الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تكبيرات الانتقال وأحكامها:
284 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد ثم يكبر حين يهوي ساجدًا، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد ثم يكبر حين يرفع، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها، ويكبر حين يقوم من اثنين بعد الجلوس". متفق عليه.
هذا الحديث في بيان التكبيرات- تكبيرات الانتقال وكذلك تكبيرة الإحرام- يقول أبو هريرة صلى الله عليه وسلم: "كان النبي إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم"، وهذه تكبيرة الإحرام، وسبق أن لها شروطًا منها: أن تقع بهذا اللفظ، فلو قال: الله أعظم، أو أجل، أو أعز، أو أكرم لم تنعقد الصلاة، فيقول:"الله أكبر".
قال: "ثم يكبر حين يركع" يعني: إذا أهوى إلى الركوع، لأن هذا التكبير تكبير انتقال فيكون حالة الانتقال، قوله:"ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع"، يقول إذا رفع في حال النهوض:"سمع الله لمن حمده"، ومعنى "سمع الله لمن حمده" أي: استجاب لمن حمده، واستجابة الحمد هي الإثابة عليه؛ لأنه ليس دعاء، ولكن متضمن للدعاء؛ لأن كل من أثنى على الله عز وجل ماذا يريد من الله؟ يريد الثواب والآجر، فالثناء على الله متضمن للدعاء.
يقول: "ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد". "وهو قائم" يعني: بعد أن يستتم قائمًا يقول: ربنا ولك الحمد، "ربنا": منادي منصوب بياء النداء المحذوفة؛ لأنه مضاف، والتقدير: يا ربنا وقله: "ولك الحمد" معطوف على جملة محذوفة بعد النداء؛ يعني: يا ربنا أثبنا ولك الحمد، فالواو حينئذ معطوفة على جملة محذوفة، وسبق معنى الحمد.
"ثم يكبره حين يهوي ساجدًا" ويجوز: "يهوى" بفتح الياء من يهوى أو من هوى، وهذا أيضًا تكبيرة انتقال ما بين القيام والسجود، وقوله:"ساجدًا" حال من فاعل يهوي،
"ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها، ويكبر حين يقوم من اثنتين بعد الجلوس"، هذه التكبيرات- كما تعلمون- متفق على أن تكبيرة الإحرام ركن لابد منه.
ولكن هل يشترط أن تكون بلفظ التكبير، أو تكون بلفظ التكبير وما كان في معناه؟ فيه خلاف، والقول الراجح: أن تكون بلفظ التكبير "الله أكبر"، لو مد الهمزة في "الله" لم تصح؛ لأنها تقلب الجملة الخبرية إنشائية، ولو مد الباء في قوله:"أكبر" لم تصح التكبيرة؛ لأنها تنقل المعني إلى معنى آخر، فـ"أكبار" عندهم في اللغة جمع كبر كأسباب جمع سبب، والكبر هو: الطبل، فالمعنى يفسد بهذا بلا شك.
هل يُشترط أن تكون بالهمزة، أو يجوز أن تكون بالواو؟ اللغة العربية تًجيز أن تبدل الهمزة واوًا إذا ضُم ما قبلها، وعليه كثير من المؤذنين اليوم؛ إذ نجده إذا كبر يقول:"الله أكبر"، والحمد لله أن كانت فيه لغة، كما أننا نحمد الله أن وجدت في إن وأخواتها لغة بنصب الجزأين، وعليه يتخرج صحة قول بعض المؤذنين:"أشهد أن محمدًا رسول الله"، لو سألت المؤذن ماذا تريد بهذه الجملة؟ قال: أنا أريد بها أم محمدًا رسولُ الله، فهو قد اعترف الآن بأن "الرسول" خبر لكنه نصبها، وهي لغة والحمد لله وعليها قول الشاعر:
إنّ حُرَّاسَنَا أُسْدًا -بالنصب-
أمّا على اللغة المشهورة فإنه إذا قال: "أشهد أن محمدًا رسولَ الله" فالجملة لم تتم؛ لأن "الرسول" تكون صفة تحتاج إلى خبر.
وبقية التكبيرات غير تكبيرة الإحرام اختلف فيها العلماء رحمهم الله، منهم من قال: إنها سُنة تصح الصلاة بدونها ولو تركها عمدًا، ومنهم من قال: إنها واجبة ولكنهم اتفقوا على أنها ليست من الأركان.
مَنْ قال: إنها واجبة، يعني: أنه لو تعمد تركها بطلت الصلاة، وإن تركها سهوًا جُبرت بسجود السهو؛ هذا القول هو الراجح أنها واجبة، دليل الوجوب: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُواظب عليها لم يتركها قط، وقد قال:"صلوا كما رأيتموني أُصلي"، وأي شيء واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال:"صلوا كما رأيتموني أُصلي" لا يمكن أن نقول: إنه سُنة، وأن الإنسان مُخير بين فعله وتركه من جهة النظر، إن هذه الانتقالات لابد لها من فاصل تميز بعضها عن بعض وذلك بالتكبير.
من فوائد هذا الحديث: أن التكبير يكون عند الانتقال من الركن إلى الركن، ولابد أن يكون فيما بين الركنين، مثلًا إذا أراد أن يسجد يكبر، يكون التكبير ما بين حركته إلى الهوي يسجد لو بدأ به قبل أو كمله بعد، فكمن تركه على المشهور من المذهب، قالوا: لأنه قبل أن يُهوي إلى السجود، ومثلًا في قيام له ذكر خاص، فلا يمكن أن تدخل ذكرًا في غير محله، كذلك في السجود، السجود له ذكر خاص، لو أكملت التكبير في السجود لأدخلت ذكرًا في غير محله، لذا بدأ به قبل أو أكلمه بعدُ فإنه لا يُجزئ، ولكن نعلم أن هذا أمر لو أخذنا به لشققنا على كثير من الأئمة فضلاٌ عن المأمومين.
ولهذا كان القول الراجح في هذه المسألة: أنه لو شرع فيه قبل أن يتحرك إلى الركن الثاني، ولكنه أكلمه في حال الهوي فلا بأس، وكذلك لو أكمل بعد أن وصل إلى الركن الثاني فلا بأس، لو كبَّر التكبير كله قبل أن يهوي فهنا نقول: لا يُجزئ؛ لأنه أتى بذكر مشروع في غير محله وترك ذكرًا واجبًا في محله، كذلك أيضًا لو لم يكبًّر إلا إذا وصل إلى الركن الثاني فإن ذلك لا يُجزؤه، لماذا؟ لأنه ترك ذِكرًا واجبًا في محله وأتى بذِكر في غير محله.
والعجب: أن بعض المجتهدين من الأئمة عن غير علم في حال السجود يقول: لا أكبِّر حتى أصل إلى الأرض، لماذا يا شاطر؟ قال: لئلا يسبقني الناس في السجود، لو كبّرت من حين أهوي لوصل الناس للسجود قبلي، وهذا لا يجوز، لأن الواجب أن يقوم الإنسان بما عليه ومن خالف على نفسه، أما أن أُغير ما شُرع من أجل هذا المأموم فهذا لا يجوز، إذن القول الراجح: أن تكبيرات الانتقال واجبة، وأنه لا حرج أن يبدأ بها قبل أن يتحرك أو يُنهيها بعد أن يصل إلى الركن الثاني.
ومن فوائد الحديث: أن ظاهره أن التكبيرات سواء، يعني: تكبيرة الهُوِي إلى السجود كتكبيرة القيام للجلوس ولا فرق، لأن أبا هريرة لم يقل: وكان يُطيل التكبير في المكان الفلاني، أو يقصرهما في المكان الفلاني، وهذا هو الأصل؛ لأنه لو كان هناك تغيير لنُقل وذُكر، فلما لم يُنقل ويُذكر عُلم أنه لا تغيير، وأن التكبيرات على حد سواء، وهذا هو الراجح وهو الذي يُعد فيما أظنه سُنة النبي صلى الله عليه وسلم وكنا قبلُ نسير على حسب ما يعمله مشايخنا رحمهم الله نفرق بين التكبيرات؛ يعنى: تكبيرة الجلوس بين اثنتين، وتكبيرة الجلوس للتشهد الأول وللتشهد الأخير، حتى صلى معنا بعض طلبة الحديث وقال لي: ما دليلك على هذا التكبير؟ فما لي إلا عمل المشايخ، قال: عمل المشايخ ليس بحجة، عمل المشايخ يُحتج له ولا يُحتج به، وظاهر السُّنة أولى بالإتباع، فقلت: جزاك الله خيرًا، هذا -إن شاء الله- هو الحق، وبدأنا -والحمد لله- نسير على هذا وأول ما بدأت أعمل -يعنى: هذه التكبيرات التي لا يتميز بعضها عن بعض-، بدأ الناس يقولون: سبحان الله، سبحان الله! لماذا؟ لأنّا عودناهم على التفريق بين التكبيرات كما كان عليه عمل المشايخ كما قلت سابقًا، لكن في النهاية حصل الخير وعرفوا الحق.
وفيه من الفوائد مع موافقة ظاهر السُّنة: أن المؤمنين كل واحد منهم يحترز ويحتاط وينتبه، لئلا يقوم في محل الجلوس، أو يجلس في محل القيام، يعني: يضبط نفسه، أما لو كان على حسب التغير لكان آلة ميكانيكية؛ إذا جاء التكبير الذي يُمد قام، وإذا جاء الذي يُخفف جلس، فكان في هذا فائدة ثم فيه فائدة ثالثة: وهي أنه إذا كان بعض المأمومين ليس يشاهد في مكان آخر، كما في
محل النساء مثلًا، وكان الإمام يُميز بين التكبيرات، ثم قال:"الله أكبر" وجلس في الثالثة وسبحوا به، سيقوم بلا تكبير، الذين في المكان الثاني سوف يبقون جالسين؛ لأن هذا التكبير تكبير جلوس، ولا يعلمون أنه تغير في هذا الحال يبقون جالسين، أما إذا كان التكبير لا تمييز فيه فإنه لا تمييز لتكبير الجلوس والقيام، فإذا نبهه الذين في مكانهم وقام، فإذا الذين لا يشاهدونه قد قاموا بناء على هذه الركعة الثالثة مثلًا. فما أكثر إتباع السُّنة بركة حيث يحصل به فوائد كثيرة.
بعض الأئمة يفرق جدًا جدًا في هذا التمييز حتى رأيت من يُفرق بين الجلوس للتشهد الأول والجلوس للتشهد الثاني، وصليت وراءه، فوجدته كلما وصل إلى الجلوس للتشهد الأول جعل يمده مدًا عاديًا مثل بقية الأئمة، وإذ أتى إلى التشهد الأخير يمد طويلًا فتعجبنا؛ لأن هناك أئمة جُهال تجد أحدهم يصلي في الطرقات ويقول:"الله ويخفي آخر التكبير؛ أي: يلفظ بلفظ الجلالة بصوت مرتفع، بينما يخفي آخر التكبير "أكبر" إخفاء عظميًا يغلب على ظني أنه ليس عندهم مستند من الشرع وهو كذلك، لكن مستندهم أنهم يسمعون أئمة الحرم إذا كبروا صار آخر التكبير خفيفًا؛ لأنهم يبعدون عن اللاقطة، فظن بعض هؤلاء أن هذا هو السُّنة، ولذلك يجب على الإمام أن يتعلم، قال بعض الناس: إن هذا التكبير مده أو خفضه حسب الطبيعة، لكن هذا غير صحيح؛ لأنه لو كان حسب الطبيعة لم يكن فرق بين الجلوس للتشهد والجلوس لما بين السجدتين؛ لأنهم في كل رفع يطيلون التكبير بل هو شيء متعمد ليس على حسب الطبيعة يتعمدون المد وغيره، ولم أر في كتب الفقهاء السابقين التمييز بين التكبيرات إلا في التكبيرة من القيام إلى السجود أو من السجود إلى القيام، وذلك لطول المسافة، فيطيلون التكبير، لكن السُّنة أحق أن تُتبع ألا نفرق بين هذا وهذا.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الإمام يقول: "سمع الله لمن حمده"، وبعد أن يستتم قائمًا يقول:"ربنا ولك الحمد"، وهل المأموم مثله، وهل المنفرد مثله؟ الجواب: أما المنفرد فنعم مثله يقول: "سمع الله لمن حمده" حين الرفع، ويقول بعد استكمال القيام:"ربنا ولك الحمد".
أما المأموم، فقال بعض أهل العلم: إنه يقول: "سمع الله لمن حمده"، ويقول:"ربنا ولك الحمد" كالإمام، ولكن القول الراجح في هذه المسألة: أن المأموم إذا قال الإمام: "سمع الله لمن حمده" يقول: "ربنا ولك الحمد"؛ لأن هذا هو صريح الحديث حينما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما جُعل الإمام ليؤتم به" إلى أن قال: "وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد"، مع أنه قال:"إذا كبر فكبروا"، ففرق بين التكبير وبين التسميع، التكبير قال:"إذا كبر فكبروا"، التسميع، إذا قال:
سمع الله لمن حمده فقل: سمع الله لمن حمده، بل قال:"إذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد" وعلى هذا فالمأموم يقول: "ربنا ولك الحمد" حين نهوضه من الركوع.
*وفي قوله: "ربنا ولك الحمد" سنن متنوعة:
الأولى: "ربنا ولك الحمد" كما في الحديث.
الثانية: "ربنا لك الحمد" بحذف الواو.
والثالثة: "اللهم ربنا ولك الحمد" بالجمع بين اللهم والواو.
والرابعة: "اللهم ربنا لك الحمد". كل هذه ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهل الأولى المحافظة على واحدة من هذه الصيغ والاستمرار فيه، أو الأولى أن يُقال هذا مرة وهذا مرة، أو الأولى أن يؤخذ بأكثر منها وهو:"اللهم ربنا ولك الحمد"؟ الصواب: الثاني دون الثالث ودون الأول؛ بمعنى: أنك تأخذ بهذا تارة وبهذا تارة، هذا واضح فيما إذا كان الإنسان بُصلي لنفسه، وفيما إذا كان مأمومًا أن ينوع، لكن إذا كان إمامًا فهل يُنوع أو لا ينوع؟
ننظر كما قلنا لكم سابقًا: لأن المسألة تربية وتعظيم للدين، وعلى ذلك فإذا كانوا جماعة طلبة علم فالأولى من الإمام أن ينوع؛ لأن الأمر ليس مُشكلًا عليهم، لكن إذا كانوا عوامًا هل من المستحين أن الإمام يقول:"اللهم ربنا ولك الحمد" اليوم، و"ربنا لك الحمد" غدًا، هذا يُشكل عليهم على أنه سيخالف السُّنة من وجه آخر، وهو أن يجهر بـ "ربنا ولك الحمد" وهو غير محل جهر الإمام لا يجهر بربنا ولك الحمد؛ لأنه يُسمع ويجهر بالتسميع ويكفي.
هذه المسائل يجب أن يراعى فيها أحوال العوام، القراءات الواردة في القرآن الكريم لا شك أنها سُنة، وأن الإنسان ينبغي أن يقرأ بها على الروايات حفاظًا على ما ورد في القرآن، ولأجل أن يعرف أن بعض القراءات يفسر بعضها بعضًا، لكن هل يقرأ بهذه القراءات المخالفة عندما يكون بين أيدي العوام؟ لا، لا يقرأ؛ لأن العوام كما قيل: هوام ما يفقهون الشيء، ثم في ظني أن القرآن سينقص قدره في نفوسهم إذا كان هذا يقرأ كذا، وهذا يقرأ كذا، حتى إني سمعت بعض العوام يسخر بقراءة الإمالة في "طه" و "الشمس وضحاها" وما أشبه ذلك، إذن كيف أقرأ بالإمالة بين العوام؟ إن القراءة بالإمالة تؤدي إلى أن يستهينوا بالقرآن ويسخروا به، القرآن مُعَظم في قلوب الناس لا تقرأ عليهم غير ما يفهمون، ولهذا جاء في حديث علي:"حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذَّب الله ورسوله" 4، وقد أنكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه