الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ووصل إلى السلطان وهو في تلك المنزلة قاضى جبلة منصور بن نبيل، وجماعة معه، فأشار على السلطان بقصد جبلة، وتكفل له بفتحها، وفتح اللاذقية، وتلك الحصون الشمالية والمعاقل، وكانت تلك البلاد قد سلمها إليه ابرنس أنطاكية، وعوّل عليه فيها، وقال للسلطان:
" إن الاشتغال بطرابلس مع حصانتها ومنعتها يذهب الزمان، والمسلمون بجبلة راغبون في التسليم، منتظرون للسلطان أن يخلصهم من الفرنج ".
فأصغى إلى قوله.
ذكر فتح أنطرطوس
ثم سار السلطان من منزلته تلك ذلك اليوم - يوم الجمعة رابع جمادى الأولى - على تعبية لقاء العدو؛ ورتّب الأطلاب، وسارت الميمنة ومقدمها عماد الدين زنكى، والقلب في الوسط، والميسرة في الآخرة، ومقدمها مظفر الدين بن زين الدين، والثقل في وسط العسكر، حتى أتى المنزل، فبات تلك الليلة في بلد العدو، ثم رحل صبيحة السبت ونزل على العزيمة، فلم يعرض لها، ولكن أقام عليها بقية يومه، ورحل يوم الأحد، فوصل إلى انطرطوس، فوقف قبالتها ينظر إليها، وكان عزمه الاجتياز إلى جبلة، فاستهان بأمرها، فسير من ردّ الميمنة، وأمرها بالنزول على البحر من الجانب الآخر، فما استتم نصب الخيم حتى صعد الناس السور وغنم العسكر جميع ما فيها، وخرج الناس ومعهم الأسرى والأموال، وترك الغلمان نصب الخيم، واشتغلوا بالكسب، ووفى بقوله رحمه الله فإنه كان قد عرض عليه الغدا، فقال:" نتغدى بانطرطوس إن شاء الله ".
قال القاضى بهاء الدين بن شداد رحمه الله:
" فعاد إلى خيمته فرحا مسرورا، وحضرنا عنده للهناء بما جرى، ومد الطعام، وحضر الناس، وأكلوا على عاداتهم، ورتّب على البرجين الباقيين الحصار، فسلم أحدهما إلى مظفر الدين، فما زال [316] يحاصره حتى أخربه، وأخذ من كان فيه، وأمر السلطان باخراب سور البلد، وقسّمه على الأمراء.
وكان البرج الآخر حصينا منيعا مبنيا بالحجر النحيت، وقد اجتمع من كان فيها من الخيّالة فيه، وخندقه فيه الماء، وفيه جروخ (1) كثيرة تجرح الناس على بعد، فرأى السلطان تأخير أمره، والاشتغال بما هو أيسر منه، واشتد في خراب السور حتى أتى عليه، وخرب البيعة، وهى بيعة عظيمة يحجونها من سائر البلاد، وأمر بوضع النار في البلد، وأحرق جميعه، والأصوات مرتفعة بالتهليل، وأقام يخرّب البلد إلى رابع عشر جمادى الأول.
ثم سار يريد جبلة، فالتقاه ولده الملك الظاهر في أثناء الطريق، ومعه العسكر التي كانت بتيزين (2)، ونزل السلطان على مرقية، وقد أخلاها سكانها، فخيّم بها، وكانت الطريق إلى جبلة على الساحل ضيقة المسلك، وهناك حصن للاسبتار يقال له المرقب، مأهول معمور، ولا طريق إلا تحته.
وكان ملك صقلية لما بلغه ماتم على الفرنج بالشام جهّز أسطولا يشتمل على ستين قطعة، وقدم عليها رجلا يقال له المرعريط، فوصل وما ضرّ ولا نفع، فإن فرنج الساحل لم يرفعوا به رأسا، وضجروا منه، فإنه كان في عشرة آلاف رجل، ويحتاجون إلى ميرة وكلف كثيرة، فصار إلى مدينة صور، ثم رجع إلى طرابلس، وتردد أشهرا في البحر، فلما سمع بعبور عسكر المسلمين على الساحل
(1) انظر ما فات هنا، ص 150، هامش 3
(2)
انظر ما فات هنا، ص 244، هامش 1