الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(15)
رسالة بقلم القاضى الفاضل أرسلها صلاح الدين وهو بالقرب من حماة في طريقه إلى حلب لمحاربة قواد نور الدين، إلى الديوان العزيز ببغداد
، يعدد فيها فتوحه وانتصاراته في مصر واليمن والمغرب، ويسأل الخليفة أن يرسل إليه التقاليد بتوليته على هذه البلاد، وعلى ما قد يفتحه في المستقبل من بلاد أخرى
عن: (الروضتين، ج 1، ص 241 - 243) " فإذا قضى التسليم حق اللقاء، واستدعى الإخلاص جهد الدعاء، فليعد وليعد حوادث ما كانت حديثا يفترى، وجوارى أمور إن قال فيها كثيرا فأكثر منه ما قد جرى، وليشرح صدرا منها لعله يشرح منا صدرا، وليوضح الأحوال المستسرة، فإن الله لا يعبد سرا:
ومن الغرائب أن تسير عرائب
…
في الأرض لم يعلم بها المأمول
كالعيس أقتل ما يكون لها الصدى،
…
والماء فوق ظهورها محمول
فإنا كنا نقتبس النار بأكفنا وغيرنا يستنير، ونستنبط الماء بأيدينا وسوانا يستمير، ونلقى السهام بنحورنا وغيرنا يعتمد التصوير، ونصافح الصفاح بصدورنا وغيرنا يدعى التصدير، ولابد أن تسترد بضاعتنا بموقف العدل الذى تردّ به الغصوب، وتظهر طاعتنا فنأخذ بحظ الألسن كما أخذنا بحظ القلوب، وما كان العائق إلا أنا كنا ننتظر ابتداء من الجانب الشريف بالنعمة يضاهى ابتداءنا بالخدمة، وإنجابا للحق يشاكل إنجابنا للسبق، كان أول أمرنا أنا كنا في الشام لفتح الفتوح مباشرين بأنفسنا، ونجاهد الكفار متقدمين لعساكرنا، نحن ووالدنا وعمنا في أي مدينة فتحت، أو معقل ملك، أو عسكر للعدو كسر، أو مصاف
للإسلام معه ضرب، فما يجهل أحد صنعنا، ولا يجحد عدونا أنا تصطلى الجمرة، ونملك الكرة، ونتقدم الجماعة، ونرتب المقاتلة، وندبر التعبية، إلى أن ظهرت في الشام الآثار التي لنا أجرها، ولا يضرنا أن يكون لغيرنا ذكرها، وكانت أخبار مصر تتصل بنا بما الأحوال عليه فيها من سوء تدبير، وبما دولتها عليه من غلبة صغير على كبير، وأن النظام بها قد فسد، والإسلام بها قد ضعف عن إقامة كل من قام وقعد، والفرنج قد احتاج من يدبرها إلى أن يقاطعهم بأموال كثيرة، لها مقادير خطيرة، وأن كلمة السنة بها وإن كانت مجموعة، فإنها مقموعة، وأحكام الشريعة وإن كانت مسماة، فإنها متحاماة، وتلك البدع بها على ما يعلم، وتلك الضلالات فيها على ما يفتى فيه بفراق الإسلام ويحكم، وذلك المذهب قد خالط من أهله اللحم والدم، وتلك الأنصاب قد نصبت آلهة تعبد من دون الله وتعظم وتفخم، فتعالى الله عن شبه العباد، وويل لمن غرّه تقلب الذين كفروا في البلاد، فسمت همتنا دون همم أهل الأرض إلى أن نستفتح مقفلها، ونسترجع للإسلام شاردها، ونعيد على الدين ضالته منها.
فسرنا إليها في عساكر ضخمة، وجموع جمة، وبأموال انتهكت الموجود، وبلغت منا المجهود، أنفقناها من حاصل ذممنا وكسب أيدينا، وثمن أسارى الفرنج الواقعين في قبضتنا، فعرضت عوارض منعت، وتوجهت للمصريين رسل باستنجاد الفرنج قطعت، ولكل أجل كتاب، ولكل أمل باب، وكان في تقدير الله أنا نملكها على الوجه الأحسن، ونأخذها بالحكم الأقوى الأمكن، فغدر الفرنج بالمصريين غدرة في هدنة عظم خطبها وخبطها، وعلم أن استئصال كلمة الإسلام محطها، فكاتبنا المسلمون من مصر في ذلك الزمان، كما كاتبنا المسلمون من الشام في هذا الأوان، بأنا إن لم ندرك الأمر وإلا خرج عن اليد، وإن لم ندفع غريم اليوم لم نمهل إلى الغد، فسرنا بالعساكر المجموعة، والأمراء والأهل المعروفة، إلى بلاد قد تمهد لنا بها أمران، وتقرر لنا في القلوب ودان: الأول ما علموه من إيثارنا للمذهب الأقوم، وإحياء الحق الأقدم، والآخر ما يرجونه من فك أسارهم وإقالة عثارهم،
ففعل الله ما هو أهله، وجاء الخبر إلى العدو فانقطع حبله، وضاقت به سبله، وأفرج عن الديار بعد أن كانت ضياعها ورساتيقها وبلادها وأقاليمها قد نفذت فيها أوامره، وخفقت عليها صلبانه، ونصبت بها أوثانه، وأيس من أن يسترجع ما كان بأيديهم حاصلا، وأن يستنقذ ما صار في ملكهم داخلا.
ووصلنا البلاد وبها أجناد عددهم كثير، وسوادهم كبير، وأموالهم واسعة، وكلمتهم جامعة، وهم على حرب الإسلام أقدر منهم على حرب الكفر، والحيلة في السر فيهم أنفذ من العزيمة في الجهر، وبها راجل من السودان يزيد على مائة ألف كلهم أغتام أعجام، إن هم إلا كالأنعام، لا يعرفون ربّا إلا ساكن قصره، ولا قبلة إلا [242] ما يتوجهون إليه من ركنه وامتثال أمره، وبها عسكر من الأرمن باقون على النصرانية، موضوعة عنهم الجزية، كانت لهم شوكة وشكة، وحمة وحمية، ولهم حواش لقصورهم من بين داع تتلطف في الضلال مداخله، وتصيب القلوب مخاتله، ومن بين كتاب تفعل أقلامهم أفعال الأسل، وخدام يجمعون إلى سواد الوجوه سواد النحل، ودولة قد كبر نملها الصغير ولم يعرف غيرها الكبير، ومهابة تمنع ما يكنه الضمير، فكيف بخطوات التدبير.
هذا إلى استباحة للمحارم ظاهرة، وتعطيل للفرائض على عادة جارية جائرة، وتحريف للشريعة بالتأويل، وعدول إلى غير مراد الله بالتنزيل، وكفر سمى بغير اسمه، وشرع يتستر به ويحكم بغير حكمه.
فما زلنا نسحتهم سحت المبارد للشفار، ونتحيفهم تحيف الليل والنهار، بعجائب تدبير لا تحتملها المساطير، وغرائب تقدير لا تحملها الأساطير، ولطيف توصل ما كان من حيلة البشر ولا قدرتهم لولا إعانة المقادير.
وفى أثناء ذلك استنجدوا علينا بالفرنج دفعة إلى بلبيس ودفعة إلى دمياط، وفى كل دفعة منهما وصلوا بالعدد المجهر، والحشد الأوفر، وخصوصا في نوبة دمياط، فإنهم نازلوها بحرا في ألف مركب مقاتل وحامل، وبرا في مائتى
ألف فارس وراجل، وحصروها شهرين يباكرونها ويراوحونها ويماسونها ويصابحونها القتال الذى يصلبه الصليب، والقراع الذى ينادى به الموت من مكان قريب، ونحن نقاتل العدوين الباطن والظاهر، ونضابر الضدين المنافق والكافر، حتى أتى الله بأمره وأيدنا بنصره، وخابت المطامع من المصريين والفرنج، وشرعنا في تلك الطوائف من الأرمن والسودان والأجناد فأخرجناهم من القاهرة تارة بالأوامر المرهقة لهم، وتارة بالأمور الفاضحة منهم، وطورا بالسيوف المجردة، وبالنار المحرقة، حتى بقى القصر ومن به من خدم ومن ذرية قد تفرقت شيعه، وتمزقت بدعه، وخفتت دعوته، وخفيت ضلالته.
فهنالك تمّ لنا إقامة الكلمة، والجهر بالخطبة، والرفع للواء الأسود الأعظم، وعاجل الله الطاغية الأكبر بهلاكه وفنائه، وبرأنا من عهدة يمين كان إثم حنثها أيسر من إثم إبقائه، لأنه عوجل لفرط روعته، ووافق هلاك شخصه هلاك دولته.
ولما خلا ذرعنا ورحب وسعنا، نظرنا في الغزوات إلى بلاد الكفار فلم تخرج سنة إلا عن سنة أقيمت فيها برا وبحرا، مركبا وظهرا، إلى أن أوسعناهم قتلا وأسرا، وملكنا رقابهم قهرا وقسرا، وفتحنا لهم معاقل ما خطر أهل الإسلام فيها منذ أخذت من أيديهم، ولا أوجفت عليها خيلهم ولا ركابهم مذ ملكها أعاديهم، فمنها ما حكمت فيه يد الخراب، ومنها ما استولت عليه يد الاكتساب، ومنها قلعة بثغر أيلة، كان العدو قد بناها في بحر الهند، وهو المسلوك منه إلى الحرمين واليمن، وغزا ساحل الحرم فساء منه خلقا، وخرق الكفر في هذا الجانب خرقا، فكادت القبلة أن يستولى على أصلها، ومشاعر الله أن يسكنها غير أهلها، ومقام الخليل عليه السلام أن يقوم به من ناره غير برد وسلام، ومضجع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتطرقه من لا يدين بما جاءبه من الإسلام، فأخذت هذه القلعة، وصارت معقلا للجهاد، وموئلا لسفار البلاد، وغيرهم من عباد العباد ".
ثم قال:
" وكان باليمن ما علم من أمر ابن مهدى الضال الملحد، المبدع المتمرد، وله آثار في الإسلام وثار، طالبه النبى صلى الله عليه وسلم، لأنه سبى الشرائف الصالحات وباعهن بالثمن البخس، واستباح منهن كل مالا يقر لمسلم عليه نفس، ودان ببدعه ودعا إلى قبر أبيه وسماه كعبة، وأخذ أموال الرعايا المعصومة وأجاحها، وأحلّ الفروج المحرمة وأباحها، فأنهضنا اليه أخانا بعسكرنا بعد أن تكلفنا له نفقات واسعة، وأسلحة رائعة، وسار فأخذناه ولله الحمد، وأنجز الله فيه القصد، والكلمة هنالك بمشيئة الله إلى الهند سامية، وإلى ما يفتضّ الإسلام عذرته متمادية.
ولنا في الغرب أثر أغرب، وفى أعماله أعمال دون مطلبها مهالك، كما يكون المهلك دون المطلب، وذلك أن بنى عبد المؤمن قد اشتهر أن أمرهم قد أمّر، وملكهم قد عمّر، وجيوشهم لا تطاق، وأمرهم لا يشاق، ونحن بحمد الله قد تملكنا مما يجاورنا منه بلادا تزيد مسافتها على شهر، وسيرنا إليها عسكرا بعد عسكر، فرجع بنصر بعد نصر، ومن البلاد المشاهير والأقاليم الجماهير: برقة، قفصة، قسطيلية، توزر، كل هذا تقام فيها الخطبة لمولانا الامام المستضئ بأمر الله أمير المؤمنين، سلام الله عليه، ولا عهد للإسلام بإقامتها وينفذ فيها الأحكام بعلمها المنصور وعلامتها.
وفى هذه السنة كان عندنا وفد قد شاهده وفود الأمصار، ورموه بأسماع وأبصار، مقداره سبعون راكبا، كلهم يطلب لسلطان بلده تقليدا، ويرجو منا وعدا ويخاف وعيدا، وقد صدرت عنا بحمد الله تقاليدها، وألقيت الينا مقاليدها، وسيرنا الخلع والمناشير والألويه بما فيها من الأوامر والأقضية.
فأما الأعداء المحدقون بهذه البلاد، والكفار الذين يقاتلوننا بالممالك العظام والعزائم الشداد، فمنهم صاحب قسطنطينية وهو الطاغية الأكبر، والجالوت الأكفر، وصاحب [243] المملكة التي أكلت على الدهر وشربت، وقائم
النصرانية الذى حكمت دولته على ممالكها وغلبت، جرت لنا معه غزوات بحرية، ومناقلات ظاهرة وسرية، ولم نخرج من مصر إلى أن وصلتنا رسله في جمعة واحدة نوبتين بكتابين، كل واحد منهما يظهر فيه خفض الجناح، والقاء السلاح، والانتقال من معاداة إلى مهاداة، ومن مفاضحة إلى مناصحة، حتى أنه أنذر بصاحب صقلية وأساطيله التي تردد ذكرها، وعساكره التي لم يخف أمرها.
ومن هؤلاء الكفار: هذا صاحب صقلية، كان حين علم بأن صاحب الشام وصاحب قسطنطينية قد اجتمعا في نوبة دمياط فغلبا وقسرا وهزما وكسرا، أراد أن يظهر قوته المستقلة، فعمّر أسطولا يستوعب فيه ماله وزمانه، فله الآن خمس سنين تكثر عدته، وتنتخب عدته، إلى أن وصل منها في السنة الخالية إلى الاسكندرية أمر رائع، وخطب هائل، ما أثقل ظهر البحر مثل حمله، ولا ملأ صدره مثل خيله ورجله، وما هو إلا إقليم بل أقاليم نقله، وجيش ما احتفل ملك قط بنظيره لولا أن الله خذله.
ومن هؤلاء الجيوش: البنادقه والبياشنة والجنوية، كل هؤلاء تارة يكونون غزاة لا تطاق ضراوة ضرهم، ولا تطفأ شرارة شرهم، وتارة يكونون سفارا يحتكمون على الإسلام في الأموال المجلوبة، وتقصر عنهم يد الأحكام المرهوبة، وما منهم إلا من هو الآن يجلب إلى بلدنا آلة قتاله وجهاده، ويتقرب إلينا باهداء طرائف أعماله وتلاده، وكلهم قد قررت معهم المواصلة، وانتظمت معهم المسالمة، على ما نريد ويكرهون، وعلى ما نؤثر وهم لا يؤثرون.
ولما قضى الله سبحانه بالوفاة النورية، وكنا في تلك السنة على نية الغزاة، والعساكر قد تجهزت، والمضارب قد برزت، ونزل الفرنج على بانياس وأشرفوا على احتيازها، ورأوها فرصة مدّ وأيد انتهازها، استصرخ بنا صاحبها، فسرنا مراحل اتصل بالعدو أمرها، وعوجل بالهدنة الدمشقية التي لولا مسيرنا ما انتظم حكمها، ثم عدنا إلى البلاد، وتوافت الينا الأخبار بما المملكة النورية
عليه من تشعب الآراء وتوزعها، وتشتت الأمور وتقطعها، وأن كل قلعة قد حصل فيها صاحب، وكل جانب قد طمح إليه طالب، والفرنج قد بنوا قلاعا يتخوفون بها الأطراف الإسلامية، ويضايقون بها البلاد الشامية، وأمراء الدولة النورية قد سجن كبارهم وعوقبوا وصودروا، والمماليك الأعماد الذين خلقوا للأطراف لا للصدور، وجعلوا للقيام لا للعقود، في المجلس المحضور، قد مدوا الأيدى والأعين والسيوف، وسارت سيرتهم في الأمر بالمنكر والنهى عن المعروف، وكل واحد يتخذ عند الفرنج يدا، ويجعلهم لظهره سندا.
وعلمنا أن البيت المقدس إن لم تتيسر الأسباب لفتحه، وأمر الكفر إن لم يتجرد العزم في قلعه، وإلا نبتت عروقه، واتسعت على أهل الدين خروقه، وكانت الحجة لله قائمة، وهمم القادرين بالقعود دائمة، وإنّا لا نتمكن بمصر منه مع بعد المسافة، وانقطاع العمارة، وكلال الدواب التي بها على الجهاد القوة، وإذا جاورناه كانت المصلحة بادية، والمنفعة جامعة، واليد قادرة، والبلاد قريبة، والغزوة ممكنة، والميرة متسعة، والخيل مستريحة، والعساكر كثيرة الجموع، والأوقات مساعدة، وأصلحنا ما في الشام من عقائد معتلة، وأمور مختلة، وآراء فاسدة، وأمراء متحاسدة، وأطماع غالبة، وعقول غائبة، وحفظنا الولد القائم بعد أبيه، فأنا به أولى من قوم يأكلون الدنيا باسمه، ويظهرون الوفاء في خدمته وهم عاملون بظلمه.
والمراد الأن هو كل ما يقوى الدولة، ويؤكد الدعوة، ويجمع الأمة، ويحفظ الألفة، ويضمن الرأفة، ويفتح بقية البلاد، وأن يطبق بالاسم العباسى كل ما تطبقه العهاد، وهو: تقليد جامع بمصر، واليمن، والمغرب، والشام، وكلما تشتمل عليه الولاية النورية، وكل ما يفتحه الله للدولة العباسية بسيوفنا وسيوف عساكرنا، ولمن نقيمه من أخ أو ولد من بعدنا، تقليدا للنعمة تخليدا، وللدعوة تجديدا، مع ما ينعم به من السمات التي فيها الملك.
وبالجملة فالشام لا ينتظم أموره بمن فيه، والبيت المقدس ليس له قرن يقوم به ويكفيه، والفرنج فهم يعرفون منا خصما لا يمل الشر حتى يملوا، وقرنا لا يزال محرم السيف حتى يحلوا؛ وإذا شدّ رأينا حسن الرأى ضربنا بسيف يقطع في غمده، وبلغنا المنى بمشيئة الله ويد كل مؤمن تحت برده، واستنقذنا أسيرا من المسجد الذى أسرى الله إليه بعبده ".