الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر قصد الفرنج
حصار البيت المقدس وكفاية الله المسلمين شرهم
ولما جرى ما ذكرناه وقوى الفرنج بما حصل لهم من الغنيمة صحّ عزمهم على قصد القدس، فرتبوا (1) جماعة على لدّ يحفظون الطريق على من ينقل الميرة (1)، وأنفذوا الكندهرى إلى صور وأطرابلس وعكا يستحضر من فيها من المقاتلة، ليصعدوا إلى القدس (2)، ولما علم السلطان بقصدهم قسّم أسوار القدس على الأمراء، وتقدم إليهم في تهيئة أسباب الحصار، وأخذ في إفساد المياه ظاهر القدس، فأخرب الصهاريج والجباب بحيث لم يبق حول القدس ما يشرب أصلا.
ولما كانت ليلة الخميس تاسع عشر جمادى الآخرة أحضر السلطان الأمراء عنده، وحضر الأمير حسام الدين أبو الهيجاء السمين، وسيف الدين المشطوب، والأسدية بأسرهم، وجماعة الأمراء.
قال القاضى بهاء الدين بن شداد:
" أمرنى السلطان أن أكلمهم وأحثهم على الجهاد، فذكرت ما يسر الله من ذلك، وكان مما قلته: إن النبى صلى الله عليه وسلم لما اشتد به الأمر بايعه الصحابة - رضى الله عنهم - على الموت في لقاء العدو، ونحن أولى من تأسى به صلى الله عليه وسلم، والمصلحة الاجتماع عند الصخرة والتحالف
(1) مكان هذه الفقرة في س: " فوتبوا جماعة الذى يقطعون الطريق على من ينقل الميرة " وما بالمتن هو الصحيح، فهو يتفق والأصل المنقول عنه وهو ابن شداد، أنظر (الروضتين، ج 2، ص 198).
(2)
الأصل: " إلى السلطان "، والتصحيح عن المرجع السابق وس (130 أ).
على الموت، فلعل ببركة هذه النية يندفع العدو، فاستحسن [الجماعة](1) ذلك، ووافقوا [399] عليه.
ثم شرع السلطان بعد أن سكت زمانا في صورة مفكر (2)، والناس سكوت كأن على رؤوسهم الطير، وقال:
" الحمد لله، والصلاة على رسول الله، اعلموا أنكم جند الإسلام اليوم ومنعته (3)، وأنتم تعلمون أن دماء المسلمين وأموالهم وذراريهم متعلقة في ذممكم (4)، وأن هذا العدو ليس له من المسلمين من يلقاه ألا أنتم، فلو لويتم أعنتكم - والعياذ بالله - طوى البلاد طىّ السجل للكتاب، وكان ذلك في ذمتكم، فإنكم أنتم الذين تصديتم لهذا، وأكلتم [مال] (1) بيت مال المسلمين، فالمسلمون في سائر البلاد متعلقون بكم، والسلام ".
فانتدب (5) لجوابه سيف الدين المشطوب، وقال:
«يا مولاى: نحن مماليك وعبيدك، وأنت الذى أنعمت علينا، وكبّرتنا وعظمتنا وأعطيتنا وأغنيتنا، وليس لنا إلا رقابنا وهى بين يديك، والله ما يرجع أحد منا عن نصرتك إلى أن يموت ".
فقال الجماعة مثل ما قال، وانبسطت نفس السلطان بذلك المجلس، وطاب قلبه، وأطعمهم، ثم انصرفوا.
(1) ما بين الحاصرتين عن: (ابن شداد: السيرة، ص 212)
(2)
الأصل: " فكر "، والتصحيح عن المرجع السابق.
(3)
الأصل: " وشيعته "، والتصحيح عن المرجع السابق.
(4)
الأصل: " ذمتكم "، والتصحيح عن المرجع السابق، وهو الأصل المنقول عنه هنا.
(5)
الأصل: " فابتدر "، والتصحيح عن المرجع السابق.
ثم انقضى يوم الخميس (1) على أشد حال من التأهب والاهتمام حتى كان العشاء الآخرة، واجتمعنا في خدمته على العادة، وسهرنا حتى مضى هزيع (2) من الليل وهو غير منبسط على عادته، ثم صلينا العشاء، وكانت الصلوة هى الدستور العام، فصلينا وأخذنا في الانصراف.
قال القاضى بهاء الدين:
فاستدعانى رحمه الله وقال لى: " أعلمت ما الذى تجدّد "؟
قلت: " لا "
قال:
فإن أبا الهيجا نفّذ إلىّ اليوم، وقال: إنه اجتمع عندى المماليك والأمراء، وأنكروا علينا موافقتنا لك على الحصار والتأهب له، وقالوا لا مصلحة في ذلك [فإننا نخاف أن نحصر](3) ويجرى علينا مثل ما جرى على أهل عكا، والرأى أنا نلقى مصاف، فإن قدّر الله أنا نهزمهم ملكنا بقية بلادهم، وإن تكن الأخرى سلم العسكر ومضى القدس، وقد انحفظت بلاد الإسلام وعساكرها مدة بغير (4) القدس.
وكان رحمه الله عنده من القدس أمر عظيم لا تحمله الجبال، فشقت عليه هذه الرسالة.
(1) الأصل: " الجمعة " والتصحيح عن: (ابن شداد: السيرة، ص 212) و (الروضتين، ج 2، ص 198) وس (130 ب).
(2)
الأصل: " ربع "، والتصحيح عن المرجعين السابقين.
(3)
الأصل: " بأننا نحصر "، والتصحيح عن المرجعين السابقين.
(4)
أضيف ما بين الحاصرتين بعد مراجعة (ابن شداد: السيرة اليوسفية، ص 213)، والنص في س:" بمضى القدس ".
قال:
وأقمت تلك الليلة في خدمته إلى الصباح، وهى من الليالى التي أحياها في سبيل الله.
وكان [400] مما قالوه له في الرسالة:
" إنك إن أردتنا نقيم فتكون معنا أو بعض أهلك حتى نجتمع عنده، وإلا فالأكراد (1) لا يدينون للأتراك، والأتراك لا يدينون للأكراد ".
وانفصل الحال على أن يقيم من أهله الملك الأمجد مجد الدين - صاحب بعلبك - وكان رحمه الله يحدث نفسه بالمقام، تم امتنع من ذلك لما فيه من خطر على الإسلام، فلما قارب الصبح أشفقت عليه، وخاطبته في أن يستريج ساعة لعل العين تأخذ حظها من النوم، وانصرفت عنه إلى دارى، فما وصلت إلا والمؤذن قد أذن، فأخذت في أسباب الوضوء، فما فرغت إلا والصبح قد طلع، وكنت أصلى الصبح في غالب الأوقات عنده، فصرت إلى خدمته وهو يجدد الوضوء، فصلينا، ثم قلت له:
" قد وقع لى واقع أعرضه ".
فأذن فيه، فقلت:
المولى في اهتمامه وما قد حمّل نفسه من هذا الأمر مجتهد فيما هو فيه، وقد عجزت أسبابه الأرضية، فينبغى أن يرجع إلى الله تعالى، وهذا يوم جمعة، وهو أبرك أيام الأسبوع، وفيه دعوة مستجابة في صحيح الأحاديث، ونحن في أبرك موضع نقدر أن نكون فيه (2) في يومنا هذا، فالسلطان يغتسل للجمعة ويتصدق بشئ خفية بحيث لا يشعر أنه منك، وتصلى بين الأذان والإقامة ركعتين تناجى فيهما ربك وتفوض مقاليد أمرك إليه، وتعترف بعجزك عما تصديت له، فلعل الله يرحمك ويستجيب دعاك ".
(1) الأصل: " فأكراد "، والتصحيح عن المرجعين السابقين.
(2)
الأصل: " أن يكون في يومنا "، والتصحيح عن:(الروضتين، ج 2، ص 199) 7
وكان رحمه الله حسن العقيدة تام الإيمان، يتلقى الأمور الشرعية بأكمل انقياد وقبول، فلما كان وقت الجمعة صليت إلى جانبه في الأقصى، وصلى ركعتين، ورأيته ساجدا ودموعه تتقاطر على مصلاه رحمه الله ثم انقضت الجمعة بخير، ولما كان عشيتها ونحن في خدمته على العادة، فوصلت رقعة من عز الدين جرديك - وكان في اليزك - يقول فيها:
" إن القوم ركبوا بأسرهم ووقفوا على ظهر في البر، ثم عادوا إلى خيامهم وقد سيرنا جواسيس تكشف أخبارهم ".
ولما كان صبيحة السبت - وهو الحادى والعشرون من جمادى الآخرة - وصلت رقعة أخرى تخبر أن الجواسيس رجعوا فأخبروا أن القوم اختلفوا في الصعود إلى القدس أو الرحيل [401] إلى بلادهم، فذهب الفرنسيسية إلى الصعود إلى القدس وقالوا:
" إنما جئنا من بلادنا بسبب القدس، ولا نرجع دونه ".
وقال الانكلتير:
" إن هذا الموضع قد أفسدت مياهه ولم يبق حوله ماء أصلا، فمن أين نشرب؟ "
فقالوا له:
" نشرب من ماء نقوع "(1) - وبينه وبين القدس مقدار فرسخ -
فقال:
" كيف نذهب إلى السقى؟ "
(1) الأصل: " يقوع "، وما هنا عن:(ابن شداد: السيرة اليوسفية، 214)، و (الروضتين، ج 2، ص 199) ولم أجد لهذا النهر ذكرا عند ياقوت، وإنما أشار إلى قرية اسمها " نقوع " وقال إنها من قرى بيت المقدس، يضرب بجودة عسلها المثل.