الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر استيلاء
عماد الدين زنكى بن مودود بن زنكى على حلب
وكان وصول عز الدين إلى حلب وتملكه لها في العشرين من شعبان من هذه السنة، واستولى على الخزائن والذخائر، وتزوج أم الملك الصالح، وأقام بقلعة حلب إلى سادس عشر شوال من هذه السنة، وعلم أنه لا يمكنه حفظ الشام مع الموصل لأجل السلطان [صلاح الدين]، (1) وألّح عليه الأمراء في طلب الزيادات [في إقطاعهم، وفى طلب الأموال]، (1) وأكثروا إدلالهم عليه بسبب اختيارهم إياه (2).
[وكان عنده بخل](1) فضاق عطنه [منهم]، (1) فرحل من حلب إلى الرّقة وخلفه ولده، ومظفر الدين بن زين الدين بها، ولقيه عماد الدين زنكى بالرّقة على قرار بينهما، واستقر [الأمر بينهما](1) أن يسلم حلب إلى عماد الدين، ويأخذ عز الدين عنها عوضا سنجار.
وذكر ابن الأثير أن عماد الدين أرسل أخاه يلتمس ذلك، وأن عز الدين امتنع عنه، وأن عماد الدين لّج في هذا الأمر، وقال:
«إن سلمتم إلىّ حلب (3)[229] وإلا سلمت أنا سنجار إلى صلاح الدين ".
فأشار حينئذ الجماعة بتسليمها إليه وكان أكثرهم في ذلك مجاهد الدين قايماز، فاستقر الأمر على ذلك، وحلف كل منهما لصاحبه في الحادى والعشرين من شوال،
(1) ما بين الحاصرتين عن س (73 ب).
(2)
س: " وأكثروا عليه لإدلالهم عليه بسبب إلخ ".
(3)
س: " إن لم تسلموا إلى حلب وإلا. . . إلخ ".
وسار من جانب عماد الدين من تسلّم حلب، ومن جانب عز الدين من تسلّم سنجار، وعاد عز الدين إلى الموصل، وتوجه عماد الدين إلى حلب، وكان صعوده قلعتها في ثالث عشر المحرم سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، واستقر بها.
ذكر المتجددات
للسلطان [صلاح الدين](1) بمصر إلى حين سفره إلى الشام
ولما بلغ السلطان وفاة الملك الصالح بن نور الدين تحرك عزمه على التوجه إلى الشام، وندم على النزوح عنه، فكتب إلى ابن أخيه الملك المظفر تقى الدين عمر - صاحب حماة - يأمره بالتأهب والنهوض، وكاتب سائر نوابه بالشام بذلك، وكتب إلى الديوان العزيز بانشاء عمادى فيه:
" فصل: وشاع الخبر بغارة أفرنج أنطاكية على حارم، وأتوا من النهب والسبى بالعظائم، وشاع أيضا أن عسكر حلب أغاروا على الراوندان وهى [في] عملنا؛ ورسلهم عند الفرنج يستنجدونهم؛ (2) وراسلوا الحشيشية، والمراد من الرسالة غير خاف، والعلم بالمعتاد عنه كاف، وابن أخينا (3) غائب في أقضى بلاد الفرنج في أول برية الحجاز، فإن طاغية منهم جمع خيله ورجله، وحدثته نفسه الخبيثة بقصد تيماء، وهى دهليز المدينة - على ساكنها السلام - واغتنم كون البرية معشبة مخضرة مخصبة في هذا العام، والعجب أنا نحامى عن قبر النبى - صلوات الله عليه وسلامه - مشتغلين بهمه، والمذكور - يعنى صاحب الموصل -
(1) ما بين الحاصرتين ص س (73 ب).
(2)
الأصل: " يستنجدوهم "، والتصحيح عن س (74 ا)، وفى (الروضتين، ج 2، ص 23): " ورسولهم عند الفرنج يستنجدهم ".
(3)
هو ابن أخيه عز الدين فرخشاه.
ينازع في ولاية هى لنا، ليأخذها بيد ظلمه، وكم بين من يحارب الكفر ويحمل إليهم قواصم الآجال (1) وبين من يتخذهم بطانة دون المؤمنين، ويحمل إليهم كرائم الأموال، هذا مع ما نعد في الملّة الحنيفية والدولة الهادية العباسية من آثار لا يعدّ مثلها أولا لأبى مسلم، لأنه أقدم ثم خامر (2)، ووالى ثم ولى، ولا آخرا لطغرلبك، فإنه نصر ونصب، ثم حجر وحجب، وقد عرف ما فضلنا الله به عليهما في نصر الدولة، وقطع (3) من كان ينازع الخلافة رداءها، ويطهر المنابر (4) من رجس الأدعياء، ولم نفعل ما فعلناه [230] لأجل الدنيا؛ غير أن التحدث بنعمة الله واجب، والتبجح بالخدمة الشريفة والافتخار بالتوفيق فيها على السجية غالب؛ ولا غنى عن بروز الأوامر الشريفة إلى المذكور بأن يلزم حدّه، ولا يتجاوز حقه، فإن دخول الأيدى المختلفة عن الأعداء المتفقة شاغل، ويحتاج فيه إلى مغرم ينفق فيه العمر بغير طائل، فإن الأعمار تمرمر السحاب، والفرص تمض ومض السراب، وبقاؤنا (5) في هذه الدار القليلة اللبث القصيرة المكث يؤثر أن نغتنمه في مجاهدة العدو الكافر، الذى صار به البيت المقدس محلا للأرجاس، ومضت عليه دهور وملوك لم يحصلوا من رجاء تطهيره إلا على اليأس، وإن كان القوم قد بذلوا للدار العزيزة بذولا معارة فقد أسلف الخادم خدمات ليست بعوار، (6) فإنهم لو بذلوا بلادهم كلها ما وفت بفتح مصر التي رحل (7) بها أسامى الأدعياء الزاكية (8) أعوادها؛ وأعاد إلى عينها بعد بياض عماها من نور الشعار العباسى
(1) في الأصل: " الآمال " وما هنا عن س، والروضتين.
(2)
في الأصل: " خام "، وما هنا عن س والروضتين.
(3)
كذا في الأصل وفى الروضتين؛ وفى س (74 أ): " وقلع ".
(4)
في الأصل وفى س: " المغاير " والتصحيح عن: (الروضتين، ج 2، ص 23).
(5)
س: " وقعادتا ".
(6)
الأصل: " بعوارى ".
(7)
كذا في الأصل وفى الروضتين؛ وس " دخل ".
(8)
كذا في الأصل وفى س (74 ب)؛ وفى الروضتين: " الراكبة ".
سوادها؛ فان اقتضت الأوامر الشريفة أن يوعز للمذكور بحلب بتقليد، فالأولى أن يقلّد الكل، فلا رغبة فيما لا يؤمن معه شر الشريك؛ ولمالك الأمر الحكم في ممالك المماليك ".
وفيه فصل معناه أن حلب من جملة البلاد التي اشتمل عليها تقليد أمير المؤمنين المستضىء بنور الله، وإنما تركها في يد ابن نور الدين لأجل أبيه، والآن فليرجع كل ذى حق إلى حقه ليقتنع برزقه.
ذكر سفر (1) السلطان إلى الإسكندرية وعوده
وسافر السلطان بعد شهر رمضان من هذه السنة - أعنى سنة سبع وسبعين وخمسمائة - إلى الاسكندرية على طريق البحيرة، وخيّم عند السوارى، وشاهد الأسوار التي جددها، وأمر بالاتمام والاهتمام، وقال:
«نغتنم (2) حياة الشيخ أبى طاهر ابن عوف (3)» .
فحضر عنده، وسمع عليه موطأ مالك بن أنس - رحمة الله عليه -؛ بروايته عن الطرطوشى (4) في العشر الأخير من شوال، وتم له ولأولاده [231] السماع.
(1) س: " مسير ".
(2)
في الأصل: " فمغتنم "، وما هنا عن س، و (الروضتين، ج 2، ص 24).
(3)
في الأصل، وفى س:" أبى طاهر السلفى "، وما هنا عن العماد (الروضتين، ج 2، ص 24) أنظر أيضا: (الشيال: الإسكندرية، طبوغرافية المدينة وقطورها، ص 218 و 222)، وقد بنيت لابن عوف أول مدرسة بنيت في مصر في أواخر العصر الفاطمى، بناها له رضوان بن ولخشبى وزير الخليفة الحافظ في سنة 533 هـ، وأسند إليه التدريس بها، أنظر:(المقريزى: اتعاظ الحنفا، مخطوطة سراى، ص 138 ب).
(4)
الأصل: " الطرطوسى "، وس:" الطرسوسى "، والتصحيح عن الروضتين حيث نقل خبر هذه الزيارة - كما ورد هنا تماما - عن العماد الكاتب الذى نص على أنه كان في صحبة صلاح الدين وولديه أثناء الزيارة، وأنه شاركه هذا السماع، وانظر ترجمة الطرطوشى في: (ابن خلكان: الوفيات، =