الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإنسان لو صلى بحضرة طعام فصلاته صحيحة، فكذلك "لا صلاة لمنفرد" يعني: لا صلاة كاملة لمنفرد، وهذا مردود لوجهين:
الوجه الأولك أن خلاف الأصل كما قلنا.
الوجه الثاني: أمره بالإعادة يجل على أنه نفي للصة وليس نفيًا للكمال.
قال: وزاد الطبراني: "ألا دخلت معهم". "ألا" أداة عرض، أما "هلا" و"لولا" فهما أداة تحضيض، والفرق بين العرض والتحضيض: أن العرض طلب برفق، والتحضيض، طلب بإزعاج وشدة، فالعرض يعرض عليك شئت أو لم تشأ، وأما التحضيض فإنه يحثك، قال:"ألا دخلت معهم" ويجوز اان يكون المراد بها هنا: الأداة أداة عض، ولكن المراد بها التحضيض؛ لأن أدوات المعاني ينوب بعضها عن بعض، "ألا دخلت معهم" أي: مع الناس، وهذا يقتضي أن يكون هناك شيء يمكن أن يدخل فيه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يقول:"ألا دخلت معهم" وليس فيه مكان، إذ إنَّ هذا أمر بما لا يمكن.
"أو اجتررت أحدًا" أي: ليجع معه، "اجتررته" يعني: جذبته إلى الصف الثاني ليتأخر، وهذه الزيادة ضعيفة، لكنه يستأنس بها في قوله:"ألا دخلت معهم" على أن الصف غير تام ..
ولهذا اختلف العلماء في هذه المسألة هل يجر أو لا يجر؟ فقال الشافي وجماعة: إنه يجره بناء على أن هذا الحديث صحيح، أما أصحاب الإمام أحمد فكرهوا ذلك، وقالوا: لا يجره، ولكن ينبهه بالقول، أما أن يجره أي: يجذبه فإن هذا مكروه، إنَّما تنبهه بالقول، والصحيح أنه لا يجذبه لا بالقول ولا بالفعل؛ وذلك لأن في جذبه -كما قررنا- مفاسد كثيرة:
الأولى: تأخيره من المكان الفاضل إلى المكان المفضول. والثانية: التشوي عليه.
والثالثة: فتح فرجة في الصف. والرابعة: حركة الصف بسبب هذه الفرجة، وما دام الأمر ليس في الشرع ما يدل على وجوبه فإن الأصل أن التصرف في الغير ممنوع إلا بدليل.
المشي إلى الصلاة بالسكينة والوقار:
400 -
وعن أبي هريرة ضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصَّلاة وعليكم السَّكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكو فأتمُّوا". متَّفقٌ عليه، واللَّفظ للبخاريِّ.
"إذا سمعتم الإقامة"، المراد بها إقامة الصلاة، وقوله:"فامشوا" هذا جواب الشرط، وأين الشرط؟ هو قوله:"إذا سمعتم"، وقوله:"فامشوا إلى الصلاة" يعني: امشوا المشي الذي قيّده في هذا الحديث، وهذا لا ينافي قوله تعالى: {يا أيُّها الَّذين ءامنوا إذا نودي للصَّلاة من يوم الجمعة
فاسّعوا إلى ذكّر الله} [الجمعة: 9]. حيث إن ظاهر الآية ينافى ظاهر الحديث، الآية أمرٌ بالسعي، والحديث أمر بالمشي، والمراد بالسعي في الآية: الإسراع والمبادرة، وليس المراد بذلك أنك تمشي مسرعًا.
وقوله: "فامشوا إلى الصلاى وعليكم السكينة""السكينة" مبتدأ، و"الوقار" معطوف عليه، والخبر قوله:"عليكم"، والجملة في موضع نصب على الحال من الواو في قوله:"امشوا".
هل يجوز أن نقول: "وعليكم السكينة والوقار" ونجعل "عليكم" اسم فعل أمر أو لا يجوز؟ ييجوز إذا لم تمنع منه الرواية؛ ولهذا قال العلماء: يجوز فيها النصب على أن "عليكم" اسم فعل أمر، ولكن الحديث بالرفع، والمعنى: أن السكينة تكون عليكم.
السكينة والوقار هل هما لفظتان مترادفتان أو لفظتان متغايرتان؟ تقدم لنا مرارًا أن الأصل في العطف المغايرة، وعلى هذا فهما لفظتان متغايتان، فما وجه التغاير بينهما؟ السكينة في الجوارح، والوقار في القلب، السكينة في الجوارح يعني: يتحرك حركات غير مناسبة، والوقار بالقلب والهيئة يكون وقورًا كأنَّما ذهب إلى محل حياء وخجل وشرف هكذا ينبغي.
وقوله: "علكم السكينة والوقار ولا تسرعوا""لا" نافية، ولهذا جزمت الفعل بحذف النون، والواو فاعل، " ولا تسرعوا في المشي" وليس لا تسرعوا في التجهيز للصلاة، بل "لا تسرعوا في المشي"؛ لأن الإسراع ينافي السكينة والوقار.
"فما أدركتم فصلوا""ما" هذه شرطية، وفعل الشرط "أدركتتم"، وجوابه:"فصلوا" أي: فما أدركتم من الصلاة مع الإمام فصلوا، "وما فاتكم فأتموا" ما فاتكم يعني: من صلاة الإمام، "فأتموا" أي: فأتوا بإتمامها.
ففي هذا الحديث: يأمر النبي عليه الصلاة والسلام أمته إذا سمعوا الإقامة للصلاة أن يذهبوا إليها بهذا الوصف بسكينة الجوارح، ووقار القلوب والهيئة، وألا يسرعوا؛ لأن ذلك ينافي الأدب، فأن إذا خرجت من بيتكفإنكك تخرج لتقف بين يدي الله عز وجل في بيت من بيوته، فينبغي أن تكون ملتزمًا بهذا الوصف الذي بيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم، وأنت حينما تخرج من بيتك متوضئًا ومتطهرًا فإنك لا تخطو خطوة إلا رفع الله لك بها درجة، وحطَّ عنك بها خطيئة، إذن فأنت في عبادة، وعليه فلا ينبغي لمن كان في عبادة أن يكون غير وقور ولا ساكن.
ويقول لنا رسول الله صلة الله عليه وسلم: "لا تسرعوا"، لأن الإسراع أو العجلة خفة في المرء، وعدم أدب ووقار، فلا ينبغي أن يكون كذلك.
ثم يرشدنا عليه الصلاة والسلام إلى الدخول مع الإمام على أي حال وجدناه: "فما أدركتم
فصلوا" ولا تنتظروا، تجده ساجدًا تقول: أنتظر حتى يقوم، لا، الذي تدرك صله، فإن كان الذي أدركت مما تدرك به الركعة مثل الركوع فقد أدركت، وإلا فلا.
"وما فاتكم فأتموه" هل "أتموه" أم أتموا الصلاة لتأتوا بالواجب؟ الثاني؛ لأن الذي فات فات، ولكن المعنى: أتموا الصلاة.
يستفاد من هذا الحديث فوائد كثيرة؛ منها: أن الإقامة تسمع من خارج المسجد لقوله: "إذا سمعتم الإقامة"، ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للمقيم أن يرفع صوته بها، لا يقول: إن العدد الحاضر قليل يكفيهم أدنى صوت ليس الأمر كذلك بل يرفع صوته ليسمع من خارج المسجد.
ويستفاد من هذا: أنه لا بأس أن ترفع الإقامة من مكبر الصوت؛ لأنه إذا رفعت من مكبر الصوت سمعه الناس وحضروا، كما أن النداء ليوم الجمعة الذي أنيط به الحكم بالحضورية يسمع من خارج المسجد، ويكون بمكبر الصوت.
يقول بعض الناس: إنه يحصل بذلك مفسدة، والمفسدة هي أن الناس يتأخرون في بيوتهم إلى الإقامة.
والجواب على ذلك: أنه لا يلزمهم الحضور إلا إذا سمعوا الإقامة لقوله: "إذا سمعتم الإقامة"، ما قال:"إذا أذن".
ولكن هل نقول: إنه إذا كان محله بعيدًا بحيث يكون حضوره أو وصوله إلى المسجد بمنزلة حضور من سعى عند سماع الإقامة، فهل يلزمه أن يتقدم كما قال العلماء رحمهم الله فيمن كان منزله بعيدًا يوم الجمعة: إنه يجب عليه أن يسعى إلى الجمعة، وإن لم يسمع المؤذن إذا كان مكانه بعيدًا بحيث يدرك الخطبة والصلاة؟
يحتمل هذا، ويحتمل أن يبقى الحديث على عمومه، ويقال: لا يجب السعي إلى الصلاة إلا بسماع الإقامة.
ويستفاد من هذا الحديث: مشروعية الإقامة لقوله: "إذا سمعتم الإقامة"، وما حكم الإقامة؟ تقدم لنا أنها فرض كفاية، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بها فقال:"فأذنوا وأقيموا".
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي المشي إلى لاصلاة بدون إسراع لقوله: "فامشوا ولا تسرعوا"؟
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان الذي يسعى إلى الصلاة أن يكون عليه السكينة والوقار.
ومن فوائده: تعظيم شأن الصلاة، من أين تؤخذ؟ حيث أمر الماشي إليها أن يكون على هذه الهيئةمن السكينة والوقار، وهذا دليل على تعظيم شأنها.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان يدخل مع الإمام حيثما وجده لقوله: "فما أدركتم فصلوا".