قال: {يوحي إلي أنما إلاهكم إله واحد} (الكهف: 110). وينبني على هذه الفائدة بطلان دعوى من يدعي لأنه يعلم الغيب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، وقد أمره الله تعالى أن يقول:{قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن اتبع لا ما يوحي إلي} (الأنعام: 15). وينبني عليه أيضًا:
أنه صلى الله عليه وسلم لا يملك لأحد نفعًا ولا ضرًا، وأنه عبد كغيره من العبيد، وقد أمر الله أن يقول ذلك:{قل إني لا أملك لكم ضرًا ولا رشدً} (الجن: 21). بل هو صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، كما أمره الله أن يقول ذلك بقوله:{قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله} (الأعراف: 188). وذلك في أكثر من آية، ولهذا لو أراده الله تعالى بسوء هل يملك أن يدفع ذلك؟ {قل إني لن يجبرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدًا} (الجن: 22). هذا خاص بالرسول صلى الله عليه وسلم، وأما العموم فقد قال الله تعالى:{وإذا أراد الله بقومٍ سوءًا فلا مرد له} (الرعد: 11) إذن لا يمكن أن يكون له صلى الله عليه وسلم شيء من خصائص الربوبية بل هو بشر.
ويستفاد من هذا الحديث: جواز النسيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله: "أنسى كما تنسون"، ولابد أن يبلغه إلا شيئًا نسخ، فإن ما نسخ ربما ينساه النبي صلى الله عليه وسلم، أما شيء باق فلا يمكن أن ينساه؛ لأننا جوزنا ذلك لجوزنا أن يكون شيء من الشريعة منسيًا وهذا ممتنع غاية الامتناع؛ لقوله تعالى:{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (الحجر: 9).
ويستفاد من هذا الحديث: أنه يجب على المأمومين أن ينبهوا الإمام إذا أخطأ؛ لقوله: "فإذا نسيت فذكروني" والأصل في الأمر الوجوب، والمأموم صلاته مرتبطة بإمامه، فإذا لم يذكر صار الخلل في صلاة الإمام وفي صلاته أيضًا؛ ولهذا يجب على المأمومين إذا أخطأ الإمام أن ينبهوه، هذا فيما إذا كان الخطأ مفسدًا للصلاة فإنه يجب، أما إذا كان الخطأ لا يفسد الصلاة فإنه لا يجب لكن يستحب، كما لو أنه أخطأ في قراءة الفاتحة فقال:"أهدانا الصراط المستقيم"، فهنا يجب عليهم أن يردوه؟ نعم يجب لأن هذا الخطأ يفسد الصلاة؛ لن "أهدنا" غير معنى "آهدنا"، "آهدنا" من الهداية، و "أهدنا" من الهدية، يعني أعطنا هدية، ولو قال:"الحمد لله رب العالمين" لم يجب لكن الأفضل أن يردوا عليه؛ لن هذا اللحن لا يفسد الصلاة، ولو نسي أن يجهر في قراءة جهرية يسن أن ينبهوه، ولو سجد ونسي الركوع وجب عليهم أن ينبهوه.
وعلى هذا فيكون قوله: صلى الله عليه وسلم: "إذا نسيت فذكروني"، يجمل الوجوب على ما إذا كان هذا المنسي مفسدًا للصلاة، وإلا فإنه يستحب، وهل يجب على غير المأمومين أن ينبهوه إذا أخطأ، مثل: لو فرضنا أن واحدًا كان يقرأ ويجنبه إنسان يصلي ورآه سجد مرة واحدة وقام هل يجب عليه أن ينبهه؟ الأفضل أن ينبهه، وإن كان بعض أهل العلم قال: لا يجب ذلك إلا على المأمومين؛ ن الإنسان غير ملتزم بأصل عبادة غيره والذي يترجح أنه يجب على المأمومين وغيرهم، فإذا رأى أحدهم أحدًا أخطأ خطأ يفسد العبادة وجب عليه أن ينبهه؛ لأن هذا داخل في عموم قوله تعالى:{وتعاونوا على البر والتقوى} (المائدة: 2)؛ ولأن هذا يشبه من أراد أن يستعمل
ماء نجسًا وأنت تعلم نجاسته فإنه يجب عليك أن تنبهه؛ لأنه لو استعمل الماء النجس تلوث به ولم يرتفع حدثه؛ ولهذا قال فقهاؤنا- رحمهم الله: ويلزم من علم نجاسة ماء أن ينبه من أراد أن يستعمله ويعلمه بذلك.
ويستفاد من هذا الحديث: أن الإنسان إذا شك في صلاته وترجح عنده أحد الأمرين فإنه يبني على ما ترجح عنده لا يبني على اليقين وإنما على ما ترجح؛ ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "فليتحر الصواب" ثم ليبن عليه:
وعلى هذا فنقول: إذا شككت هل هذه ثلاثًا أو أربع، وكان في ذهنك أن الأربع هما الأقرب ماذا يكون؟ تجعلها أربعًا وتجلس وتسلم وتسجد للسهو بعد السلام، ويتفرع على ذلك قاعدة مهمة وهي: أن العبادات مبنية على الظن لا على اليقين، يعني: أن غلبة الظن في العبادات كافية ولا يشترط اليقين، وهذا في مسائل كثيرة، منها: لو أن الإنسان غلب على ظنه الإنقاء وهو يستنجي أيكفي ذلك أم يقول: لابد أن أتيقن؟ إذا غلب على ظنه أنه أنقى كفى، وكذلك إذا شك في الطواف هل طاف سبعة أشواط أو ستة أشواط؟ وترجح عنده: أنها سبعة فإنه يعمل بالراجح مع أنه ليس يقينًا بل ترجيح، وعلى هذا فقس، فإن هذا الدين يسر؛ لأنه في بعض الأحيان قد يكون اليقين معتذرًا ومتعسرًا، ولهذا كان من رحمة الله بالعباد أن جعل غلبة الظن قائمًا مقام اليقين في باب العبادات، وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وطرده، أما الفقهاء فهم في بعض الأحيان يأخذون بهذا، وفي بعض الأحيان لا يأخذون به، ففي هذا الباب الذي نحن فيه- باب سجود السهو- يقولون: إنه لا يبني على غلبة الظن، بل يجب البناء على اليقين مطلقًا، وفي باب الاستنجاء وإزالة النجاسة قالوا: يكفي غلبة الظن مع أن الأصل بقاء النجاسة، ومع ذلك قالوا: إنه يكفي غلبة الظن، المهم أننا لا نحب أن نأتي بأشياء تضيع المقصود.
مسالة إذا شك الإنسان في صلاته وترجح عنده شيء إما الزيادة وإما النقص ماذا يعمل؟ يعمل بالراجح لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "فليتحر الصواب"، ثم ليبن عليه، "ثم ليتم صلاته" بناء على ما ترجح ثم يسلم ثم يسجد للسهو مرتين ثم يسلم، ويتبين بهذا أن الشك إن كان فيه غلبة ظن أخذ بغلبة الظن وصار السجود بعد السلام، وإن لم يكن فيه غلبة ظن أخذ باليقين وهو الأقل، وصار السجود قبل السلام، والفرق بينهما: أنه إذا كان عنده غلبة ظن فإن غلبة الظن أقوى من الوهم، وما دام الشرع اعتبره صار الوهم أمرًا زائدًا، وإذا كان أمرًا زائدًا فإن القاعدة أن سجود السهو إذا كان عن زيادة فإنه يكون بعد السلام.