المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مشروعية الاستسقاء في الأمم السابقة: - فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية - جـ ٢

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌7 - باب صفة الصلاة

- ‌صفة الاستفتاح ومعانيه:

- ‌الاستعاذة ومعناها:

- ‌أوضاع منهي عنها في الصلاة:

- ‌مواضع رفع اليدين وصفته:

- ‌صفة وضع اليدين في القيام:

- ‌حكم قراءة الفاتحة:

- ‌هذه الروايات فيها فوائد:

- ‌أحكام البسملة:

- ‌شروط كون قول الصحابي حجة:

- ‌التأمين وأحكامه:

- ‌متى تسقط الفاتحة:

- ‌كيفية القراءة في الصلاة:

- ‌مقدار القراءة في صلاتي الظهر والعصر:

- ‌قدر قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في المغرب والعشاء والفجر:

- ‌صفة القراءة في فجر الجمعة:

- ‌هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تدبر القراءة في الصلاة:

- ‌أذكار الركوع والسجود ومعانيها:

- ‌تكبيرات الانتقال وأحكامها:

- ‌أذكار القيام من الركوع ومعانيها:

- ‌هيئة السجود وأحكامه:

- ‌صفة الأصابع في السجود والركوع:

- ‌الجلوس في محل القيام وأحكامه:

- ‌الدعاء بين السجدتين:

- ‌حكم جلسة الاستراحة:

- ‌القنوت وأحكامه:

- ‌دعاء القنوت:

- ‌حكم تقديم اليدين قبل الركبتين للسجود:

- ‌صفة وضع اليدين في التشهد:

- ‌صيغ التشهد ومعانيها:

- ‌صفة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم:

- ‌الدعاء بعد التشهد وأحكامه:

- ‌صفة التسليم وأحكامه:

- ‌الأذكار دبر الصلوات ومعانيها:

- ‌وجوب تعلم صفة صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌صلاة المريض:

- ‌8 - باب سجود السهو وغيره من سجود التلاوة والشكر

- ‌صفة سجود السهو:

- ‌السجود للسهو بعد السلام وحكمه:

- ‌حكم التشهد لسجدتي السهو:

- ‌حكم سجود السهو قبل الكلام:

- ‌السهو مبني على غلبة الظن:

- ‌سقوط سجود السهو:

- ‌حكم سهو الإمام والمأموم:

- ‌سجود التلاوة:

- ‌حكم سجود التلاوة:

- ‌أحكام سجود التلاوة:

- ‌بعض مواضع سجود التلاوة في القرآن:

- ‌حكم سجود القارئ والمستمع والسامع:

- ‌التكبير لسجود التلاوة:

- ‌9 - باب صلاة التطوع

- ‌السنن الرواتب:

- ‌فضل ركعتي الفجر:

- ‌النفل قبل العصر والمغرب:

- ‌التخفيف في ركعتي الفجر والاضطجاع بعدها:

- ‌قيام الليل:

- ‌صلاة الوتر:

- ‌صفات صلاة الوتر:

- ‌الحث على قيام الليل والوتر:

- ‌لا وتران في ليلة:

- ‌ما يقرأ في الوتر:

- ‌صلاة الضحى:

- ‌10 - باب صلاة الجماعة والإمامة

- ‌حكم صلاة الجماعة:

- ‌وجوب الحضور للجماعة في المسجد:

- ‌عدم سقوط الجماعة عن الأعمى:

- ‌صلاة المفترض خلف المتنقل:

- ‌حكم الصلاة قيامًا خلف إمام قاعد:

- ‌مراعاة حال المأمومين في الصلاة:

- ‌إمامة الصغير المميز:

- ‌يقدم في الإمامة الأكثر قرآنًا:

- ‌تسوية الصفوف والمقاربة بينها:

- ‌أفضلية الصف الأول للرجال:

- ‌صلاة المرأة والصغير خلف الإمام:

- ‌حكم صلاة المنفرد خلف الصف:

- ‌المشي إلى الصلاة بالسكينة والوقار:

- ‌استحباب الكثرة في الجماعة:

- ‌حكم إمامة المرأة لأهل دارها:

- ‌الدخول مع الإمام على أي حال أدركه:

- ‌11 - باب صلاة المسافر والمريض

- ‌حقيقة السفر ومعناه:

- ‌قصر الصلاة في السفر وحكمه:

- ‌مسائل مهمَّة:

- ‌الصلوات التي لا تقصر في السفر:

- ‌الفطر في السفر وحكمه:

- ‌عدد الأيام التي يجوز فيها القصر:

- ‌حكم الجمع بين الصلاتين في السفر:

- ‌حالات جمع التقديم والتأخير:

- ‌حالات الجمع بين الصلاتين في الحضر:

- ‌الصلوات التي لا يجمع بينها:

- ‌صلاة المريض وكيفيتها:

- ‌12 - باب صلاة الجمعة

- ‌التحذير من ترك الجمع:

- ‌وقت صلاة الجمعة:

- ‌العدد الذي تنعقد به الجمعة:

- ‌حكم إدراك ركعة من الجمعة:

- ‌حكم الخطبة قائمًا:

- ‌صفة خطبة النبي صلى الله عليه وسلم:

- ‌استحباب طول الصلاة وقصر الخطبة:

- ‌قراءة سورة (ق) في الخطبة:

- ‌حكم تحية المسجد والإمام يخطب:

- ‌ما يقرأ في الجمعة والعيدين:

- ‌صلاة النفل بعد الجمعة وأحكامها:

- ‌حكم فصل الفريضة عن النافلة:

- ‌فضل الاغتسال والتطيب يوم الجمعة:

- ‌ساعة الإجابة يوم الجمعة:

- ‌استغفار الخطيب للمؤمنين:

- ‌حكم قراءة آيات من القرآن في الخطبة:

- ‌الذين تسقط عنهم الجمعة:

- ‌13 - باب صلاة الخوف

- ‌شروط صلاة الخوف:

- ‌الصفة الأولى لصلاة الخوف:

- ‌الصفة الثانية لصلاة الخوف:

- ‌الصفة الثالثة لصلاة الخوف:

- ‌الصفة الرابعة لصلاة الخوف:

- ‌الصفة الخامسة لصلاة الخوف:

- ‌14 - باب صلاة العيدين

- ‌حكم صلاة العيد في اليوم الثاني إذا ترك لعذر:

- ‌من السنة أكل تمرات قبل الخروج لعيد الفطر:

- ‌حكم خروج النساء لصلاة العيد:

- ‌مشروعية الخطبة بعد صلاة العيد:

- ‌صلاة العيد ركعتان بلا نفل:

- ‌صلاة العيد بلا أذان ولا إقامة ولا نفل:

- ‌صلاة العيد في المصلى:

- ‌التكبير في صلاة العيد:

- ‌قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة العيد:

- ‌مخالفة الطريق والتكبير في الطريق:

- ‌15 - باب صلاة الكسوف

- ‌مشروعية صلاة الكسوف والدعاء فيها:

- ‌القراءة في صلاة الكسوف جهرًا:

- ‌صفة صلاة الكسوف:

- ‌الدعاء عند هبوب الريح:

- ‌حكم الصلاة للزلازل:

- ‌16 - باب الاستسقاء

- ‌صفة صلاة الاستسقاء والخطبة لها:

- ‌الدعاء في صلاة الاستسقاء:

- ‌تحويل الرداء في الاستسقاء والجهر بالقراءة:

- ‌مشروعية رفع اليدين في الاستسقاء:

- ‌أقسام التوسل وأحكامه:

- ‌ما يفعل عند هطول المطر:

- ‌الدعاء عند رؤية المطر:

- ‌مشروعية الاستسقاء في الأمم السابقة:

- ‌17 - باب اللباس

- ‌تحريم الزنا والخمر والغناء:

- ‌تحريم لبس الحرير والجلوس عليه:

- ‌مقار ما يباح من الحرير:

- ‌حكم لبس الحرير لعذر أو مرض:

- ‌إباحة الذهب والحرير للنساء والحكمة منها:

- ‌حبُّ الله عز وجل لرؤية أثر نعمته على عبده:

- ‌النهي عن لبس القسيِّ والمعصفر:

- ‌جواز كف الثياب بالحرير وضوابطه:

- ‌كتاب الجنائز

- ‌الترغيب في تذكر الموت:

- ‌كراهة تمني الموت:

- ‌تلقين المحتضر الشهادة:

- ‌حكم قراءة يس عند المحتضر:

- ‌تغميض الميت:

- ‌حكم تسجية الميت:

- ‌حكم تقبيل الميت:

- ‌الإسراع في قضاء دين الميت:

- ‌حكم تحنيط الميت المحرم:

- ‌حكم تجريد الميت عن تغسيله:

- ‌صفة الغسل:

- ‌تكفين الميت وأحكامه:

- ‌استحباب الكفن الأبيض:

- ‌استحباب إحسان الكفن:

- ‌هل يجمع بين الرجال في الدفن، ومن يقدَّم:

- ‌كراهة المغالاة في الكفن:

- ‌حكم الصلاة على المقتول في حد:

- ‌حكم الصلاة على قاتل نفسه:

- ‌حكم الصلاة على القبر:

- ‌الصلاة على الغائب:

- ‌موقف الإمام في الصلاة على المرأة:

- ‌حكم الصلاة على الميت في المساجد:

- ‌عدد التكبير في صلاة الجنازة:

- ‌قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة:

- ‌الدعاء للميت في صلاة الجنازة:

- ‌الدعاء للمسلمين في صلاة الجنازة:

- ‌الإخلاص في الدعاء للميت:

- ‌استحباب الإسراع بالجنازة:

- ‌فضل اتباع الجنائز والصلاة عليها:

- ‌النهي عن اتباع النساء للجنازة:

- ‌كيفية إدخال الميت القبر:

- ‌الميت يتأذى بما يتأذى به الحي:

- ‌اللحد والشق في القبر:

- ‌النهي عن البناء على القبور وتجصيصها:

- ‌حكم تلقين الميت عند القبر:

- ‌زيارة النساء للقبور:

- ‌جواز البكاء على الميت:

- ‌النهي عن الدفن ليلًا:

- ‌استحباب إيناس أهل الميت:

- ‌آداب زيارة القبور:

- ‌النهي عن سب الأموات:

الفصل: ‌مشروعية الاستسقاء في الأمم السابقة:

‌مشروعية الاستسقاء في الأمم السابقة:

495 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خرج سليمان عليه السلام يستسقي، فرأى نملة مستلقية على ظهرها رافعةً قوائمها إلى السماء تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن سقياك، فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم". رواه أحمد وصححه الحاكم.

هذا الحديث فيه آيات من آيات الله، سليمان هو ابن داود أحد أنبياء بني إسرائيل، هل هو قبل موسى أم بعده؟ بعد موسى.

قوله: "يستسقي" أي: يطلب السقيا من الله، "فرأى نملة" رؤية بصرية، "مستلقية" صفة لنملة، والنملة واحدة النمل، وهو معروف وهو معروف ويقال: إنه من أحكم الحشرات في قوته، وإنه يجمع القوت في وقت لا يستطيع فيه أن يخرج إلى سطح الأرض في أيام الشتاء، وأنه إذا جمع القوت أكل رءوس الحب- حب البر- لأجل ألا ينبت؛ لأنه إذا نبت فسد، فإذا جاء المطر ورأى أن البلل سيصل إلى الحب أو وصل إليه بالفعل أخرجه ونشره في الشمس حتى ييبس وبرده لئلا يعطن شيء عجيب.

سأل سائل فقال: ما تقولون لو وجدت النمل ناشرًا حبه هل يجوز أن آخره؟ في الحقيقة لها قوت آخر، ولكن التغذي على قوت الغير مشكلة.

يقول: "مستلقية على ظهرها"، كيف؟ قال:"رافعة قوائمها إلى السماء"؛ لأنها تعلم أن الله في السماء، تقول:"اللهم إنا خلق من خلقك" هذا اعتراف منها بربوبية الله عز وجل، وأنها مخلوقة، وأنها فرد من هذا الخلق العظيم، "ليس بنا غنًى عن سقياك" وهذا اعتراف بافتقارها إلى الله عز وجل، وأنها تحتاج إلى السقيا لأجل أن تنبت الأرض، فإذا نبتت أخذت من أشجارها وحبوبها.

فقال سليمان عليه السلام: "ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم"، يقول لأصحابه الذين معه، ما المراد بالغير؟ دعوة هذه النملة، والباء هنا للسببية، أي: سقيتم بسبب دعوة غيركم.

فيستفاد من هذا الحديث عدة فوائد:

أولًا: ثبوت رسالة الرسول- عليه الصلاة والسلام، وجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقرأ ولا يكتب حتى يمكن أن يقول: أنه تلقى ذلك من بني إسرائيل، ومثل هذا لا يصل إليه الخبر إلا عن طريق الوحي.

ومنها: أن الدعاء لطلب السقيا كان معروفا في الشرائع السابقة؛ لقوله: "خرج يستسقي"، ولكن لا يلزم أن يكون على صفة الصلاة في شريعة النبي صلى الله عليه وسلم، المهم: أنهم يذهبون إلى خارج البلد يستسقون.

ومنها: أن البهائم تعرف خالقها؛ لأن هذه النملة كانت مستلقية رافعة قوائمها إلى السماء.

ص: 462

ومنها: إثبات علو الله بذاته، من أين يؤخذ؟ من كونها رافعة قوائمها إلى السماء، فالحشرات تقر بأن الله في السماء، وبعض بني آدم ينكرون أن الله في السماء نسأل الله العافية، والذين أنكروا علو الله انقسموا إلى قسمين، قسم قالوا: إن الله- سبحانه وتعالى في ذاته في كل مكان من الأرض بر، وبحر، جو، أماكن معظمة، أماكن ممتهنة، أماكن نظيفة، أماكن قذرة، فالله عز وجل بذاته في هذه الأماكن، وهذا لا شك أنه قول باطل كما سبق لنا بيانه، وحتى العقل لا يقبله، لأنه يلزم منه إما التعدد أو التجزؤ، إما أن يكون الله متعددًا يكون في كل مكان أو متجزئًا في كل مكان، وهذا لا شك أنه باطل ولا يمكن أن يقبله عقل.

والطائفة الثانية التي ضلت في العلو قالت: إنه لا يجوز أن نقول: إن الله تعالى في العلو، بل يجب أن نعتقد بأن الله تعالى ليس فوق العالم ولا تحت العالم، ولا في العالم، ولا يمينًا ولا شمالًا، ولا متصلًا بالعالم، ولا منفصلًا عن العالم، كيف؟ لا يمكن هذا إلا أن يكون معدومًا؛ ولهذا قال بعض العلماء: لو قيل لنا: صفوا الله بالعدم ما وجدنا أدق من هذا الوصف؛ لأننا إذا قلنا: هذه الأوصاف السلبية في الله وأن هذا هو الواجب علينا نحو ربنا، فمعنى ذلك: أنه يجب أن نقول: لا رب.

وأما أهل السنة والجماعة الذين مشوا على طريقة السلف وعلى ما يقتضيه النص والعقل والفطرة فأجمعوا على أن الله تعالى بذاته فوق كل شيء، وأنه عز وجل لا يحصره مكان، فما فوق العالم عدم، والله- سبحانه وتعالى في ذلك فوق، وحينئذ لا يكون في اعتقادنا هذا أي تنقص لله عز وجل، وقد سبق لنا أن شبهة القائلين بأنه ليس داخل العالم ولا خارج العالم، ولا متصلًا به ولا منفصلًا عنه ولا فوق ولا تحت

إلخ. أن شبهتهم أنهم يقولون إذا قلنا: أن الله تعالى بذاته في السماء لزم أن يكون منحصرًا بشيء، ولكن هذا باطل؛ إذ لا يلزم أن يكون منحصرًا في شيء؛ لأنه ليس فوقه شيء، فكيف يكون منحصرًا هو فوق كل شيء- سبحانه وتعالى ولا شيء يحصره، وهذه الشبهة التي شبهها أو التي ألقاها الشيطان في قلوبهم شبهة لا حقيقة لها، أما الذين قالوا: إن الله بذاته في كل مكان فإنهم استدلوا بآيات المعية مثل قوله تعالى: {وهو معكم أين ما كنتم} [الحديد: 4].

وقوله تعالى: {ما يكون من نجوى ثلاثةٍ إلا هو رابعهم ولا خمسةٍ إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم} [المجادلة: 7]. فظنوا أن المعية تستلزم الحلول والاختلاط، ولكنهم ضلوا في ذلك المعية لا تستلزم هذا الحلول الذي زعموه أبدًا، فإن القرآن نزل باللغة العربية، واللغة العربية لا تمنع أن يكون الشيء فوقك وبعيدًا عنك وعاليًا عنك وتقول: إنه معي، ففي اللغة العربية يقولون: إن القمر معنا وهو في السماء، والنجم الفلاني معنا وهو في السماء، ويقول القائد للجند مثلًا: اذهبوا إلى المعركة وأنا معكم، وهو في مكانه في غرفة القيادة، وهكذا المعية في اللغة العربية لا تستلزم الحلول والمخالفة والمجامعة أبدًا لكنها قد تقتضي ذلك؛ ولهذا فهي تستعمل

ص: 463

على حسب ما تضاف إليه. فإذا قلت: سقاني لبنًا معه ماء، فالمعية هنا تقتضي الاختلاط والمزج، كما قال الشاعر لا أدري أيمدح من أضافوه أو يذمهم [الزجر]:

حتى إذ جن الظلام واختلط

جاءوا بمذقٍ هل رأيت الذئب قط

إذن هذه المعية في البيت تقتضي الاختلاط، وإذا قلت مثلًا:"حضرت إلى الدرس ومعي كتابي" فهذا مصاحبة في المكان، وإذا قلت:"فلانة مع فلان" هذه قد تقتضي أن تكون معه في المكان، وقد تكون في البيت وهو في السوق لكنها زوجته، فتبين أن المعية يختلف معناها ومقتضياتها ومستلزماتها بحسب ما تضاف إليه ومن هنا نقول: أنتم أيها الحلولية أخطأتم في قولكم إن المعية تستلزم المشاركة في المكان؛ لأنا لو تأملنا الأمثلة لوجدنا عكس ذلك.

إذن فما هو الذي يجب على المؤمن اعتقاده بالنسبة لعلو الله عز وجل؟ الواجب: أن يعتقد بأن الله تعالى عال في ذاته كما هو عال في صفاته؛ ولهذا نقول: إن العلو ينقسم إلى قسمين: علو الذات، وعلو الصفات، وكله ثابت لله عز وجل.

من فوائد الحديث: أن الحشرات تتكلم: {وإن من شيءٍ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم} [الإسراء: 44]. إلا أن الله تعالى قد يفهمه من يشاء من عباده، سليمان يقول:{علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيءٍ} [النمل: 16]. قال العلماء: إن السر في تخصيص منطق الطير دون غيره، لأن الطير من أصعب ما يكون فهم لغته، ولهذا فهم ما تقول النملة، فعلى هذا نقول: إن جميع المخلوقات تتكلم وتنطق وتسبح الله عز وجل، وما كان محتاجًا منها إلى إمداد فإنه يسأل الله عز وجل.

ومن فوائد الحديث: أن البهائم تعرف حاجتها إلى ربها لقوله: "ليس بنا غنى عن سقياك".

ومن فوائد الحديث: أن الإنسان قد يجاب مطلوبه بدعوة غيره لقوله: "ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم".

ومن فوائد الحديث: ما استنبطه بعض أهل العلم من أنه ينبغي أن يخرج الأطفال ومن لا ذنب له إلى صلاة الاستسقاء؛ لأنهم أقرب إلى إجابة الدعاء، وجهه: أن النملة غير مكلفة ولهذا قال: "ارجعوا

الخ".

ومنها: أن بعض أهل العلم قال: ينبغي ألا تخرج البهائم إلى المصلى؛ يعني: إذا كانت البهائم قد أحست بالقحط والجوع، وجهه: أن النملة لم يخرجوا بها إنما هي في بيتها، والبهائم التي في الجوع قد تستسقي وهي في ربطها.

ومن فوائد الحديث: إثبات الخلق لله لقولها: "إنا خلق من خلقك".

ومنها: التوسل بذكر حاجة الداعي لقولها: "إنا خلق من خلقك ليس بنا غنًى عن سقياك".

ص: 464

ومنها: إثبات الأسباب لقوله: "ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم" الباء للسببية، وإلا معلوم أن السقيا من الله عز وجل لكن الدعاء سبب.

ومنها: الآية التي جعلها الله عز وجل لسليمان حيث كان يعرف منطق النمل، وقصته في سورة النمل معروفة:{حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون (18) فتبسم ضاحكًا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحًا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين (19)} [النمل: 18 - 19]. وهذا دليل على أنه فهم ما قالت.

ومنها: أن هذه المخلوقات الضعيفة قد تنطق بكلام فصيح لقولها: "إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن سقياك" كلام عظيم تضمن الإيجاد والإمداد، ولا شك في أن هذا الكلام فصيح، وكلام النملة أيضا في القرآن بليغ جدًا؛ لأنه تضمن عدة أمور:{يا أيها النمل ادخلوا مسكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون (18)} [النمل: 18]. ففيه تنبيه وإرشاد وتحذير وتعليل، تنبيه:{يا أيها النمل} إرشاد: {ادخلوا مساكنكم} ، تحذير:{لا يحطمنكم سليمان وجنوده} ، تعليل:{وهم لا يشعرون} .

فائدة إثبات علو الله وأدلته:

ومن فوائد الحديث: إثبات علو الله، وذكرنا قبل ذلك أدلة علو الله وهي خمسة أنواع وليست خمسة أفراد، الدليل الأول: كتاب الله عز وجل، كتاب الله دل على علو الله من عدة أوجه؛ فمنها: التصريح بذكر العلو مثل قوله تعالى: {وهو العلي العظيم (255)} [البقرة: 255]. {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1]. {وهو العلي الكبير} [سبأ: 23]. وأشباه ذلك.

ومنها: التصريح بذكر الفوقية: {وهو القاهر فوق عباده} [الأنعام: 18]. {يخافون ربهم من فوقهم} [النحل: 50]. ومنها: التصريح بعروج الأشياء وصعودها إليها مثل قوله: {تعرج الملائكة والروح إليه} [المعراج: 4]. ومثل قوله: {إليه يصعد الكلم الطيب} [فاطر: 10].

ومنها: التصريح بنزول الأشياء منه، كقوله:{يدبر الأمر من السماء إلى الأرض} [السجدة: 5]. {تنزيل الكتاب من الله} . هذه أنواع من جنس واحد وهو القرآن.

السنة كذلك وهو النوع الثاني من أدلة العلو بجميع صفاته والسنة- كما تعرفون- قول الرسول- عليه الصلاة والسلام وفعله، وإقراره، وقد اجتمع في العلو قوله وفعله وإقراره.

قوله: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء". وقال صلى الله عليه وسلم: "ربنا الله الذي في السماء".

ص: 465

قال النبي- عليه الصلاة والسلام: "العرش فوق الماء والله فوق العرش". وقال: "إن الله كتب كتابًا عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي". إلى غير ذلك من الأقوال الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ف ثبوت علو الله بذاته.

وأما السنة الفعلية فإنه قام مقام الخطبة في أعظم مشهد شهده وهو يوم عرفة حين خطب الناس ووعظهم وذكرهم، ثم قال لهم:"ألا هل بلغت؟ " قالوا: نعم، قال:"اللهم اشهد- يرفع أصبعه إلى السماء وينكتها إلى الناس-، اللهم اشهد". يعني عليهم، بأنهم أقروا بأني بلغت، ورفعه إلى السماء إشارة إلى أي شيء؟ إلى علو الله عز وجل ثم أعادها مرة أخرى ومرة ثالثة كل هذا تأكيد لعلو الله عز وجل، وكذلك كان صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في الدعاء بمشهد من الصحابة- رضي الله عنهم في خطبة الجمعة لما دخل الأعرابي قال:"ادع الله يغيثنا" رفع يديه، وقال:"اللهم أغثنا"، هذه سنة فعلية.

أما الوصف الثالث للسنة وهو الإقرار فإنه سأل جارية لمعاوية بن الحكم قال لها: "أين الله؟ " قالت: في السماء، قال:"أعتقها فإنها مؤمنة". ولو كان الله عز وجل ليس في علو لكان ينكر على هذه المرأة فتكون سنة إقرارية.

الثالث من أنواع أدلة العلو: الفطرة التي فطر عليها كل إنسان- بل كل مخلوق- على أن الله تعالى في السماء، من علم النملة أن الله في السماء؟ ما فطر الله عليه الخلق، وإلا فهي لم تدرس، لكن بفطرتها التي فطر الله الخلق عليها علمت أن الله تعالى في السماء، أيضًا الإنسان بفطرته لولا أن الشياطين تجتال بعض الخلق ما كان ينصرف قلبه إذا دعا الله إلا إلى السماء؛ ولهذا كان أبو المعالي الجويني- وهو من الأشاعرة- يقرر إنكار استواء الله على العرش، يقول: إن الله كان ولا مكان، أو وليس شيء غيره وهو الآن على ما كان عليه، فقال له أبو العلاء الهمداني: يا أستاذ، دعنا من ذكر العرش، لماذا؟ لأن دليل استواء الله على العرش ثابت بالسمع، يعني: لولا أن الله أخبرنا أنه استوى على العرش كنا لا نعلم، فأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا؟ ما قال عارف قط بالله وجد من نفسه ضرورة بطلب العلو، من أين أتت، هل تنكر هذه؟ لا تنكر، ولهذا أقر الجويني به واعترف، فجعل يضرب على رأسه ويصرخ ويقول: حيرني الهمداني ويكررها لأنه ما يقدر أحد أن ينكر هذه الفطرة، حتى العامي الذي في سوقه إذا قال: يا رب، أين يذهب؟ إلى السماء، هذا دليل فطري لا يمكن إنكاره أبدًا.

ص: 466

أما الدليل الرابع: فهو دليل العقل، أن الله تعالى بذاته فوق كل شيء، كيف ذلك؟ دليل العقل من ناحيتين: الناحية الأولى: أن نقول: هذا العلو صفة كمال أو صفة نقص؟ صفة كمال حتى السوقة إذا أراد أحدهم أن يقدح في أحد قال: يا سلفي، لأنه معروف عند كل أحد أن السفول نقص إذا كان العلو صفة كمال، والرب عز وجل قال عن نفسه:{وله المثل الأعلى} [الروم: 37]. قاعدة: كل مثل أعلى- يعني: كل وصف أعلى- فلمن؟ لله عز وجل؛ فوجب أن يكون العلو ثابتًا له.

أما الوجه الثاني: فنقول: لا يخلو أن يكون الرب عز وجل فوق الخلق أو تحت الخلق أو مساويًا للخق، ننظر الآن هذا سبر وتقسيم إما فوق الخلق أو تحتهم أو محايزًا لهم- يعني: موازيًا لهم- والأمران الأخيران ممتنعان؛ لأنه يمتنع كونه تحتهم، إذا كان الخلق فوق الخالق لم يستحق أن يكون خالقًا مدبرًا، لأنه تحت وهم عليه وفوقه مسيطرون، كيف يكون خالقًا إذا كان عن أيمانهم أو عن شمائلهم؟ لأن ذلك من لوازم أن يكون مساويًا لهم، وموازيًا لهم، والفرق بين الخالق والمخلوق أمر معلوم بضرورة العقل، ما الذي يبقى أنه فوق فيكون العقل مقررًا بفوقية الله عز وجل من الناحيتين.

النوع الخامس من الأدلة: هو إجماع الصحابة والتابعين وسلف الأمة وأئمتها، ليس فيهم أحد قال إن الله ليس في السماء، ولا فيهم أحد قال: إن الله ليس فوق، ولا تحت، ولا يمين، ولا شمال، ولا داخل العالم، ولا خارجه، ولا متصل بالعالم، ولا منفصل عنه، ونتحدى أي إنسان ينقل عن أي واحد من الصحابة والتابعين أو أئمة الأمة أنه قال هذا، لم يقل أحد بذلك، فيكون أدلة علو الله بذاته كم نوعًا؟ خمسة أنواع، وكل نوع متجزئ؛ إذن أي إنسان يقول: إن الله ليس في السماء، فإننا نقول: إن قولك باطل بالكتاب والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة؛ لأن ما خالف الثابت بدليل- هذه قاعدة- فهو باطل بنفس الدليل الذي ثبت به الخلاف، فإذا قلنا: العلو ثابت بخمسة أنواع من الأدلة فضده باطل بخمسة أنواع من الأدلة؛ لأن العكس بالعكس.

إذن الحمد لله أهل السنة والجماعة- نسأل الله أن يميتنا وإياكم على ما هم عليه- يقرون بهذا إقرارا عقليًا فطريًا سمعيًا نقليًا لا يشكون فيه، ولا عندهم معارض، ولا يمكن أن ينصرف عن هذا إلا من اجتالته الشياطين، والذي تجتاله الشياطين لا تستغرب أن يتصرف بما هو غريب، انظر في القرآن:{أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر} [الحج: 18]. كل هذه جمادات، {والدواب} حيوان لكن أعجمي، {وكثير من الناس} ليس كل الناس، {وكثير حق عليه العذاب} لا يسجد ولا يقر لله تعالى بما يجب له، فلا تستغرب أن يكون من بني آدم من ينكر علو الله عز وجل الثابت بهذه الأدلة العظيمة، وقد سبق لنا الجمع بين ثبوت العلو الذاتي وبين ما ورد في الكتاب والسنة مما ظاهره أن ذلك قد يتخلف مثل حديث النزول وآيات المعية، وبينا أن الجامع لذلك هو أن الله تعالى لا يقاس

ص: 467

بخلقه ولا يسلط عليه العقل الذي يسلط على ما يوصف به الخلق، فالله تعالى يمكن أن يوصف بهذا، ولا يمكن التعارض بما وصف الله به نفسه.

حكم رفع اليدين في الدعاء:

496 -

وعن أنسٍ رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء". أخرجه مسلم.

تقدم لنا أن مادة "استفعل" تدل على طلب الشيء، "استغفر": طلب المغفرة، "استسقى": طلب السقيا، ولكنها أحيانًا لا تدل على ذلك، أحيانًا تدل على الاختصاص بهذا المعنى مع المبالغة فيه مثل "استكبر"؛ لأن استكبر ليس معناها: طب الكبر، لكن المعنى: بلغ في الكبر غايته؛ لأنهم يقولون: إن زيادة المبني على زيادة المعنى، يعني: كلما زادت حروف الكلمة دل ذلك على زيادة في معناها، وهذه ليست قاعدة مطردة ولكنها غالبية، وإلا فإن كلمة "بقرة" و"بقر" أيهما أكثر معنى؟ "بقر"، وهي أقل حروفًا.

يقول: "استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء" اختلف شراح هذا الحديث في معنى كلمة: "أشار بظهر كفيه" هل المعنى: جعل ظهور كفيه إلى السماء، أو أن المعنى: رفع رفعًا بالغًا حتى كانت ظهور كفيه تشير إلى السماء؟ فيها قولان لأهل العلم، منهم من قال: إن المعنى أنه جعل ظهورهما إلى السماء، وبنى على ذلك قاعدة مبنية على حديث ضعيف، ورأوا أن الدعاء إذا كان بصرف ما يضر فهو بظهور الكفين، وإذا كان بطلب ما ينفع فهو بالبطون، كأن الإنسان في النافع يقول: هكذا بيديه

ليفرغ فيها الشيء، كالمستجدي، وأما الظهور فيقول: هكذا

كالذي يدفع، ولكننا نقول: هذه القاعدة ينقضها هذا الحديث؛ لأن الرسول إذا استسقى ماذا يطلب؟ يطلب غيثًا، يطلب شيئًا نافعًا تزول به المضرة؛ ولهذا فإن شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: إنه لا يشرع الدعاء برفع اليدين مقلوبًا في جميع الأحوال سواء كان ذلك في طلب محبوب أو في دفع مكروه، وأن معنى هذا الحديث: أنه للمبالغة في رفعهما؛ لأنه بالغ الرسول صلى الله عليه وسلم في الرفع حتى صار ظهورهما تشير إلى السماء، وقد ثبت أنه دعا حتى بدا بياض إبطيه، وهذا هو الأصح، وأنه ليس من المشروع أن يدعو الإنسان بظهر كفيه، بل إنما يدعو ببطون كفيه؛ لأنه يستجدي ويستطعم من الله عز وجل فهذا هو الصحيح.

وفي الحديث دليل على علو الله لقوله: "إلى السماء"، إشارة إلى علو المدعو- سبحانه وتعالى يبقى النظر، هل يشرع للإنسان رفع اليدين كلما دعا أو الأصل عدم مشروعية ذلك؟ إذا قلنا: إن الأصل عدم المشروعية فمعنى ذلك: أننا لا نرفع أيدينا في دعاء إلا إذا ورد به النص،

ص: 468

وإلا فلا نرفع، وإذا قلنا: إن الأصل المشروعية، فمعنى ذلك: أننا نرفع أيدينا إلى الله بكل دعاء، إلا ما ورد النص بعدمه، وأسألكم الآن: ماذا تتصرفون؟ نرفع إلا ما ورد النص بعدمه، وهذا هو الأقرب للدلالة الأثرية والنظرية.

أما الدلالة الأثرية: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل رفع اليدين من أسباب الدعاء، وذلك في الحديث الذي رواه مسلم في قوله صلى الله عليه وسلم:"إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر المرسلين" فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون} [البقرة: 172]. وقال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات} [المؤمنون: 51]. الأمر واحد {واعملوا صالحًا إني بما تعملون عليم} . ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: "الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك". لماذا ذكر الأوصاف الأربعة؟ لأنها من أسباب إجابة الدعاء؛ إذن فرفع اليدين من أسباب إجابة الدعاء.

ويؤيده أيضًا ما رواه أحمد في المسند: "إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفرًا". فهذا دليل على أن المشروع أن ترفع يديك.

أما من الناحية النظرية: فلأن الداعي يسأل ودعاء المسئول الذي يتلقى به المطلوب اليدان، ثم إن الإنسان يجد من نفسه إذا رفع يديه أن قلبه يرتفع أكثر مما لو دعا هكذا.

فالظاهر لي أن الأصل في الدعاء الرفع إلا ماورد النص بعدمه، فمثلًا الدعاء في الصلاة لا رفع فيه، لا دعاء الاستفتاح:"اللهم باعد بيني وبين خطاياي"، ولا دعاء الجلسة بين السجدتين، ولا دعاء الرفع من الركوع، ولا الدعاء في التشهد، كل هذا لم يرد، بل الذي يظهر عكسه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لو فعله لكان الصحابة ينقلونه؛ لأنه مما تتوفر الدواعي على نقله، ثم إننا نعلم أن وضع اليدين في حال القيام على الصدر، أو على الأقل نعلم أن الرسول يضع اليمنى على اليسرى وفي التشهد والجلوس بين السجدتين على الفخذين، إذن فهذا دليل على عدم الرفع.

بعد السلام يقول: أستغفر الله ثلاثًا فهل يرفع يديه؟ لا، ما الذي يدرينا؟ لم يرد ما دام قلنا: إن الأصل الرفع، ولكن عندنا قرينة قوية هنا تدل على أنه لم يرفع، ما هي؟ أن الصحابة يشاهدونه، وإذا كانوا ينقلون إشارة أصبعه في التشهد كيف لا ينقلون الرفع إذا سلم، فهذا دليل على أنه كان لا يرفع وهذا هو الصحيح.

إذا انتهينا من إجابة المؤذن هل نرفع أيدينا أو لا؟ نرفع، ولو قال أحد: لا نرفع نقول: ما الأصل، وإلا فارجعوا عن قولكم إن الأصل الرفع، وقولوا: الأصل عدم الرفع.

ص: 469