الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وذكر عن الشيخ أبى جعفر أنه قرأ عنده القرآن، وكان ذهنه غائبا، فلما انتهى إلى قوله تعالى:{" هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ (1)} " سمعه وهو يقول: " صحيح "؛ وهذه لفظة في وقت الحاجة وعناية من الله به.
وقيل إنه لما بلغ أبو جعفر في قراءته قوله تعالى: {" لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ " *} (2) تبسم وتهلل وجهه وسلمها.
وكانت وفاته بعد صلاة الصبح من يوم الأربعاء المذكور، وبادر القاضى الفاضل بعد طلوع الصبح فحضر وفاته. قال القاضى بهاء الدين:
" ووصلت أنا وقد مات، وانتقل إلى رضوان الله ومحل كرامته ".
ذكر جلوس الملك الأفضل نور الدين أبى الحسن على
ابن السلطان الملك الناصر صلاح الدين
للعزاء وتجهيز السلطان ودفنه
ثم جلس الملك الأفضل للعزاء في الإيوان الشمالى، وحفظ باب القلعة إلا عن الخواص من الأمراء والمعممين، وكان يوما عظيما.
وكان أولاد السلطان يخرجون مستغيثين بين الناس، فتكاد النفوس تزهق لهول منظرهم، واشتد بكاء [421] الناس وحزنهم، ودام الحال كذلك إلى بعد صلاة الظهر، ثم اشتغل بتغسيله وتكفينه.
(1) السورة 59 (الحشر)، الآية (22) م.
(2)
السورة 9 (التوبة)، الآية 29 (ك).
قال القاضى:
فما مكنا أن ندخل في تجهيزه حبة واحدة إلا بالقرض، حتى في ثمن التبن الذى يلتّ به الطين، وغسّله الفقيه الدولعى - خطيب دمشق -، وأخرج بعد صلاة الظهر في تابوت مسجى بثوب فوط، وجميع ما احتاج إليه في تكفينه أحضره القاضى الفاضل من وجه حل عرفه، وصلى عليه الناس أرسالا، وأول من أمّ (1) بالناس قاضى القضاة محيى الدين بن زكى الدين، ثم أعيد رحمه الله إلى الدار التي في البستان التي كان متمرضا بها، ودفن بالصفّة القريبة منها، وكان نزوله إلى حفرته قريب صلاة العصر، ونزل في أثناء النهار ولده الملك الظافر خضر (2) - المعروف بالمشمر - وهو شقيق الملك الأفضل، يعزى الناس، ويسكن قلوب الرعية.
واشتغل الأفضل بكتب الكتب إلى إخوته: الملك العزيز بمصر، وكذلك إلى الملك الظاهر - صاحب حلب -، وعمه الملك العادل - وكان بالكرك - يخبرهم بهذا الحادث.
(1) الأصل: «أقام» ، والتصحيح عن: ابن شداد، والروضتين.
(2)
هو الملك الظافر خضر، لقبه مظفر الدين، وكنيته أبو الدوام، وأبو العباس، قيل له «المشمر» لأن أباه لما قسم البلاد بين أولاده الكبار، قال «وأنا مشمر» فغلب عليه هذا اللقب، ولد بالقاهرة في خامس شعبان سنة 568 هـ، وهو شقيق الملك الأفضل، حج على تيماء سنة 610، فلما وصل إلى بدر وجد عسكر الملك الكامل قد سبقه خوفا منه على اليمن، وأمروه بالرجوع، فقال: «قد بقى بينى وبين مكة مسافة يسيرة، وو الله ما قصدى إلا الحج، فقيدونى حتى أقضى مناسكى وأعود، فلم يلتفتوا إليه، فأراد أن يقاتلهم فلم يكن له بهم طاقة، فعاد بلا حج، وتوفى في جمادى الأولى - أو الآخرة - سنة 627 هـ بحران عند ابن عمه الملك الأشرف موسى، ولم يكن وقتذاك ملكها، وإنما كان مجتازا لها عند دخوله بلاد الروم. انظر:(ابن خلكان: الوفيات، ج 6، ص 204 - 206) و (الحنبلى: شفاء القلوب، ص 73 أ).
وفى اليوم الثانى جلس للعزاء جلوسا عاما، وأطلق باب القلعة للفقهاء والعلماء، وتكلم المتكلمون، ولم يؤذن لأحد من الشعراء أن ينشد شيئا (1)، واستمر حضور الناس بكرة وعشية لقراءة القرآن والدعاء له.
وما زال الملك الأفضل مفكرا في موضع ينقله إليه، واستشار في ذلك، فأشير عليه في سنة تسعين وخمسمائة بأن يبنى تربته عند مسجد القدم، ويبنى عندها مدرسة للشافعية وقالوا:" إذا وصل الملك العزيز استغنى (2) بزيارتها عن الدخول إلى دمشق "، وقالوا:" إن السلطان رحمه الله لما مرض سنة إحدى (3) وثمانين وخمسمائة بحران أوصى أن يدفن بدمشق قبلى ميدان الحصا، ويكون قبره على النهج السايل [وطريق القوافل] (4) ليدعو له البادى والحاضر، والوارد والصادر ".
فأمر الملك الأفضل ببناء التربة عند مسجد القدم، وتولى [422] عمارتها بدر الدين مودود - والى دمشق -، فاتفق وصول الملك العزيز تلك السنة للحصار، وهم قد شرعوا في عمارتها، فخرّب ما كان قد ارتفع من البناية، ثم استقرأ (5) الملك الأفضل حدود الجامع ليجعل التربة فيها، فوفق (6) لدار كانت لبعض الصالحين، وهى في حد البنيان الذى زاده القاضى الفاضل في المسجد، فاشتراها منه وأمر بعمارتها [قبة](4) وعمرت، ونقل إليها السلطان يوم عاشوراء سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة بكرة الخميس.
(1) الأصل: «شيئ» .
(2)
الأصل: «استغنا» .
(3)
الأصل: «أحد» .
(4)
أضيف ما بين الحاصرتين عن العماد: (الروضتين، ج 2، ص 324).
(5)
الأصل: «اشترى» ، والتصحيح عن المرجع السابق.
(6)
الأصل: «فاتفق» ، والتصحيح عن المرجع المنقول عنه هنا وهو العماد (الروضتين، ج 2، ص 214).