الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ووصل من اليمن ولد أخيه سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين بن أيوب، فتلقاه بالإكرام؛ قلت: أظنه هو الملك المعز إسماعيل بن سيف الإسلام، فإن أباه أخرجه من عنده مرتين خوفا على نفسه منه، وسنذكر أخباره في موضعه اللائق به إن شاء الله تعالى.
ثم سار السلطان بين البساتين يطلب جهة المنيبع حتى أتى القلعة، فعبر على الجسر إليها، وكانت هذه آخر ركباته رحمه الله.
ذكر وفاة السلطان الملك الناصر
صلاح الدين أبى المظفر يوسف بن أيوب - رحمه الله تعالى
-
ولما دخل السلطان إلى القلعة بعد لقاء الحاج وجد ليلة السبت سادس عشر صفر كسلا عظيما، فما [418] انتصف الليل حتى غثيته حمى صفراوية وكان ما في باطنه منها أكثر مما في ظاهره، وأصبح يوم السبت وعليه أثر الحمى، ولم يظهر للناس ذلك.
قال القاضى بهاء الدين:
فحضرت عنده أنا والقاضى الفاضل، ودخل ولده الملك الأفضل، وطال جلوسنا عنده، وأخذ يشكو من قلقه بالليل، وطاب له الحديث إلى قريب الظهر، ثم انصرفنا والقلوب عنده، فتقدم إلينا بالحضور على الطعام في خدمة ولده الملك الأفضل، ولم يكن للقاضى الفاضل عادة بذلك، فانصرف (1)، ودخلت الإيوان القبلى وقد مدّ الطعام، والملك الأفضل قد جلس في موضعه، فانصرفت، وما كان لى قوة على الجلوس
(1) الأصل: «فانصرفت» والتصحيح عن ابن شداد.
استيحاشا، وبكى في ذلك اليوم جميع من حضر، وتفاولنا بجلوس ولده في موضعه؛ ثم أخذ المرض يتزايد من حينه، ونحن نلازم التردد في طرفى النهار، وأدخل أنا والقاضى الفاضل في النهار مرارا، ونعطى (1) الطريق في بعض الأيام التي يجد فيها خفة.
وكان مرضه في رأسه، ورأى الأطباء فصده ففصدوه في الرابع، فاشتد مرضه، وقلّت رطوبات بدنه، وتزايد به المرض إلى أن انتهى إلى غاية الضعف، ولقد أجلسناه في السادس من مرضه، وأسندنا ظهره إلى مخدة، وأحضرنا ماء فاترا ليشر به عقيب شراب يلين الطبع، فوجده شديد الحرارة، فشكا (2) من شدة حرّه، فغيّر وعرض عليه ثانيا، فشكا (2) من برده، ولم يغضب، ولم يقل سوى هذه الكلمات:
" سبحان الله، لا يمكن أحد تعديل الماء؟ "
فخرجت أنا والقاضى الفاضل من عنده وقد اشتد بنا البكاء، والقاضى الفاضل يقول:
" أبصر هذه الأخلاق التي قد أشرف المسلمون على مفارقتها؛ والله لو أن هذا بعض آحاد الناس كان قد ضرب بالقدح رأس من أحضره ".
واشتد مرضه في السادس والسابع والثامن، ولم يزل متزايدا (3) ويغيب ذهنه،
ولما كان التاسع حدثت به رعثة، وامتنع من تناول المشروب، واشتد الإرجاف في البلد، ونقلوا الأقمشة من الأسواق، وغشى الناس من البكاء والحزن مالا يمكن حكايته.
(1) الأصل، «ونعطا» .
(2)
الأصل: «فشكى» .
(3)
الأصل: «متزايد» .
ولقد كنت أنا والقاضى الفاضل نقعد كل ليلة إلى أن يمضى من الليل ثلث أو قريب [419] منه، ثم نحضر في باب الدار، فإن وجدنا طريقا دخلنا وشاهدناه، وإلا انصرفنا، وكنا نجد الناس يرتقبون خروجنا إلى بيوتنا حتى يعرفوا أحواله من صفحات وجوهنا.
ولما كان اليوم العاشر من مرضه حقن دفعتين، وحصل له من الحقنة راحة، وحصل بعض الخفة، وتناول من ماء الشعير مقدارا جيدا صالحا، وفرح الناس فرحا شديدا، فأقمنا على العادة إلى أن مضى من الليل هزيع، ثم أتينا باب الدار فوجدنا جمال الدولة إقبالا، فالتمسنا منه تعريف الحال المتجدد، فدخل ثم أنفذ إلينا مع الملك المعظم توران شاه - ولد السلطان - يقول:" إن العرق قد أخذ في ساقيه "، فشكرنا الله تعالى على ذلك، وانصرفنا طيبة قلوبنا، ثم أصبحنا فأخبرنا أن العرق قد أفرط حتى نفذ من الفراش، وتأثرت به الأرض، وأن اليبس قد تزايد تزايدا عظيما، وخارت القوة، واستشعر الأطباء.
ولما رأى الملك الأفضل ما حلّ بوالده (1) وتحقق اليأس منه شرع في تحليف الناس، وجلس في دار رضوان المعروفة بسكناه، واستحضر القضاة، وعمل له نسخة يمين (2) مختصرة محصلة للمقاصد (3)، تتضمن الحلف للسلطان مدة حياته، وله بعد وفاته، واعتذر إلى الناس بأن المرض قد اشتد، وما يعلم ما يكون.
وكان ممن حلف من أعيان الأمراء: سعد الدين مسعود أخو بدر الدين مودود الشحنة، (4) وناصر الدين منكورس بن ناصر الدين خمارتكين - صاحب صهيون -
(1) الأصل: «بولده» .
(2)
الأصل: «نسختين مختصرة. . . الخ» ، والتصحيح عن:(الروضتين، ج 2، ص 213)
(3)
الأصل: «للقاصد» ولا يستقيم بها المعنى، والتصحيح عن ابن شداد.
(4)
الأصل: «سعد الدين مسعود وأخوه بدر الدين مودود والشحنة ناصر الدين الخ. . .» وهى عبارة مضطربة، وقد صححت بعد مراجعة (ابن شداد: السيرة اليوسفية، ص 248) و (الروضتين، ج 2، ص 213).
وسابق الدين عثمان بن الداية - صاحب شيرز -، وخوشترين (1) الهكّارى، ونوشروان الزرزارى، وعلكان، ومنكلان؛ ثم مدّ الخوان وأكلوا.
ولما كان العصر أعيد مجلس التحليف، وأحضر فارس الدين ميمون القصرى، وشمس الدين سنقر الكبير، وعز الدين أسامة (2)، وسنقر المشطوب (3)، والفارس البكى (4)، وأيبك الأفطس (5)، وأخو [الأمير] سياروخ (6)، وحسام الدين بشارة، ولم يحضره أحد من الأمراء المصريين، ولا تعرض لهم.
ولما كانت ليلة الأربعاء [420] السابع والعشرين من صفر من هذه السنة - أعنى سنة تسع وثمانين وخمسمائة - وهى ليلة الثانى عشر من مرضه، اشتد بالسلطان المرض، وضعفت قوته، ووقع في أوائل الأمر من أول الليل؛ واستدعيت أنا والقاضى الفاضل في تلك الليلة، والقاضى محيى الدين بن زكى الدين، وهو يومئذ قاضى القضاة بدمشق، ولم تكن عادته الحضور في ذلك الوقت، وعرض علينا الملك الأفضل أن نبيت عنده، فلم ير القاضى الفاضل ذلك رأيا؛ فإن الناس كانوا في كل ليلة ينتظرون نزولنا من القلعة، وخاف أن لا ننزل فيقع الصوت في البلد، وربما نهب الناس بعضهم بعضا، فرأى المصلحة في نزولنا، واستحضار الشيخ أبى جعفر - إمام الكلامة - ليبيت في القلعة، حتى إن احتضر بالليل حضر عنده وحال بينه وبين النساء؛ وذكّره بالشهادة؛ ففعل ذلك، ونزلنا.
(1) الأصل: «جوسر بن الهكارى» ، والتصحيح عن ابن شداد والروضتين.
(2)
الأصل: «شامة» ، والتصحيح عن الروضتين.
(3)
الأصل: «المطلوب» ، والتصحيح عن المرجعين السابقين.
(4)
الأصل: «البك» ، والتصحيح عن:(الروضتين» ج 2، ص 213).
(5)
الأصل: «فطيس» ، والتصحيح عن المرجع السابق.
(6)
الأصل: «وأخو ساروج» وقد أضيف ما بين الحاصرتين وصحح الاسم عن المرجع السابق