الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وحكى من بسالته وشجاعته:
أنه كان إذا اشتد الحرب يطوف بين الصفين ومعه صبى واحد، وعلى يده جيب، ويخرق العساكر من الميمنة إلى الميسرة يرتب الأطلاب، ويأمرهم بالوقوف في مواضع يراها.
ولقد قرئ عليه جزء من الحديث بين الصفين، وذلك أنى قلت له: قد سمع الحديث في جميع المواطن الشريفة، وما نقل أنه سمع بين الصفين، فإن رأى المولى أن يؤثر عنه ذلك كان حسا، فأذن فيه، فأحضر جزءا هناك مما له به سماع، فقرئ عليه، ونحن على ظهور الدواب بين الصفين، نمشى تارة ونقف أخرى.
ولقد انهزم المسلمون يوم المصاف الأكبر بمرج عكا حتى القلب ورجاله، ووقع الكوس والعلم، وهو ثابت القدم في نفر يسير، وقد انحاز إلى الجبل، فجمع الناس وردّهم وخجلهم حتى يرجعوا، ولم يزل كذلك حتى كثر المسلمون على العدو، وفى ذلك اليوم قتل منهم زهاء سبعة آلاف ما بين فارس وراجل، ولم يزل مصابرا لهم إلى أن صالحهم حين رأى ظهور ضعف المسلمين، ورأى المصلحة لهم في ذلك.
وحكى من قوة عزمه على الجهاد وشغفه به قال:
" لما أخذ السلطان كوكب في ذى القعدة سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وأعطى العساكر دستورا، وأخذ عسكر مصر في العود إلى مصر، وكان مقدمه أخاه الملك العادل، فسار ليودعه ويحظى بصلاة العيد في القدس، ففعل، ووقع له أن يمضى معهم إلى عسقلان ويودعهم، ثم يعود على طريق الساحل يتفقد البلاد الساحلية إلى عكا، ويرتب أحوالها، فأشاروا عليه ألا يفعل، فإن العساكر إذا فارقتنا نبقى في عدة يسيرة والفرنج كلهم بصور، وهذه مخاطرة عظيمة، فلم يلتفت، وودّع أخاه والعسكر بعسقلان، ثم سرنا على الساحل طالبين عكا،
وكان الزمان عظيما، والبحر هائجا هيجانا عظيما، وموجه كالجبال [427] كما قال الله تعالى، وكنت حديث عهد برؤية البحر، فعظم أمر البحر عندى، حتى خيّل إلىّ أنه لو قال لى قائل لو جزت في البحر ميلا واحدا ملكتك الدنيا لما كنت أفعل، واستخففت برأى من يركب البحر رجاء كسب دينار أو درهم، واستحسنت رأى من لا يقبل شهادة راكب البحر، هذا كله خطر ببالى لعظم الهول الذى شاهدته من عظم البحر وتموجه، فبينا أنا في ذلك إذ التفت إلى وقال:
" في نفسى أنه متى يسّر الله تعالى فتح بقية الساحل قسمت البلاد وأوصيت وودعت، وركبت هذا البحر إلى جزائره، وأتبعهم فيها حتى لا أبقى على وجه الأرض من يكفر بالله أو أموت "
فعظم وقع هذا الكلام عندى حيث ناقض ما كان يخطر لى، وقلت له:
" ليس في الأرض أشجع نفسا من المولى، ولا أقوى نية في نصرة دين الله عز وجل "
وحكيت له ما خطر لى، ثم قلت له:
" هذه نية جميلة، ولكن المولى يسير في البحر العساكر، ويبقى سور الإسلام، ولا ينبغى أن يخاطر بنفسه ".
قال:
" فأنا أستفتيك، ما أشرف الميتات؟ "
قلت:
" الموت في سبيل الله "
فقال:
" غاية ما في الباب أن أموت أشرف الميتات ".
قال:
ولقد مرض السلطان ونحن على الخروبة، وكان قد تأخر عن تل الحجل بسبب مرضه، فبلغ العدو ذلك، فخرجوا طمعا أن ينالوا من المسلمين شيئا بسبب مرضه، وهى نوبة النهر، فخرجوا مرحلة إلى الآبار إلى تحت التل، ثم رحل العدو في اليوم الثانى يطلبنا، فركب رحمه الله على مضض، ورتب العسكر للحرب، وجعل أولاده في القلب، ونزل هو وراء القلب في طلبه، وكلما سار العدو يطلب رأس النهر سار وهو يستدير إلى ورائهم، حتى يقطع بينهم وبين خيامهم، وهو يركب رحمه الله ساعة، وينزل يستريح، ويظلل بمنديل على رأسه من شدة وقع الحر، ولا ينصب له خيمة حتى لا يرى العدو به ضعفا.
ولم يزل كذلك حتى نزل العدو برأس النهر، ونزل هو قبالتهم على تل مطل عليهم، إلى أن دخل الليل، ثم أمر العساكر أن يعودوا إلى محل المصابرة، وأن يبيتوا تحت السلاح، [428] وتأخر هو إلى وراء الجبل، وضربت له خيمة لطيفة.
قال:
فبت تلك الليلة أجمع، أنا والطبيب نمرضه ونشاغله، وهو ينام تارة ويستيقظ أخرى، حتى لاح الصباح، ثم ضرب البوق، وركب رحمه الله، وركبت العساكر، وأحدقت بالعدو، ورحل العدو عائدا إلى خيمه من الجانب الغربى من النهر، وضايقه المسلمون مضايقة شديدة.
وفى ذلك اليوم قدم أولاده بين يديه احتسابا: الأفضل، والظاهر، والظافر، وجميع من حضره منهم، ولم يزل يبعث من عنده حتى لم يبق عنده إلا أنا والطبيب، وعارض الجيش، والغلمان بأيديهم الأعلام والبيارق لا غير، فيفطن الرائى لها
من البعد أن تحتها خلقا كثيرا، وليس تحتها إلا واحد [يعدّ](1) بخلق عظيم، وبقى في موضعه والعساكر على ظهور الخيل قبالة العدو إلى آخر النهار وإلى آخر الليل، ثم أمرهم أن يبيتوا على [مثل](1) ما باتوا عليه بارحتهم، وبتنا على ما بتنا عليه إلى الصباح، وعاد العسكر إلى ما كان عليه بالأمس من مضايقة العدو.
قال:
ولقد رأيته وقد جاءه خبر [وفاة](1) ولد له بالغ أو مراهق يسمى إسماعيل، فوقف على الكتاب، ولم يعرّف أحدا حتى سمعناه من غيره، ولم يظهر عليه شئ من ذلك، سوى أنه لما قرأه دمعت عيناه رحمه الله.
قال:
ولقد رأيته وقد وصله خبر وفاة، الملك المظفر تقى الدين رحمه الله ونحن في مقابلة الفرنج جريدة على الرملة، وفى كل ليلة تقع الصيحة فتقلع الخيام، ويقف الناس على ظهر إلى الصباح، والعدو يبارز (2) وبيننا وبينهم شوط فرس لا غير، فأحضر الملك العادل، وسليمان بن جندر، وعز الدين ابن المقدم، وسابق الدين بن الداية، وأمر الناس فبعدوا عن الخيمة بحيث لم يبق حولنا أحد عن غلوة سهم، ثم أظهر الكتاب ووقف عليه، وبكى بكاء شديدا حتى أبكانا من غير أن نعلم السبب، ثم قال رحمه الله والعبرة تخنقه:
" توفى تقى الدين "، فاشتد بكاؤه، وبكى الجماعة، ثم عدت إلى نفسى، فقلت:
" استغفروا الله من هذه الحالة، وانظروا أين أنتم وفيم أنتم، واعرضوا عما سواه ".
(1) ما بين الحاصرتين عن (الروضتين، ج 2، ص 222).
(2)
الأصل: «يبارزوا» .
فقال رحمه الله:
[429]
" نعم، أستغفروا الله "، وأخذ يكررها.
ثم قال: " لا يعلم هذا أحد ".
ثم ذكر بهاء الدين رحمه الله من حسن خلقه، قال:
كنت في خدمته بمرج عيون قبل خروج الفرنج إلى عكا - يسّر الله فتحها -، وكان من عادته أنه إذا نزل من الركوب يمد الطعام، ويأكل مع الناس، ثم ينهض إلى خيمة خاص له ينام فيها، ثم يستيقظ من منامه، [ويصلى](1) ويجلس خلوة، وأنا في خدمته، يقرأ شيئا من الحديث أو شيئا من الفقه، ولقد قرأ علىّ كتابا مختصرا لسليم الرازى، يشتمل على الأرباع الأربعة في الفقه.
ونزل يوما على عادته ومد الطعام بين يديه، ثم عزم على النهوض، فقيل له:
" إن وقت الصلاة قد قرب "، فعاد إلى الجلوس، وقال:
" نصلى وننام ".
ثم جلس يتحدث حديث متضجر، وقد أخلى المكان إلا عمن لزم، فتقدم إليه مملوك كبير محترم عنده، وعرض عليه قصة لبعض المجاهدين، فقال له:
" أنا الآن ضجر أخرها ساعة ".
(1) أضيف ما بين الحاصرتين عن: ابن شداد و (الروضتين، ج 2، ص 223).
فلم يفعل، وقدّم القصة بيده إلى قريب من وجهه بحيث يقرأها، فوقف على الاسم المكتوب على رأسها، فعرفه، وقال:" رجل يستحق "، فقال:
" يوقع له المولى "، فقال:
" ليست الدواة حاضرة "، وكان جالسا على باب الخركاة (1)، فالتفت فرأى الدواة فقال:
" والله لقد صدق ".
ثم امتد على يده اليسرى، ومد يده اليمنى فأحضرها، ووقع فيها.
فقلت له:
قال الله تعالى:
{" وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ "} وما أرى المولى إلا وقد شاركه في هذا الخلق.
فقال: " ما ضرنا شئ، قضينا حاجته وحصل الثواب ".
قال:
ولقد كانت طراحته تداس عند التزاحم عليه لعرض القصص، وهو لا يتأثر بذلك.
قال:
ولقد نفرت بغلتى من الجمال، وأنا راكب في خدمته، فزحمت وركه حتى لمته، وهو يبتسم.
(1) راجع ما فات هنا، ص 45، هامش 2
قال:
لقد دخلت بين يديه في يوم ريح مطير إلى القدس، وكان إذ ذاك كثير الوحل، فنضحت البغلة عليه من الطين حتى أهلكت جميع ما كان عليه، وهو يبتسم، وأردت التأخر عنه لذلك، فما تركنى.
ولقد واجهه الجناح بما واجهه به لما امتنع العسكر [430] عن الأنكلتير، وقد تقدم ذكر ذلك في موضعه، وظن الناس أنه ربما يصلب أو يقتل، وفى ذلك اليوم نزل ببازور وقد وصله من دمشق فاكهة كثيرة، فطلب الأمراء ليأكلوا، فحضروا، فرأوا من بشره وانبساطه ما أحدث لهم الأمن والطمأنينة والسرور.
قال:
ولقد قلبت في خزائنه كيسان من الذهب المصرى وكيسان (1) من الفلوس، فما عمل بالنواب شيئا سوى أنه صرفهم عن العمل.
قال:
لقد كان حافظا لأنساب العرب، [و] خيلهم، عالما بعجائب الدنيا ونوادرها بحيث كان يستفيد محاضره منه ما لا يسمعه من غيره.
قال:
وكان يسأل الواحد منا عن مرضه ومداواته، ومطعمه ومشربه، وتقلبات أحواله.
وكان طاهر المجلس لا يذكر بين يديه أحدا إلا بالخير، وطاهر السمع فلا يحب أن يسمع عن أحد إلا الخير، وطاهر اللسان، فما رأيته أولع بشتم قط، وطاهر القلم فما كتب بقلمه أذى لمسلم قط.
(1) الأصل: «وكيسير» .
وكان حسن العقد والوفاء، وما أحضر بين يديه يتيم إلا وترحم على مخلفه، وجبر قلبه، وأعطاه خبز مخلفه، وإن كان له من أهله كبير يعتمد عليه سلّمه إليه، وإلا أبقى له من الخبز ما يكف حاجته، وسلمه إلى من يكفله، ويعتنى بتربيته.
قال عماد الدين الكاتب:
مات لموت السلطان الملك الناصر الرجال، وفات بفواته الأفضال، وغاضت الأيادى، وفاضت الأعادى، وانقطعت الأرزاق، وادلهمت الآفاق، وخاب الراجون، وعاب الملاحون، وطردت الضيوف، وأنكر المعروف، وفجع الزمان بواحده وسلطانه، ورزئ الإسلام بمشيد أركانه؛ كان رحمه الله حسن الأخلاق، طيب الأعراق، ضحوكا بمهابة، محوما بجلالة، يرشد إلى الهدى، ويهدى إلى الرشاد، معصب الكبائر، ولا يسامح بالصغائر، العاملون في عدله، والعالمون في فضله، والبلاد في أمنه، والعباد في منّه، والإسلام في حماية حميته، والدين في إدالة دولته.
ثم ذكر من هذا كثيرا، ولقد صدق في كل ما ذكر ووصفه به رحمه الله [431] ومدّ روحه -