الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وساق أبقارهم وخرّب ديارهم، فثفع في القوم خاله شهاب الدين محمود بن تكش - صاحب حماة - وكانوا قد راسلوه في ذلك - لأنهم جيرانه -، فرحل عنهم وقد انتقم منهم.
وكان الفرنج قد غاروا على البقاع، فخرج إليهم الأمير شمس الدين محمد بن عبد الملك المعروف بابن المقدّم، وكان ببعلبك قد أقطعه السلطان إياها، فقتل منهم وأسر أكثر من مائتى أسير، وأحضرهم عند السلطان وهو محاصر مصياف [193] ثم وصل السلطان إلى حماة وقد استكمل الظفر.
اجتماع السلطان
بأخيه الملك المعظم شمس الدولة توران شاه بن أيوب
كنا قد ذكرنا مسير الملك المعظم شمس الدولة فخر الدين توران شاه بن أيوب إلى بلاد اليمن، وفى سنة إحدى وسبعين فارق اليمن بعد أن استناب بها، وقصد خدمة أخيه السلطان الملك الناصر، فوصل إلى دمشق في ذى الحجة، ثم رحل عنها متوجها إلى السلطان فاجتمع به بمدينة حماة، فتعانقا في المخيم في الميدان، وسر السلطان بلقياه سرورا شديدا، وكان عند مفارقته اليمن قد كتب إلى السلطان كتابا ضمنه أبياتا من شعر ابن المنجم (1) المصرى أولها:
الشوق أولع بالقلوب واوجع،
…
فعلام أدفع منه ما لا يدفع
ومنها:
وحملت من وجد الأحبّة مفردا
…
ما ليس يحمله الأحبّة أجمع
لا يستقرّ بى الهوى في موضع
…
إلا تقاضانى الترحّل موضع
(1) هو نشو الدولة على بن مفرج المنحم. انظر ترجمته في: (العماد: الخريدة، قسم شعراء مصر، ج 1، ص 168 - 169) و (السيوطى، حسن المحاضرة، ج 1، ص 326).
وإلى صلاح الدين أشكو إنّنى
…
من بعده مضنى الجوانج موجع
جزعا لبعد الدار عنه، ولم أكن
…
- لولا هواه - لبعد دار اجزع
فلا ركبنّ إليه متن عزائمى،
…
ويخبّ بى ركب الغرام ويوضع
حتى أشاهد منه أسعد طلعة
…
من أفقها صبح السعادة يطلع
فكتب إليه السلطان كتابا ضمنه قصيدة لعماد الدين الكاتب منها:
مولاى شمس الدولة الملك الذى
…
شمس السيادة من سناه تطلع
مالى سواك من الحوادث ملجأ،
…
مالى سواك من النوائب مفزع
ولأنت فخر الدين فخرى في العلا
…
وملاذ آمالى وركنى الأمنع
وبغير قربك كلما أرجوه من
…
درك المنى متعذر متمنع
النصر إن أقبلت نحوى مقبل،
…
واليمن إن أسرعت نحوى مسرع
ثم سار السلطان إلى دمشق فدخلها سابع عشر صفر، وملّكها لأخيه الملك المعظم [194] شمس الدولة، وعزم على العود إلى الديار المصرية.
وفى المحرم من هذه السنة - أعنى سنة اثنين وسبعين وخمسمائة - توفى القاضى كمال الدين الشهرزورى (1)، وعمره ثمانون سنة، وكان في الأيام النورية إليه قضاء القضاة والتحكم في الدولة، وكان السلطان الملك الناصر متولى الشحنكية (2) بدمشق أيام نور الدين، فكان كمال الدين يعكس مقاصده،
(1) هو أبو الفضل محمد بن أبى محمد عبد الله بن أبى أحمد القاسم الشهرزورى، انظر ترجمته في:(ابن خلكان: الوفيات، ج 3، ص 375 - 378) و (أبو شامة: الروضتين، ج 1، صفحات كثيرة منه) و (السبكى: طبقات الشافعية، ج 4، ص 54) و (سبط ابن الجوزى: مرآة الزمان، ج 8، ق 1 ص 327 و 340 - 341) و (ابن كثير: البداية والنهاية، ج 12، ص 296) و (ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة، ج 6، ص 79 - 80) و (ابن العماد: شذرات الذهب، ج 4، ص 243).
(2)
انظر: (مفرج الكروب، ج 1، ص 7، هامش 5).
ويكسر أغراضه، ويعترض عليه في أموره، لتوخى كمال الدين الأحكام الشرعية؛ فلما صار الملك الناصر إلى ما صار إليه من الملك وافتتح دمشق صار كمال الدين أحد قضاة بلاده؛ ولم يؤاخذه على ما صدر منه في حقه، بل أكرمه واحترمه واستشاره وعظمه، وكان ابن أخيه ضياء الدين بن تاج الدين الشهرزورى قد قصد خدمة السلطان بالديار المصرية في أول ملكه، فأقطعه وأحسن إليه، ثم وصل معه إلى الشام، واستمر في صحبته، فلما اشتد بعمه كمال الدين المرض أراد أن يبقى القضاء في بيته، فوصى بالقضاء لابن أخيه ضياء الدين علما منه أن السلطان يمضى ذلك لأجل قدم هجرته عنده، ثم توفى والسلطان محاصر حلب وجلس ابن أخيه ضياء الدين في القضاء.
وكان الشيخ شرف الدين أبو سعد عبد الله بن أبى عصرون (1) قد هاجر من حلب إلى السلطان، وأنزله عنده بدمشق، وهو رئيس أصحاب الإمام الشافعى - رحمة الله عليه - في وقته؛ والمقيم بالفتوى في زمانه فآثر السلطان أن يفوض القضاء إليه، وكره عزل ضياء الدين بن الشهرزورى، فأفضى بسره إلى القاضى الفاضل، وكان الفقيه ضياء الدين عيسى الهكارى (2) يتعصب للشيخ شرف الدين لأنه شيخه، فاستشعر ضياء الدين - لما بلغه ذلك - من العزل، وأشير عليه بالاستعفاء، ففعل، فأعفى، وأبقيت عليه الوكالة الشرعية عن السلطان في بيع الأملاك.
ولما استعفى ضياء الدين من القضاء لم يبق في منصب القضاء إلا فقيه يعرف بالأوحد داود، كان ينوب عن كمال الدين، فأمره السلطان بالاستمرار، وكان السلطان مائلا إلى بيت زكى الدين [195] فأمر الشيخ شرف الدين باستنابة
(1) هو شرف الدين أبو سعد عبد الله بن السرى محمد بن هبة الله بن مطهر بن على بن أبى عصرون ابن أبى السرى، التميمى، الحديثى، ثم الموصلى. انظر ترجمته في:(ابن خلكان: الوفيات ج 2، ص 256 - 209) و (الصفدى: نكت الهميان، ص 185 - 186).
(2)
للتعريف به انظر: (مفرج الكروب، ج 1، ص 161، هامش 2).
القاضى محيى الدين أبى المعالى محمد بن زكى الدين والأوحد داود، وكتب لهما بالقضاء توقيع سلطانى، فكانا في حكم المستقلين، وإن كانا في الظاهر نائبين عن الشيخ شرف الدين بن أبى عصرون.
ولم يزل شرف الدين متوليا للقضاء من سنة اثنين وسبعين إلى أن عاد السلطان من مصر، فتكلم الناس في ذهاب نور بصره، وأن من يكون أعمى لا يصلح للقضاء، وفى المسألة وجهان، واختار شرف الدين وجه الجواز وكأنه الأظهر إذ لا يمتنع أن يعتمد على تعريف عدلين بمن يحضر من الخصوم كما في المترجمين بالنسبة إلى القاضى الأصم، فأشار القاضى الفاضل (1) على السلطان أن يفوض القضاء إلى ولده محيى الدين أبى حامد محمد بن شرف الدين، ويكون هو الحاكم في الحقيقة، ويظهر أنه نائب عن أبيه، بحيث لا يظهر للناس صرفه عن القضاء، ففعل السلطان ذلك، واستمر هذا الأمر إلى سنة سبع وثمانين وخمسمائة، فصرف عن القضاء، واستقل به القاضى محيى الدين بن زكى الدين إلى آخر أيام السلطان الملك الناصر رحمه الله.
وفى أواخر صفر من هذه السنة - أعنى سنة أثنتبن وسبعين وخمسمائة - تزوج السلطان بعصمة الدين الخاتون بنت الأمير معين الدين أنر التي كانت زوجة نور الدين - رحمه الله تعالى -.
(1) ذكر ابن خلكان أن شرف الدين هذا صنف جزء الطيفا في جواز قضاء الأعمى، ثم علق على هذا الحادث بقوله:«ورأيت في كتاب (الزوائد) تأليف أبى الحسن العمرانى صاحب كتاب (البيان) وجها أنه لا يجوز، ووقع لى كتاب جميعه بخط السلطان صلاح الدين - رحمه الله تعالى - قد كتبه من دمشق إلى القاضى الفاضل وهو بمصر، وفيه فصول من جملتها حديث الشيخ شرف الدين المذكور، وما حصل له من العمى، وأنه يقول إن قضاء الأعمى جائز، وإن الفقهاء قالوا: إنه غير جائز، فتجتمع بالشيخ أبى الطاهر بن عوف الإسكندرانى، وتسأله عما ورد من الأحاديث في قضاء الأعمى، هل يجوز أم لا؟ وبالجملة فلا شك في فضله» . وقد ناقش هذه المشكلة (الصفدى: نكت الهميان، ص 60 - 61).