الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يحظى من عوارفنا الجزيلة بحسن الصنيعة ونجح الوسيلة، ومن أخلد إلى الأرض واتبع هواه، وأعرض عن حق دينه بالإقبال على باطل دنياه، فإن تاب (1) ورجع قبلناه، وإن أصرّ على غوايته أزلنا يده وعزلناه ".
وعيّن له في المنشور إربل وقلعتها وأعمالها جميع ما قطعه الزاب الكبير:
شهرزور (2) وأعمالها، معايش (3) بنى قفجاق، ومعايش بيت القرابلى، الدست والزرزارية.
[259]
ووصلت رسل زين الدين إلى السلطان تخبره أن عسكر الموصل وعسكر قزل - صاحب العجم - نازلوا إربل مع مجاهد الدين قايماز، وأنهم نهبوا وأحرقوا، وأنه نصر عليهم وكسرهم، فكان ذلك مما حرّك السلطان على التوجه إلى الموصل لحصارها.
ذكر مسير السلطان إلى البلاد الشرقية
ثم سار السلطان من دمشق وتقدم إلى العساكر فتبعته، وسار على طريق المغار ويبوس (4) البقاع وبعلبك، ثم ساروا إلى حمص ثم إلى حماة، وأقام القاضى الفاضل بدمشق، وأقام السلطان بحماة إلى أن خرجت السنة.
(1) النص في الروضتين: «فإن أناب قبلناه» .
(2)
في الروضتين: «بشهرزور» .
(3)
الأصل: «بنفايس» ، وما هنا عن الروضتين.
(4)
الأصل: «المعار وسوس البقاع» ، وما هنا عن (الروضتين، ج 2، ص 60).
وفى هذه السنة توفى قطب الدين إيلغازى بن نجم الدين ألبى بن حسام الدين نمرتاش بن إيلغازى بن أرتق، وملك بعده ولده حسام الدين [يولق أرسلان](1) فقام بتدبير أمره نظام الدين ألبقش مملوك والده.
ودخلت سنة إحدى وثمانين وخمسمائة والسلطان بحماة، ثم سار منها إلى حلب، فالتقاه أخوه الملك العادل صاحبها، واجتمعت العساكر بها، ثم سار السلطان منها في صفر، وقطع الفرات، وأقام العسكر ثلاثة أيام للعبور، ثم وصل حرّان - وصاحبها مظفر الدين كوكبورى بن زين الدين على كوجك - وكان قد التقاه بالبيرة، وكان يراسل السلطان في كل وقت، ويشير عليه بقصد الموصل، ويقوى طمعه في ذلك، حتى أنه بذل له خمسين ألف دينار، وأن يقوم بكل ما يحتاج إليه من النفقات والغرامات، فلما وصل السلطان إلى حرّان لم يف له بما بذل من المال، فأنكر ذلك وارتاب به، وظن أن ميله إلى أصحاب الموصل، ووشت الأعداء به، وذكروا أن نيته قد تغيرت، فحلف للسلطان أنه لم يتغير وأن ما التزمه الرسول لم يكن بأمره، فقبض السلطان عليه ليتبين أمره، وشاور فيه أصحابه، فأشار بعضهم باتلافه، وبعضهم باستبقائه، فعفا (2) السلطان عنه على أن يسلم إليه قلعتى الرّها وحرّان، ففعل ذلك وهو مسرور ببقاء نفسه، ثم رضى عنه بعد ذلك، وأعيدت له القلعتان في آخر السنة لما حقق براءته.
ثم رحل السلطان من حرّان في ثانى ربيع الأول من السنة إلى رأس عين، ووصل في ذلك اليوم رسول الملك قلج أرسلان بن مسعود - صاحب بلاد الروم - يخبره أن ملوك الشرق [260] بأسرهم قد اتفقت كلمتهم على قصده
(1) الأصل: «حسام الدين يرتق» وقد صحح الاسم بعد مراجعة (زامباور: معجم الأنساب، الترجمة العربية، ص 345)؛ وقد كان لقطب الدين ايلغازى المتوفى ولدان صغيران هما: حسام الدين يولق أرسلان، وناصر الدين أرتق أرسلان، وقد وليا الحكم الواحد بعد الآخر، ولكنهما كانا تحت سيطرة نظام الدين ألبقش، الذى اغتاله ناصر الدين أرتق أرسلان في سنة 601 هـ.
(2)
الأصل: «فعفى» .
إن لم يعد عن الموصل وماردين، وأنهم على عزم ضرب المصاف معه إن أصر على ذلك، فرحل السلطان إلى دنيسر، فوصلها ثامن ربيع الأول عماد الدين قرا أرسلان، ومعه عسكر أخيه نور الدين - صاحب آمد والحصن - فالتقاهم السلطان واحترمهما وأكرمهما، ثم رحل طالبا (1) الموصل فوصل إلى نصيبين، وجاءه معز الدين سنجر شاه بن سيف الدين غازى بن مودود ابن زنكى - صاحب الجزيرة - فأكرمه السلطان، ثم سار من أقرب الطرق من دجلة، وتنكّب طريق الدولعية، فنزل على بلد آخر ربيع الأول، ثم توجه إلى الموصل، وخيّم على الإسماعيليات.
وقدم عليه زين الدين يوسف - صاحب إربل - فأرسل السلطان - وهو على بلد قبل نزوله الإسماعيليات - القاضى ضياء الدين أبا الفضائل القسم ابن يحيى بن عبد الله بن الشهرزورى إلى الخليفة بما عزم عليه من حصر الموصل، وذكر أن أهلها يخطبون لسلطان العجم، وينقشون السكة باسمه، وأنهم يراسلون الفرنج، ويغرونهم على قصد بلاد المسلمين، وأنه لم يأت لأجل الازدياد في الملك ولا لقلع البيت القديم وقطع أصله، وإنما مقصوده ردهم إلى طاعة الخليفة ونصرة الإسلام، وردّهم عما اعتادوه من الظلم واستحلال المحارم، وقطعهم عن مواصلة العجم، وإلزامهم بما يجب عليهم من حفظ الجار وصلة الرحم؛ فهذا صاحب الجزيرة وهو ابن أخى صاحب الموصل عز الدين ولى عهد أبيه لم يرع فيه ذمة أخيه، وأبعده عما يستحقه بالإرث، وقطع رحمه وأخافه، ولو تمكن منه لأهلكه، ولولا خوفه منه لما أفضى [إلى](2) هذا المقام،
(1) الأصل: «طالب» .
(2)
ينقل المؤلف هنا عن العماد مع تغيير طفيف، والنص عند العماد (الروضتين، ج 22 ص 62)، «. . لما التجأ إلى هذا الجانب، ولما اختار الأجانب على الأرقاب، وهذا صاحب إربل جار الموصل أبوه زين الدين على. . . إلخ» .