الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يكون إلا في الغدوة، أي في أول النهار، فإذا صار "لا يتغدى إلا بعد" دل هذا على أنهم يبكرون بها، وزعم بعضهم أن قوله:"ما كنا نقيل" أن القيلولة بعد الظهر وليس قبل الظهر، وأما قوله:"ولا نتغدى" فمعناه أنه يؤخر الغداء إلى بعد الظهر من أجل صلاة الجمعة، وهذا يقوله من يرى أنه لا يجوز صلاة الجمعة بعد الزوال، ولكن في هذا نظر؛ لأنه لو كانت القيلولة أصلها بعد الظهر لم يكن لقوله:"ما كنا نقيل إلا بعد الجمعة"، [فائدة]؛ لأنه إذا كانت القيلولة من العصر بعد الظهر فلا فائدة لقوله:"بعد الجمعة"؛ لأن هذا معلوم في الجمعة وفي الظهر وفي سائر الأيام، والصواب ما ذهب إليه بعض فقهاء الحنابلة من أن صلاة الجمعة تجوز قبل الزوال، ولكن المشهور من المذهب أنها تجوز من حين ترتفع الشمس قيد رمح إلى وقت العصر، ولهذا على هذا القول هي أطول الصلاة وقتًا.
والقول الثاني في مذهب الحنابلة: أنها إنّما تجوز الساعة السادسة، يعني: إذا انتهت الخامسة دخل وقتها فيكون قبل الزوال بساعة.
وقوله: "في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فائدة إتيان المؤلف بهذه الرواية ليكون الحديث مرفوعًا حكمًا؛ إذ إنه لو قال: "ما كنا نقيل" لأمكن لقائل أن يقول: لعل هذا بعد عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا قال: "في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم" فهو دليل على أنه مرفوع حكمًا، وقد سبق لنا في المصطلح أن الصحابي إذا قال: "كانوا يفعلون"، أو "كنا نفعل" حتى لو لم يقل: "على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم"، فالصحيح أنه مرفوع حكمًا؛ لأن الصحابي يأتي بمثل هذا للاحتجاج به على أنه من فعل الصحابة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.
العدد الذي تنعقد به الجمعة:
425 -
وعن جابر رضي الله عنه: "أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائمًا، فجاءت عيرٌ من الشَّام، فانفتل الناس إليها، حتّى لم يبق إلا اثنا عشر رجلًا". رواه مسلم.
"كان" فعل ناقص واسمها مستتر، و"قائمًا" حال من فاعل "يخطب" أما خبر "كان" فهي جملة "يخطب".
"كان يخطب قائمًا" يعني: الجمعة، "فجاءت عير من الشام"، العير هي: الإبل المحملة، وأكثر ما تكون محملة بالطعام هذه العير، وقوله:"من الشام" الظاهر أن المقصود من نفس الشام ليس معناها الجهة الشمالية مثلًا، ولكن من الشام نفسها، "فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلًا"، العير هذه محملة بالطعام قدمت المدينة وكانوا بحاجة إليها، فلما سمعوا بها انفتلوا؛
يعني: انصرفوا إليها، والانفتال معناه: الانصراف، ومنه: فتل الحبل، لأنك إذا فتلته يعني تلويه فهو ليِّ وانصراف؛ حيث إنهم انفتلوا إلى العير لشدة حاجتهم، وظنوا أن الأمر لا يبلغ هذا المبلغ وإلا لو علموا أنه يبلغ هذا المبلغ هل ينصرفون؟ لا، فظنوا أن هذا الانصراف منهم لا حرج عليهم فيه لشدة حاجتهم؛ حيث إن هذا الأمر قد بلغ بهم هذا المبلغ، فخرجوا حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلًا، من هم؟ لم يُعيَّنوا، لكن بالتأكيد أن أبا بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعليًّا، هؤلاء الأجلة لا بد أن يكونوا موجودين، وقوله:"إلا اثنا عشر رجلًا""رجل" هذه تمييز للعدد "إلا اثنا عشر"، وقوله:"إلا اثنا عشر" محله من الإعراب أنه منصوب على الاستثناء.
يُستفاد من هذا الحديث عدة فوائد: الفائدة الأولى: أن المشروع في خطبة الجمعة أن يكون الإنسان قائمًا لقوله: "يخطب قائمًا"، وفي القرآن ما يعضد ذلك:{وتركوك قائمًا} [الجمعة].
ويستفاد منه: لوم من خرج من المسجد للتجارة، بل ولغير التجارة بعد الأذان؛ لأن الآية في مقام اللوم.
ويُستفاد من هذا الحديث: أن الجمعة تنعقد باثني عشر رجلًا لقوله: "لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلًا"، ولكن لمعارض أن يعارض فيقول: لعلهم رجعوا قبل أن يتم خطبته، فصاروا أربعين، ولمعارض آخر أن يقول: إنهم صاروا اثني عشر رجلًا على سبيل الصدفة والاتفاق، ولو كانوا أقل من ذلك لم يتغير الحكم، فالأول يقوله من يرى أن العدد لا بد أن يكون أربعين، والثاني يقوله من يرى أنه لا يشترط أن يبلغ اثني عشر رجلًا، ولكن في كلا الجوابين نظر، أمّا الذين يقولون لعلهم رجعوا فإننا نقول: الأصل عدم الرجوع، والثاني: ظاهر الحديث أنهم ما رجعوا؛ لأنه قال: "لم يبق إلا اثنا عشر رجلًا"، ولم يقل: ثم رجعوا لكان يجب أن يذكر لما فيه من زوال اللوم عنهم.
وأمّا الثاني: فنقول لمن قال: إن هذا وقع على سبيل التشريع، نقول: من يقول لك هذا؟ ما ظنك هل لو خرجوا اثني عشر ولم يبق إلا ثلاثة أو أربعة يسبب أن الحكم يتغير؟ لا يتغير؛ لأن الأصل بقاء الحكم على ما كان عليه، وقد قررنا فيما سبق كثيرًا على أن المسائل التي تقع اتفاقًا ليست تشريعًا، وغاية ما فيها أن تكون مباحة فقط، وذكرنا من ذلك نزول الرسول- عليه الصلاة والسلام ليلة المزدلفة نزل فبال، وتوضأ وضوءًا خفيفًا ثم ركب حتى أتى "مزدلفة" فهل نقول: إنه يشرع للحجاج أن ينزلوا هذا الشعب ويبولون؟ لا، ليس بمشروع، كذلك أيضًا كون الرسول- عليه الصلاة والسلام قدم إلى مكة في حجة الوداع في اليوم الرابع، وبقي يقصر الصلاة، هل نقول: من قدم في اليوم الثالث لا يقصر؟ الجواب: لا، لا نقول ذلك؛ لأن كون
الرسول- عليه الصلاة والسلام قدم في اليوم الرابع، وبقي أربعة أيام حتى خرج إلى "منى" هذا وقع اتفاقًا لا قصدًا، والدليل على أنه لا يختلف الحكم وأنك لو قدمت في اليوم الثالث، أو الثاني، أو الأول من ذي الحجة تقصر لو زاد على أربعة أيام، الدليل على أنه لو كان الحكم يتغير لكان بيَّنه الرسول- عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذا الأمر، الرسول يعلم وكل الناس يعلمون أن من الناس من يأتون قبل يوم الرابع أو بعده، فما وقع اتفاقًا لا يعتبر تشريعًا وهذا نافع لطالب العلم، إلا أن ابن عمر- رضي الله عنه وعن أبيه- من شدة تحريه للسُّنة أنه كان يتابع الرسول صلى الله عليه وسلم حتى فيما وقع اتفاقًا، حتى قيل: إنه كان يتتبع الأماكن التي ينزل الرسول صلى الله عليه وسلم فيها فيبول ينزل هو أيضًا فيبول رضي الله عنه، أو التي ينزل فيها ليصلي فينزل فيها ويصلي، يعني: يتحرى كل هذا ولكن هذا، الأصل الذي مشى عليه ابن عمر خالفه عليه بقية الصحابة، وقالوا: إن هذا لا يدل على التشريع لكن يدل على الجواز، إذ لو كان ممنوعًا ما فعله الرسول- عليه الصلاة والسلام إذن هذا الذي معنا الآن هذا من فروع تلك القاعدة، كونه لم يبق إلا اثنا عشر رجلًا وينزل الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبته ويستمر، ما نقول: إنه لو بقي أقل من أثني عشر رجلًا لاختلف الحكم؛ لأن الأصل عدم اختلاف الحكم وبقاؤه على ما كان عليه، وكونه لم يبق إلا اثنا عشر رجلًا كما لو لم يبق إلا خمسة عشر رجلًا أو تسعة رجال فالحكم واحد.
وهاهنا مسألة وهي أن يقول قائل: الصحابة لا شك أنهم خير القرون بنص الرسول- عليه الصلاة والسلام: "خير الناس قرني، ثم الذي يلونهم"، فكيف يقع من خير القرون أن يخرجوا من عند النبي- عليه الصلاة والسلام وهو قائم يخطب الناس يعظهم ويذكرهم، وتأمل قوله:{وتركوك قائمًا} الكلمة هذه تحمل لومًا عظيمًا، كيف يحدث هذا؟ زعم بعض أهل العلم أن الخطبة كانت قبل نزول هذه الآية، وأنهم لما أنهوا الصلاة قالوا الخطبة استماعها ليس بواجب، وأنه لما حصل ما حصل قُدمت الخطبة على الصلاة، فما رأيكم في هذا الجواب؟ هذا الجواب في الحقيقة من حيث تنزيه الصحابة وتعظيم الصحابة جيد، لكن من حيث الواقع ليس بجيد كيف ذلك؟ لأن الله في الآية يقول:{فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} [الجمعة: 10]، إذن لا يوجد خطبة والأصل أن ما كان هو الذي كان، الأصل أن ما هو موجود الآن هو الذي كان موجودًا من قبل حتى يقوم دليل على أن الحكم مختلف فكما أننا نقول: الأصل بقاء ما كان على ما كان، فإننا نقول أيضًا: الأصل أن ما كان هو ما كان، فينسحب الحكم من الآخر إلى الأول، كما ينسحب من الأول إلى الآخر، فالأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يوجد دليل