الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر وصول ملك الانكلتير
إلى يافا واسترجاعه ربضها
ووصل ملك الانكلتير بغتة، فما شعر المسلمون سحرا إلا وبوقاته [تنعق، فعلمنا بوصول النجدة، قد وصلت في البحر](1).
قال القاضى بهاء الدين:
فسيّر معى السلطان عز الدين جرديك، وعلم الدين قيصر، ودرباس المهرانى، وشمس الدين عدل الخزانة، وقال: امض إلى الملك الظاهر، وقل له يقف ظاهر الباب القبلى، وتدخل أنت ومن تراه إلى القلعة، ويخرجون القوم ويستولون على ما فيها من الأموال والأسلحة، وتكتبها بخطك إلى الملك الظاهر، وهو ظاهر البلد يسيرها إلينا.
قال:
ففعلنا ودخلنا القلعة، وأمرنا الفرنج بالخروج، فأجابوا وتهيأوا، فقال جرديك: لا ينبغى أن يخرج منهم أحد حتى تخرج الناس من البلد خشية أن يتخطفوهم، فإنهم قد داخلهم الطمع في البلد، وأخذ يشتد في ضرب الناس وإخراجهم، وهم غير مضبوطين بعدة ولا محصورين في مكان، فكيف يمكن إخراجهم؛ فطال الأمر إلى أن علا النهار، وأنا ألومه وهو لا يرجع، والزمان يمضى، فلما رأيت الوقت يفوت، قلت له: إن النجدة قد وصلت والمصلحة المسارعة في إخراجهم، [405] فأجاب، وأخرجنا خمسة وأربعين نفرا بخيولهم ونسائهم، وسيرناهم، ثم اشتدت أنفس الباقين وحدثتهم أنفسهم
(1) الأصل: " فما شعر المسلمون سحرا إلا وبوقاته تنعر في البحر " ولا معنى لها، وما هنا عن (ابن شداد، ص 224).
بالعصيان، وكانوا استقلوا المراكب التي جاءتهم، وظنوا أن لا نجدة لهم فيها، ولم يعلموا أن الانكلتير مع القوم، ورأوهم قد تأخروا عن النزول إلى أن تعالى النهار، فخافوا أن يمتنعوا فيؤخذوا ويقتلوا، فخرج من خرج.
ثم بعد ذلك قويت النجدة حتى صاروا خمسة وثلاثين مركبا، فقويت نفوس الباقين في الحصن، وظهرت منهم أمارات العصيان ودلائله، فقلت لأصحابنا: خذوا حذركم، فقد تغيرت عزائم القوم، فما كان إلا ساعة بحيث صرنا خارج البلد، وإذا القوم قد حملوا من القلعة، وأخرجوا من كان في البلد من الأجناد، وازدحم الناس في الباب حتى كاد يتلف منهم جماعة، وبقى في بعض الكنائس جماعة من رعاع العسكر مثتغلين بما لا يجوز، فهجموا عليهم، وقتلوا وأسروا، وأمر السلطان الناس بالزحف، فزحفوا، وعاد الحصار كما كان، واضطرب العدو في القلعة واستبطئوا نزول النجدة إليهم، وخافوا خوفا عظيما، فأرسلوا بطريقهم والقسطلان (1) يعتذران مما جرى، ويسألان السلطان القاعدة الأولى.
وكان سبب امتناع نزول النجدة أنهم رأوا البلد مشحونا ببيارق (2) المسلمين ورجالهم، فخافوا أن تكون القلعة قد أخذت، وكان البحر يمنع من سماع الصوت، وانضاف إلى ذلك كثرة الضجيج والتكبير والتهليل، فلما رأى من في القلعة شدة الزحف عليهم، وامتناع النجدة من النزول إليهم مع كثرتها، فإنها كانت قد بلغت نيفا وخمسين مركبا فيها خمسة عشر شانيا (3)، [علموا أن](4) النجدة ظنوا أن القلعة قد أخذت، فوهب رجل من أهل
(1) معرب اللفظ اللاتينى (Castellanus) ومعناه مستحفظ القلعة، ويقابله في الفرنسية. (Chatelain) أنظر تعليقات الدكتور محمد مصطفى زيادة (المقريزى: السلوك، ج 1، ص 524، هامش 3).
(2)
البيرق معرب اللفظ الفارسى " بيراق "، ومعناها الراية والعلم واللواء راجع:(القس طوبيا العنيسى الحلبى: تفسير الألفاظ الدخيلة في اللغة العربية مع ذكر أصلها، القاهرة 1932، ص 15).
(3)
راجع ما فات هنا، ص 13، هامش 1.
(4)
ما بين الحاصرتين زيادة عن (ابن شداد، ص 226).
القلعة نفسه للمسيح، وقفز من (1) القلعة إلى الميناء، وكان رملا فلم يصبه شئ (2)، وعدّى إلى البحر، وحدّث الانكلتير بالحديث، فما كان إلا ساعة حتى نزل كل من في الشوانى إلى الميناء، وحملوا على المسلمين فأخرجوهم من الميناء، فقبض السلطان على الرسل، وأمر بتأخير الثقل والأسواق إلى يازور (3) فرحل الناس، [406] وتخلف لهم ثقل عظيم مما كانوا أخذوا من يافا.
وخرج الانكلتير إلى موضع السلطان الذى كان فيه لمضايقة البلد، وأمر من في القلعة أن يخرجوا إليه فيعظم سواده، واستدعى جماعة من خواص مماليك السلطان والحاجب أبا بكر العادلى وغيره، فلما حضروا عنده باسطهم وقال:
" هذا السلطان عظيم، وما في الأرض للإسلام ملك أكبر منه ولا أعظم، فكيف رحل عن المكان لمجرد وصولى؟ والله ما لبست لأمة (4) حربى ولا تأهبت لأمر، ولا في رجلى إلا زربول [البحر] (5) فكيف تأخر؟ "
(1) الأصل: " مع "، والتصحيح عن المرجع السابق.
(2)
الأصل: «شيئا» والتصحيح عن المرجع السابق.
(3)
الأصل: «باروز» ، أنظر ما فات هنا ص 394، هامش 2
(4)
اللأمة الدرع، وقيل السلاح، وقيل الدرع الحصينة، سميت لأمة لإحكامها وجودة حلقاتها، وقيل هى السلاح كله، ولأمة الحرب أداته، وجمعها لأم ولؤم، واستلأم الرجل لبس اللأمة، أي إذا لبس ما عنده من عدة رمح وبيضة ومغفر وسيف ونبل. أنظر:(اللسان)
(5)
أضيف ما بين الحاصرتين عن: (الروضتين، ج 2، ص 202)، وزربول أو زربول - والجمع زرابيل -، ويقال: زربون - والجمع زرابين -، كلمة من أصل يونانى ومعناها نوع من الحذاء، وكانت تطلق في القسطنطينية على الحذاء الذى يلبسه العبيد، ويرى (DOZY) أن الكلمة مشتقة من، (servus) كما أن اللفظ الأسبانى (servilla) ويعنى نوعا من الحذاء مشتق من، (serva) لأن الخدم اعتادوا أن يلبسوا هذا النوع؛ ويبدو أن اللفظ انتقل من الدولة البيزنطية إلى بلاد الشام، واستعمله العرب في العصور الوسطى للدلالة على هذا النوع من الحذاء الذى يلبسه العبيد، فقد استعمل بهذا المعنى (وإنما برسم زربون) في كتاب " ألف ليلة وليلة ". وقد وصفه (DOZY) وصفا ينطبق على ذلك النوع من الحذاء المعروف في مصر إلى عهد قريب باسم (المركوب)، فهو حذاء أحمر اللون ذو طرف أمامى مدبب مرتفع إلى أعلى. وهو ذلك النوع الذى كان يلبسه المشايخ إلى عهد قريب. أنظر:(DOZY : Supp .Dict .Arab) ولعل هذا هذا الشرح يفسر لنا أيضا كلمة «زربون» التي كنا نطلقها أحيانا على العبد، فنقول له تحقيرا لشأنه:«عبد زربون» ، ولاحظ أيضا أن التعبير في المتن هنا يدل على أن رتشارد كان يلبس نوعا من الحذاء أو الزربول خاصا بالبحر.
ثم قال:
" والله إنه لعظيم، والله ما ظننته يأخذ يافا في شهرين، فكيف أخذها في يومين؟! "
ثم قال لأبى بكر الحاجب:
تسلم على السلطان، وتقول له: بالله عليك أجب سؤالى في الصلح، فهذا أمر لابد منه، ولابد لهذا الأمر من آخر، وقد هلكت بلادى وراء (1) البحر، وما دوام هذا مصلحة لا لنا ولا لكم ".
فأرسل السلطان إليه في الجواب:
" إنك [كنت] (2) طلبت [الصلح] (2) أولا على قاعدة، وكان الحديث في يافا وعسقلان، والآن فقد خربت هذه يافا، فيكون لكم من قيسارية إلى صور ".
فأجابه الانكلتير:
" إن قاعدة الفرنج أنه إذا أعطى واحد لواحد بلدا صار تبعه وغلامه، وأنا أطلب منك هذين البلدين: يافا وعسقلان، وتكون عساكرهما في خدمتك دائما، وإذا احتجت إلىّ وصلت إليك في أسرع وقت، وخدمتك كما تعلم خدمتى ".
فأجابه السلطان:
حيث دخلت هذا المدخل فنتفق على أن نجعل البلدين قسمين: أحدهما لك، وهو يافا وماوراءها، والثانى لى، هو عسقلان وماوراءها ".
(1) الأصل: «وورائى» ، والتصحيح عن الروضتين.
(2)
أضيف ما بين الحاصرتين عن (الروضتين، ج 2، ص 202) ليستقيم المعنى
ثم رتّب السلطان اليزك بيازور، وأمر بخرابها وخراب بيت جبرين (1)، ورتّب النقابين لذلك، ثم سار إلى الرملة.
وعاد رسول الانكلتير يشكر على إعطائه يافا، ويجدد السؤال في عسقلان، ويقول:
" إن وقع الصلح في [هذه] (2) الأيام الستة سرت إلى بلادى، وإلا احتجت أن اشتى هنا ".
فأجابه السلطان [في الحال](3):
" أما النزول عن عسقلان فلا سبيل إليه، وأما هاهنا تشتيته فلابد منها، لأنه قد استولى [407] على هذه البلاد، ويعلم أنه متى غاب عنها أخذت بالضرورة، وإذا أقام أيضا إن شاء الله تعالى، وإذا سهل عليه أن يشتى ههنا، ويبعد عن أهله ووطنه مسيرة شهرين، وهو شاب في عنفوان شبابه ووقت اقتناص لذاته، ما يسهل علىّ أن أشتى وأصيف وأنا في وسط بلادى، وعندى أهلى وأولادى، ويأتى إلى ما أريده ومن أريده، وأنا شيخ قد كرهت لذات الدنيا ورفضتها عنى، والعسكر الذى يكون عندى في الشتاء غير العسكر الذى يكون عندى في الصيف؟! وأنا اعتقد أنى في أعظم العبادات، ولا أزال كذلك حتى يعطى الله تعالى النصر لمن يشاء ".
ثم جاء رسوله يقول له:
" كم أطرح نفسى على السلطان وهو لا يقبلنى، وأنا كنت أحرص حتى أعود إلى بلادى، والآن فقد هجم الشتاء، وتغيرت الأنواء، [وعزمت على الإقامة](4) وما بقى بيننا حديث.
(1) الأصل والروضتين: «بيت حسن» ، أنظر ما فات هنا ص 394، هامش 3
(2)
أضيف ما بين الحاصرتين عن (الروضتين، ج 2، ص 202) ليستقيم المعتى.
(3)
أضيف ما بين الحاصرتين عن ابن شداد (الروضتين، ج 2، ص 202).
(4)
أضيف ما بين الحاصرتين عن: (الروضتين، ج 2، ص 202).