الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومنها: اعترافنا بأن جميع الخلق عبيد لله عز وجل لقوله: ((وكلنا لك عبد))، وهذا اعتراف بذل العبد للرب عز وجل، ولازم هذا الإقرار أن يكون الإنسان مطيعًا لله عز وجل بامتثال أمره واجتناب نهيه، وإن لم يكن كذلك فليس عبدًا، لأن حقيقة العبودية التذلل للمعبود.
ومنها: تفويض الأمور إلى الله عز وجل، وأنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، ويتفرع على هذه الفائدة: أنك لا تعلق قلبك بغير الله؛ لأن الخلق لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، فلا تعلق قلبك يا أخي إلا بربك عز وجل لأن الخلق لا ينفعونك ولا يضرونك.
ومنها: تمام قدرة الله عز وجل أنه لا أحد يمنع ما أراد الله إعطاءه، ولا يعطي ما أراد الله منعه، وهذا دليل على كمال القدرة؛ لأن العاجز لا يمكن أن يمنع غيره ولا أن يعطي، وقدرة الله- تبارك وتعالى عامة شاملة لكل شيء، فكلما شاء الله شيئا فهو قادر عليه، بل هو قادر على ما لم يشأ، لكنه إذا اقتضت الحكمة أن يشاءه شاءه.
ومنها: أن أهل الحظ والغنى والكمال والسلطان والقصور والمراكب لا تنفعهم هذه من الله عز وجل، حتى لو كانت السيارات مصفحة ضد الرصاص فى راد لقضاء الله، لأن الله تعالى قد يقدر على هذا الذي تحصن بهذه الحصون أسباب هلاكه بأشياء ما تخطر له على بال فلا ينفع ذا الجد من الله عز وجل جده وحظه، بل الله عز وجل قادر عليه ولو كان في جحر ضب.
أسئلة:
- اشرح قوله: ((اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت))؟
- ما معنى قوله: ((لا ينفع ذا الجد منك الجد))؟
هيئة السجود وأحكامه:
286 -
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة وأشار بيده إلى أنفه، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين)) 1. متفق عليه.
أولًا: يجب أن نعلم أن ابن عباس رضي الله عنهم من المكثرين من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه كان صغيرًا، فهل مثل هؤلاء نحمل كل ما ورد عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم على أنه علم الاتصال؟ الجواب: لا؛ لأن هناك أشياء رووها كانت قبل أن يولدوا فلا نحملها على الاتصال كلها، ولكن من توفيق الله عز وجل أن العلماء قالوا: إن مرسل الصحابي حجة؛ يعني: كأنه متصل، فمثلًا إذا روى ابن عباس حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان وقوعه قبل أن يولد ابن عباس فإننا نحمله على الاتصال، لا نقول: إن هذا مرسل، بل نحمله على الاتصال؛ لأن الصحابي لا يمكن أن يروي
عن أحد إلا وقد تأكد أنه- أي: السند- قد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا قال العلماء: مرسل الصحابي يحمل على الاتصال، فإذا رأينا أحاديث كثيرة عن ابن عباس أو أحاديث كثيرة عن أبي هريرة- مع أنه قد تأخر إسلامه- فإننا نقول: هذه الأحاديث على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما علمنا أنه أدركه؛ فهنا لا إشكال.
الثاني: ما علمنا أنه لم يدركه، فهذا وإن كنا نعلم أنه لم يأخذه من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة إلا أننا نعلم أنه لن يأخذه إلا عن صحابي يثق به.
الثالث: ما جهلنا على الاتصال.
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أمرت)) الأمر هنا معلوم ولذلك لم يسم؛ لأنه معلوم، وهذا كقوله تعالى:{يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} [النساء: 28]. الخالق معلوم- وهو الله عز وجل، هنا الآمر معروف وهو الله عز وجل؛ إذ لا أحد يستطيع أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بشرع إلا الله- تبارك وتعالى فهنا حذف الفاعل للعلم بالآمر، وفي رواية في البخاري:((أمرنا أن نسجد))، فإما أن يكون الراوي نقلها بالمعنى، وإما أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم حدث بهذا الحديث في موضعين؛ لأنه لا يمكن أن يقول:((أمرت أن أسجد)) و ((أمرنا أن نسجد)) في مكان واحد، فإما أن يكون الراوي رواه بالمعنى؛ لأن ما أمر به الرسول فهو أمر لأمته، رواه بالمعنى، وإما أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم تحدث به في موضعين.
((أمرنا أن نسجد على سبعة أعظم))، وفي لفظ:((أعضاء))، والمعنى واحد، ((على الجبهة وأشار بيده إلى أنفه)) إشارة إلى أنه بعض منها، فله استقلال وله اتصال، يعني: له استقلال عن الجبهة، وله اتصال بالجبهة، الذي جعله مستقلا الفاصل بين رأس الأنف وأصل الأنف، فإن هذا الفاصل يفصل بينه وبين الجبهة، وأما الاتصال فمن المعلوم أن عظم الأنف متصل بعظم الجبهة؛ ولهذا لم يجعله النبي صلى الله عليه وسلم مستقلا ولا منفصلا.
((وأشار بيده إلى أنفه، واليدين)) والمراد باليدين: الكفان، وهذه قاعدة يجب عليك- أيها الطالب- أن تعرفها: إذا أطلقت اليد فهي الكف، وإن قيدت فبما قيدت به، فقوله- تبارك وتعالى:{والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما} [المائدة: 38]. المراد الكفان؛ لأنها مطلقة وقوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} [المائدة: 6]. قيدت بالمرفق، وعلى هذا فيكون قوله تعالى في التيمم:{فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} يكون المراد باليدين: الكفان فقط ولا يدخل الذراع؛ لأن اليد إذا أطلقت يراد بها الكف.
((واليدين والركبتين)) الركبتان معروفتان وهما: مفصل ما بين الساق والفخذ، ((وأطراف القدمين)) هي الأصابع.
في هذا الحديث فوائد منها: وجوب السجود على هذه الأعضاء السبعة؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب، ولأنه لا يتحقق كمال السجود إلا بذلك.
ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم عبد يتوجه إليه الأمر، أمره سيده- سبحانه وتعالى أن يسجد على سبعة أعظم وحينئذ تنتزع خصائص الربوبية من حق الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هو الذي انتزعها صلى الله عليه وسلم خصائص الربوبية لا تكون إ لا لله عز وجل، مهما بلغ العبد من الكمال فإنه لن يستحق شيئا من خصائص الربوبية.
ومنها: أن هذه الأعضاء تسمى أعظما؛ لأنها عظام: اليد، الجبهة، الركبتان، أطراف القدمين.
ومنها: أنه لا تجزئ الجبهة عن الأنف ولا الأنف عن الجبهة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الجبهة أشار إلى الأنف، فلو وضع إنسان أنفه على الأرض دون الجبهة لم يتم السجود، ولو كان العكس وضع الجبهة دون الأنف لم يتم السجود، وعلى هذا يلفت نظر أولئك الذين يلبسون العقال ويكبونه بحيث يكون العقال يحول بين جباهم أن تصل إلى الأرض؛ لأن بعض الناس يكب العقال؛ يعني: ينزله على الجبهة فترتفع الجبهة.
وهل إذا كان على جبهة الإنسان شيء-كالعقال- لمرض أو نحوه هل يجزئه السجود عليه؟
الجواب: نعم، كما يجزئ السجود في الخفين مع أن أطراف الأصابع لا تمس الأرض.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب السجود على الركبتين جميعا، فلو رفع إحداهما لم يتم السجود، وفيه أيضًل وجوب السجود على أطراف القدمين وهي الأصابع، وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن تكون الأصابع موجهة إلى القبلة أو أن نسجد على ظهور الأصابع، فإنه يدخل في قوله:((أطراف القدمين)).
وهنا مباحث مهمة:
المبحث الأول: لو أن الإنسان عجز عن السجود على الجبهة والأنف لجراح فيهما فهل يسجد على بقية الأعضاء أو لا يسجد؟ ننظر إلى قوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16]. فإذا طبقنا هذه الآية على هذه المسألة قلنا: يجب السجود على بقية الأعضاء، وعليه فيجب أن يقرب من الأرض ما يمكن، ويضع يديه وركبتيه وأطراف قدميه على الأرض، ودليل هذا قوله تعالى:{فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16]. وقال عز وجل {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286]. وهذا وسعها، وقال تعالى:{والذين أمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها} [الأعراف: 42].
وقال بعض أهل العلم: إنه عجز عن السجود بالجبهة سقط السجود على بقية الأعضاء لكن هذا القول ضعيف تضعفه الآية {فاتقوا الله ما استطعتم} ، نعم، لو فرض أن الإنسان في ظهره مانع يمنع من الانحناء، فهنا نقول: يسقط عنه بقية الأعضاء؛ يعني: لا نقول للرجل الذي لا
يستطيع أن ينحني: ضع يديك على الأرض؛ لأن هذا ليس بساجد، أما إذا كان يستطيع أن ينهصر حتى يقرب من الأرض؛ فهذا يجب عليه أن يسجد على ما يستطيع من الأعضاء.
هناك مبحث آخر: هل يجزئ بعض العضو عن كله، بمعنى: أن يضع الإنسان أطراف الأصابع إذا سجد، أو لابد يبسط راحته؟
فالجواب: هل يقال: إن سجد على يديه؟ نعم هو سجد، لكن ليس على وجه الكمال، فلو وضع أصابعه الخمسة على الأرض مع رفع الراحة أجزأ، لكن الكمال أن يضع الراحة.
مبحث آخر: لو سجد على إحدى يديه ورفع الأخرى هل يجزئ؟ لا يجزئ إلا لعذر، كما لو كانت الأخرى مشلولة أو مكسورة معلقة في عنقه أو ما شبه ذلك، فهنا نقول تجزئ الواحدة لقوله تعالى:{فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16].
لو أنه سجد ووضع أحد الكفين على الآخر يجزئ أو لا يجزئ؟ الجواب: لا يجزئ لأن هذا لا يصدق عليه أنه سجد على سبعة أعضاء؛ إذ إنه جعل العضو فوق العضو فلا يجزئ.
مبحث آخر: لو أنه أصيب بحكة في إحدى رجليه، ثم رفع الأخرى وحك بها التي أصابتها الحكة ثم عاد عن قرب هل يصح سجوده أو لا يصح؟ الظاهر لي أنه يصح؛ لأن هذه حاجة، ولأن الزمن يسير.
مبحث آخر: بعض الناس إذا سجد وضع رجله على الرجل الأخرى هل يجزئ أو ل؟ لا يجزئ كما قلنا في اليد.
يلتحق بهذه المباحث: إذا حال بينه وبين موضع سجوده حائل فهل يصح سجوده أو لا يصح؟ ذكرنا الآن أنه إذا كان الحائل أحد الأعضاء فإنه لا يصح، وإذا كان غير أحد الأعضاء فإن كان متصلا به- أي: بالساجد- كالمشلح والغترة والثوب فلا بأس به لحاجة، ولغير حاجة يكون مكروهًا، دليل هذا قول أنس رضي الله عنه:((كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه))، فدل هذا على أنهم لا يستعملون بسط الثوب إلا لحاجة.
وعليه نقول: يجب أن يكون الحائل منفصلا؛ لأنه كما سبق أن قلنا: إن كان الحائل أحد الأعضاء فإنه لا يصح، وإن كان غير أحد الأعضاء فإن كان متصلا به- أي: كالمشلح والثوب والغترة، فإن كان لحاجة فلا بأس به، وإن كان لغير حاجة فهو مكروه، وأما الحائل المنفصل فإن كان خاصا بالجبهة والأنف أو بالجبهة وحدها فمكروه؛ لأنه يشبه فعل الرافضة، الرافضة لا يسجدون على شيء إلا على تربة، والتربة عبارة عن حجر من فخار يقال: إنه
مصنوع من قبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه أو قبر الحسين، المهم أن هذا مكروه إذا كان لا يتسع إلا للجبهة فقط، أما إذا كان يتسع للجبهة والأنف والكفين فهذا لا بأس به، كلامنا الآن في المنفصل، الدليل على أنه لا بأس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسجد على الخمره وهي بقدر ما يخمر به الرأس؛ يعني: مثلا إذا كانت تسع اليدين والجبهة والأنف فإن ذلك لا بأس به؛ لآنه منفصل، والمنفصل ليس فيه محظور إلا خوف مشابهة الرافضة في فعلهم.
ذكرني حديث أنس: ((إذا لم يستطع أحدنا أن يمكن الجبهة من الأرض)) بفائدة مهمة وهي: أنه لابد في السجود من الاستقرار، فلابد أن يستقر الإنسان، فلو سجد على قطن ومست جبهته وأنفه هذا القطن لكن لم يكبسه، فإن السجود لا يصح؛ لأنه لابد أن يمكن، وبهذا نعرف أن الأولى في المساجد ألا يجعل تحت الفراش إسفنج؛ لأنه ربما يكون بعض المصلين يكتفي بمس الجبهة الفراش فلا يكبسه، ثم إن كوننا نصل إلى هذا النوع من الترف أمر لا يستسيغه الإنسان؛ فهو يعني: أننا نجعل المساجد المخصوصة بالعبادات كفرش النوم، هذا شيء تشمئزه النفس، لكن بعض الناس ابتلى بهذا، نسأل الله أن يهديهم.
هل يصح السجود على الأرجوحة- شيء يتأرجح مثل: الميزان- فلو فرضنا أن هناك خشبة كبيرة يمكن السجود عليها لكنها بأرجوحة؛ فإن ذلك لا يجزئ؛ لماذا؟ لعدم الاستقرار؛ لأن هذا الرجل لو يميل قليلًا لرجحت به الكفة، ولو تقدم قليلًا لرجحت الأخرى؛ ولهذا قال العلماء: لا يصح سجوده لوجوب الاستقرار في السجود وهذا غير مستقر.
هل يصح السجود في الطائرة؟ نعم يصح؛ لأنها مستقرة، فالإنسان يسجد بكل طمأنينة، وكان قد وقع في هذا خلاف أول ما ظهرت الطائرات، ولكن- الحمد لله- الظاهر: أنه انعقد الإجماع على صحة الصلاة فيها.
هذا ما يتعلق بحديث ابن عباس، وقد ذكرنا في أثناء الشرح أن السجود على أطراف القدمين يشمل السجود على بطون الأصابع وعلى ظهورها، ولكن الأفضل أن يكون السجود على بطون الأصابع لتكون الأصابع مستقبلة القبلة، بحيث يمكن مشاهدة القدمين منصوبتين، لكن اليوم نرى كثيرًا من الناس لا يمكن أن يسجد على جميع الأصابع، يسجد على الإبهام وما حوله إما أصبع أو أصبعان، فهل يجزئ هذا أو لا يجزئ؟ الجواب: يجزئ؛ لأننا ذكرنا أن بعض العضو يجزئ، لكن الكمال أكمل.
أسئلة:
- إذا تعذر السجود على الجبهة هل يسقط السجود عنه؟
- إذا كان لا يستطيع أن ينحني إطلاقًا ماذا يفعل؟
287 -
وعن ابن بحينة رضي الله عنه ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى وسجد فرج بين يديه، حتى يبدو بياض إبطيه)). متفق عليه.
((كان إذا صلى)) يقول العلماء- رحمهم الله: إن ((كان)) إذا صار خبرها فعلا مضارعا فإنما تدل على الدوام، ولكن غالبا لا دائما، والدليل على أنها ليست دائمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم روى عنه أصحابه أنه كان يقرأ في صلاة الجمعة بـ ((سبح)) و ((الغاشية))، ونقلوا عنه أنه كان يقرأ الجمعة بـ ((الجمعة)) و ((المنافقون))، فلو قلنا: إن ((كان)) تدل على الاستمرار والدوام لكان في هذا تناقض، ولكنها تدل على الدوام والاستمرار غالًا، فقوله عز وجل:{وكان الله على كل شيء مقتدرا} [الكهف: 45]. تدل على الدوام والاستمرار، فالإطلاق بأن ((كان)) تفيد الدوام والاستمرار غير صحيح.
((كان إذا صلى وسجد فرج بين يديه)) الكفين، أم الذراعين والعضدين؟ الثاني هو المقصود؛ لأنه هو الذي به بياض الإبط وبياض الإبط داخله؛ لأن داخل الإبط أبيض من بقية البدن؛ حيث إن بقية البدن يتعرض للشمس والهواء فيسود، بخلاف المناطق الداخلية فإنها تبقى بيضاء.
في هذا الحديث فوائد منها: أنه ينبغي للساجد أن يفرج بين يديه إذا سجد حتى يبدو بياض إبطيه، وإذا كان الإنسان ليس عليه رداء إنما عليه قميص فماذا يصنع؟ نقول: يفرج بحيث لو لم يكن عليه إلا رداء لبان بياض إبطيه، وإلا من المعلوم أن القميص لا يمكن أن يبين بياض الإبط، ويستثنى من هذا- أي: من التفريج- ما إذا كان في جماعة، فإنه لو كان في جماعة وفرج لآذى من بجانبه وأشغله عن صلاته فلا يفرج، إذن تكون هذه المسألة في الإمام والمنفرد، أما من كان مع الجماعة فلا يفرج؛ لأن ترك السنة لدفع الأذى أولى من فعل السنة مع الأذى؛ لأن الأذية تتعدى للغير؛ ولهذا لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وهم يقرءون في الليل ويجهرون نهاهم وقال:((لا يؤذين بعضكم بعضا في القراءة)).
ومن فوائد هذا الحديث: أن بشرة النبي صلى الله عليه وسلم كانت بيضاء وهو كذلك فإنه أزهر اللون صلوات الله وسلامه عليه.
288 -
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مرفقيك)). رواه مسام.
فبين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا كيف يكون وضع اليدين فقال: ((إذا سجدت فضع كفيك)) يعني: على الأرض، ((وارفع مرفقيك)) يعني: عن الأرض، وليس فيه التفريج، لكن أضف هذا إلى
حديث التفريج يكون ارتفاعا مع التفريج، فصار الساجد يضع الكفين ويرفع المرفقين ويفرج بين اليدين والجنبين هذا هو الأصل. ولكن لو أنه لم يفعل هل يكفي أو لا يكفي؟ يكفي؛ لأن هذا من باب الأفضلية.
وقوله: ((ضع كفيك)) لم يبين كيف يكون الوضع؟ هل يضع الكفين مفرجة بين الأصابع أو مضمومة الأصابع؟ الجواب: يضعها مضمومة الأصابع، وهل يضعها مستقبلة القبلة أو منحرفة يمينًا أو شمالًا، نقول: يضعها مستقبلة القبلة حتى مع المجافاة الأفضل أن تبقى متجهة إلى القبلة، خلافا لما يفعله بعض الناس إذا جافى جعل الأصابع مستقبلة محرفة عن القبلة وهذا غلط، بل تبقى اليدان متجهة إلى القبلة مضموم، وأين يكون مكانها هل هي على حذاء المنكبين، أو على حذاء الأذنين، أو على حذاء الجبهة؟ الجواب: كل هذا وارد إن شئت فقدم حتى تسجد بين الكفين، وإن شئت فأخر حتى تسجد إلى شحمة الأذنين، وإن شئت تأخرت تحاذي المنكبين، الأمر واسع.
وتعلمون أن الصلاة ليست صلاة واحدة صلاها النبي صلى الله عليه وسلم فيكون في هذا تناقض، الصلوات لا يحصيها إلا الله، فمرة يفعل كذا، ومرة يفعل كذا، فهل الأفضل أن يقتصر على نوع واحد، أو يأتي بالأنواع كلها؟ الجواب: الثاني؛ لأن عندنا قاعدة العبادات الواردة على وجوه متنوعة فالأفضل أن يفعلها على جميع الوارد هذا تارة وهذا تارة، وذلك للوجوه التالية:
أولًا: أن بذلك تتحقق الأسوة بالرسول- عليه الصلاة والسلام لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل هذا مرة وهذا مرة.
الثاني: فيه حفظ السنة الأخرى، لأنك لو اقتصرت على واحد من الوجوه نسيت الوجوه الأخرى.
ثالثًا: أن فيه دفعًا للسآمة والملل.
رابعًا: أن فيه انتباها؛ لأن الإنسان إذا صار على وتيرة واحدة صار كأنه ماكينة تشغيل أوتوماتيكية، وإذا كان ينتقل صار ينتبه اليوم على هذا الوجه، والثاني على هذا الوجه، ولذلك إذا اقتصر الإنسان على استفتاح واحد تجده إذا كبر تكبيرة الإحرام شرع في أدعية الاستفتاح بدون شعور، لكن لو كان يستفتح بهذا مرة وهذا مرة صار ذلك أشد انتباها، أهم شيء في هذه الوجوه هو تمام التأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم.
من فوائد هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم بين لأمته كل شيء تحتاجه حتى في كيفية السجود كيف تسجد؛ لأن هذا من تمام إبلاغ الرسالة صلوات الله وسلامه عليه، ولا أحد أشد من النبي صلى الله عليه وسلم في إبلاغ الرسالة.