الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر صفته وسيرته
كان حسن الصورة، تام القامة، أبيض اللون، وكان عاقلا عفيفا، شديد الغيرة، [219] لا يدخل دوره غير الخدم الصغار، فإذا كبر أحدهم منعه، وكان يكره سفك الدماء وأخذ الأموال، وكان بخيلا جبانا، وكان عنده سكون ووقار، وقلة التفات إذا ركب وإذا جلس.
ذكر استيلاء عز الدين مسعود بن مودود بن زنكى
على الموصل
كان لما اشتد المرض بسيف الدين غازى أراد أن يعهد بالملك لولده معز الدين سنجر شاه بن غازى، وكان عمره يومئذ اثنتى عشرة سنة، فخاف على الدولة من الملك الناصر، وامتنع [أخوه](1) عز الدين مسعود من الإذعان لذلك والإجابة إليه، فأشار مجاهد الدين قايماز وأكابر الدولة بأن يجعل الملك في عز الدين، لما هو عليه من كبر السن والشجاعة والعقل، وأن يعطى ابن سيف الدين بعض البلاد، ويكون مرجعهما إلى عز الدين عمهما، ومتولى الأمر مجاهد الدين قايماز، ففعل ذلك، وعهد بالملك لأخيه عز الدين مسعود، وأعطى جزيرة ابن عمر وبلادها لولده معز الدين سنجر شاه، وقلعة [عقر](2) الحميدية لولده ناصر الدين كسك (3).
(1) ما بين الحاصرتين زيادة عن (ابن الأثير: الكامل، ج 11، ص 175) وهو المرجع الذى ينقل عنه المؤلف هنا.
(2)
ما بين الحاصرتين عن: (ابن الأثير: الكامل، ج 11، ص 175).
(3)
الأصل: «كبك» والتصحيح عن المرجع السابق.
فلما توفى سيف الدين استقرت القاعدة على ذلك، وانتظمت الأمور، وقام بتدبير الأمور كلها مجاهد الدين قايماز، وورد رسوله إلى السلطان الملك الناصر - وهو الشيخ الفقيه فخر الدين أبو شجاع بن الدهان البغدادى - يطلب من السلطان أن يكون معه كما كان مع أخيه من إبقاء سروج والرّها والرقّة وحرّان والخابور ونصيبن في يده، فلم يجب السلطان إلى ذلك، إذ هى له بتوقيع الخليفة، وإنما جعلها في يد سيف الدين غازى بالشفاعة، بشرط أن يقوى السلطان بالعساكر.
ولما مات سيف الدين كتب السلطان إلى الإمام الناصر لدين الله يعلمه بذلك، وأن هذه البلاد لم يزل ارتفاعها بصدد تقوية ثغور [220] الإسلام بالشام، وسأل أن يفوضها الخليفة إليه، وكان الكتاب في ذلك من السلطان إلى الشيخ صدر الدين عبد الرحيم شيخ الشيوخ بانشاء عمادى فيه:
" فصل: قد عرف اختصاصنا من الطاعة والعبودية، للدار العزيزة النبوية، بما لم يختص به أحد، وامتدت اليد منا في إقامة الدعوة الهادية بمصر واليمن والمغرب بما لم تمتد إليه يد، وأزلنا من الأقاليم الثلاثة ثلاثة أدعياء، وخلفناهم (1) للردى، حيث دعوا بلسان الغواية خلفا، ولا خفاء أن مصر، إقليم عظيم وبلد كريم، بقيت مائتين وخمسين سنة مضيمة، وعانت كل هضيمة، وعاينت كل عظيمة، حتى أنقذها الله بنا من عبيد بنى عبيد، وأطلقها بمطلقات (2) أعنتنا إليها من عناء كل قيد، وفيها شيعة القوم، وهم غير مأمونى الشر إلى اليوم، وطوائف أقاليم الروم والفرنج [من البر والبحر](3) بها مطيفة، فمن حقها أن يتوافر عسكرها، فلو حصل - والعياذ بالله - بها فتق لأعضل رتقه، واتسع على الراقع خرقه، واحتجنا لحفظ بلاد الشام وثغور الإسلام إلى استصحاب العسكر المصرى إليها، وله مدة خمس
(1) الأصل: «وخلعناهم» وما هنا - عن (الروضتين، ج 2، ص 17).
(2)
الأصل: «مطلقات» والتصحيح عن المرجع السابق.
(3)
ما بين الحاصرتين زيادة عن المرجع السابق.
سنين في بيكارها (1)[منتقما من كفارها](2) متحملا لمشاقها على غلاء أسعارها، وإنما أحوج إلى ذلك أن بلاد هذا الثغر قد اقتطعت عنه، وعساكرها أخذت منه، " فوصل في رجب رسل الديوان: صدر الدين شيخ الشيوخ [أبو القاسم عبد الرحمن](2)، وشهاب الدين بشير الخاص بالتفويض والتقليد والتشريف (3)، فتلقاهم السلطان، وترجّل لهم، فنزل الرسل وسلموا عليه عن أمير المؤمنين، فقبل الأرض، ثم ركبوا ودخلوا المدينة، وكان السلطان قد عزم على قصد الديار المصرية، وسلوك طريق أيلة والبرية فحسن للشيخ صدر الدين مصاحبته، ورغبه في زيارة قبر الشافعى - رحمة الله عليه -، فقال:
" قد عزمت في هذه السنة على الحج، فأصل معكم إلى القاهرة، بشرط إقامة يومين [221] ولا أدخلها، وإنما أسكن بالتربة الشافعية، وأسير منها إلى بحر عيذاب، لعلى أدرك صوم رمضان بمكة "(4).
فالتزم له ذلك، وأعاد أصحابه إلى بغداد ليأتوه من طريقها إلى الحجاز، ورجع شهاب الدين بشير في جواب رسالته، ومعه القاضى ضياء الدين بن الشهر زورى، وكتب السلطان إلى الديوان كتابا، وفيه:
" قد توجه الخادم إلى الديار المصرية لتجديد النظر فيها، ثم يستخير الله في الحج وأدائه، ويعود إلى مجاهدة أعدائه ".
(1) البيكار، وقد تجمع على بياكير، لفظ فارسى معناه الحرب بوجه عام، راجع أيضا:(Dozy : Supp .Dict .Ar).
(2)
ما بين الحاصرتين زيادة عن المرجع السابق.
(3)
أورد ابن أبى طى (الروضتين، ج 2، ص 19) وصفا تفصيليا للخلع التي أرسلها الخليفة الناصر إلى صلاح الدين، وهو وصف له أهميته ولهذا أثرنا نقله هنا (قارنه بوصف الخلع التي ارسلها الخليفة المستضئ لصلاح الدين فيما سبق هنا)، قال:" وكانت هذه أول خلعة قدمت من الإمام الناصر على الملك الناصر، وكانت: ثوب أطلس أسود واسع الكم مذهب، وبيقار أسود مذهب وطيلسان أسود مذهب، ومشدة سودا. مذهبة، وطوق، وتخت، وسرفسار، وجواد كميت من مراكب الخليفة عليه سرج أسود، وسلال أسود، وطوق مجوهر، وقصبة ذهب، وعم أسود، وعدة خيول وبقج؛ وركب السلطان بالخلعة، وزينت له دمشق، وكان يوما عظيما ".
(4)
بهذا اللفظ يتقابل الأصل مرة أخرى مع نسخة س في أول (ص 114 أ) منها.