الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أريد أن أسبح أدبار الصلوات ثلاثمائة مرة، نقول له: بل الأفضل لاقتصار على ما ورد، ثم يشرع أن تسبح ما شئت، لكن لا تنو أنه تسبيح مقيد بالصلاة؛ أي: لا تزد على ما جاء به الشرع بالتسبيح المقيد بالصلاة.
هكذا أيضًا نقول: الأفضل للإنسان في راتبة الفجر أن يخففها، حتى قالت عائشة رضي الله عنها "حتى إني أقول: أقرأ بأم القرآن"، من شدة تخفيفه صلى الله عليه وسلم.
وماذا يقرأ في هذه الرواتب؟ أما راتبة الظهر والعشاء فلم يرد فيها شيء، وأما راتبة المغرب فقد ورد فيها حديث فيه نظر وفيه أنه يقرأ {قل يا أيها الكافرون} و {قل هو الله أحد} ، وأما الفجر فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ فيها:{قل يا أيها الكافرون} ، وفي الركعة الثانية:{قل هو الله أحد} أو في الركعة الأولى {قل يا أيها الكافرون} ، وفي الركعة الثانية {قل يا أهل الكتاب تعالوا} الآية. وفي حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدع أربعًا قبل الظهر وركعتين قبل الغداة، في هذا الحديث دليل على أن راتبة الظهر قبلها أربع ركعات، فهل نأخذ بحديث ابن عمر أو بحديث عائشة أو نقول: إن السنة هذا وهذا؟ يرى بعض أهل العلم: أن نأخذ بحديث عائشة؛ لأن فيه زيادة علم، ويرى آخرون أن نأخذ بحديث ابن عمر؛ لأنه قال:"حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "، ولكن الراجح: أن هذا، وهذا أيضًا سنة، من اقتصر على ركعتين فقد أصاب، ومن زاد إلى أربع فقد أصاب، ولكن المرجح: أن يصلي أربعًا، وذلك لأنه وردت أحاديث تدل على فضيلة الأربع قبل الظهر.
فضل ركعتي الفجر:
339 -
وعنها رضي الله عنها قالت: "لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شيءٍ من النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر". متفق عليه.
- ولمسلم: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها".
هذا الحديث أيضًا تقول عائشة رضي الله عنها: "على شيء من النوافل"، المراد بالنوافل: النوافل التابعة للصلوات، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يتعاهد شيئًا منها أكثر من تعاهده لركعتي الفجر، ولهذا كان لا يدعهما حضرًا ولا سفرًا، وليس شيء من الرواتب يصليه النبي صلى الله عليه وسلم إلا راتبة الفجر فقط، وانتبه لقولي: من الرواتب، احترازًا من بقية النوافل، فإن بقية النوافل كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصليها، لكن الرواتب لا يصلي منها إلا راتبة الفجر، ما الذي بقى من الرواتب؟ راتبة الظهر وراتبة
المغرب وراتبة العشاء، هذه لا تصلي، وأما الوتر فليس من الرواتب؛ لأن الرواتب هي: السنن التابعة للصلوات الخمس، والوتر ليس منها، ولهذا نقول: إن المسافر يصلي الوتر، ويقوم الليل، ويصلي الضحى، ويصلي الاستخارة، ويصلي تحية المسجد، وينتفل تنفلًا مطلقًا، كل المواطن مشروعة في حقه، باقية على مشروعيتها، أما الرواتب- وهي النوافل التابعة للصلوات المكتوبة- فلا يصلي منها إلا راتبة الفجر، فإنه لا يدعها حضرًا ولا سفرًا، وفي صحيح مسلم:"ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها"، (ركعتا الفجر)، كيف ركعتا الفجر: بالفتج مع أنه مبتدأ؛ لأنه مثنى لكن تسقط الألف لأن الذي بعدها همزة وصل، وقد قال ابن مالك.
إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق
…
وإن يكن لينا ففتحه استحق
وهذا لين "ألف" فيفتح، ولا حاجة إلى أن تتوقف وتقول: ركعت الفجر، بل نقول:"ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" وهذا نظير قوله تعالى: {ولقد أتينا داود وسليمان علمًا وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين} (النمل: 15). لا نتوقف ونقول: "وقال الحمد لله، ليس هناك داعٍ، بل نقول: {الحمد لله الذي فضلنا على كثيرٍ من عباده المؤمنين}؛ لأن الألف تسقط عند التقائها بهمزة الوصل، وهنا "ركعتا الفجر خير من الدنيا وفيها". أي دنيا هي؟ الدنيا كلها في كل زمان ومكان ركعتان خير من الدنيا كلها، والخيرية هنا ظاهرة؛ لأن ثواب هاتين الركعتين باق، والدنيا كلها زائلة وما فيها زائل:{كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} (الرحمن: 26 - 27). تصور كيف كانت حال الدنيا .. من مضى من الملوك والعلماء والتجار وغيرهم ماذا كانوا بعد أن ذهبوا؟ كانوا كما كانوا قبل أن يولدوا مضوا وكأن لم يكونوا بعد! يقول الله عز وجل في سورة الإنسان {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا} (الإنسان: 1) ثم ذكر بعد ولادته وإذا مات صار حبرًا من الأخبار:
بينا يرى الإنسان فيها مخبرًا
…
حتى يرى خبرًا من الأخبار
كان يتحدث بالناس، ولكن الآن صار الناس يتحدثون به، فركعنا الفجر خير من الدنيا وما فيها، لو ذكر للواحد أنه يوجد في بلد بعيد، يوجد قصر (فيلا) إذا جاء الإنسان إليها فإننا نعطيها إياه مجانًا جزاء له على سفره الطويل أيذهب الناس إليها أم لا؟ لا شك أنه يذهب الناس إليها مع التعب الشديد، مع أنها ربما تنهدم قبل أن يموت صاحبها، أو يموت ويدعها! لكن "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" فضل عظيم، ولولا أنه ثابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم لقال قائل: كيف يكون هذا الفضل العظيم بهذا العمل القليل: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" وهذا يدل
على تأكدها، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يدع ركعتي الفجر، بل الواجب عليه أن يحرص عليها ويحافظ عليها.
فإن قال إنسان: إذا جئت والإمام قد أقام الصلاة هل أصليها، يعني: أنا أعلم علم اليقين أنني سأدرك الإمام قبل أن يركع؛ لأني أعرف أن عادة الإمام أنه يقرأ ويطيل القراءة، فسوف أتمكن من صلاة الراتبة ثم أدخل معه، فما الجواب؟
نقول: لا يصليها، ولو صلاها فهي باطلة مع إثمه، يأثم وتبطل الصلاة؛ والدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة"، و"لا" نافية، والنفي هنا بمعنى النهي وهو نفي للصحة، يعني: لا تصلوا فإن صليتم فلا صلاة لكم، ولكن يصليها بعدما يسلم الإمام ويأتي بالذكر الوارد، وإن أخرجها حتى تطلق الشمس قيد رمح فلا حرج عليه، لكن كثيرًا من الناس بقول: إني لو تركتها لنسيتها، أو لتهاونت لها وثقلت علي، فإذا كان الإنسان يخشى من هذا فالأفضل أن يصليها بعد الصلاة.
340 -
وعن أم حبيبة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بهن بيت في الجنة". رواه مسلم وفي روايةٍ" "تطوعًا".
- وللترمذي نحوه، وزاد:"أربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر".
هذا الحديث يؤيد ما سبق من حديث عائشة رضي الله عنها مع أن حديث ابن عمر فيه أن هذه الثنتي عشرة لو صلاها الإنسان بني الله له قصرًا في الجنة؛ أي: قصرًا في الجنة دائمًا أبديًا "أربع قبل الظهر" بسلام واحد أو بسلامين؟ بسلامين؛ لن هذا المطلق يحمل على المقيد، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"، ولا يستثنى من ذلك إلا الوتر في بعض صفاته، فمثلًا إذا أوتر بثلاث فله أن يفردها جميعًا بسلامٍ واحد وتشهد واحد، وإذا أوتر بخمسٍ فالسنة أن يسردها جميعًا بسلام واحد وتشهد واحد، وإذا أوتر بسبع فالسنة أن يسردها جميعًا بتشهد واحد وبسلام واحد، وإذا أوتر بتسع فالسنة أن يسردها جميعًا بسلام واحد وتشهدين، وإذا صلى ثمان ركعات جلس وتشهد، ثم قام وأتى بالتاسعة فتشهد وسلم، أما إذا أوتر بإحدى هشرة فإنه يصلي ركعتين ركعتين؛ أي: مثنى مثنى، وعلى هذا فنقول: إن محافظة الإنسان على اثنتي عشرة ركعة كل يوم وليلة أفضل من الاقتصار على عشر ركعات لهذا الحديث.