الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
للملك المظفر تقى الدين أبى الفتح محمود بن محمد، ولم يزل مالكها إلى أن توفى بها سنة اثنين وأربعين وستمائة، فملكها بعده ولده مولانا ومالك رقنا السلطان الملك المنصور ناصر الدين أبو المعالى محمد بن محمود بن محمد بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب - رحمهم الله تعالى - فقد مضى من مدة ملكه وملك آبائه لها إلى يوم تأليف هذا الكتاب - وهو سنة إحدى وسبعين وستمائة - (1) نحو من سبع وتسعين سنة، ونحن نسأل الله سبحانه أن يديم ملكهم، وملك ذريتهم بها إلى يوم الدين.
ذكر كسرة الفرنج بمرج العيون
أجمع رأى السلطان ومن معه من المسلمين على أن يقتحموا على الفرنج بلادهم ويستوعبوا ما بقى في أيديهم من الغلات في يوم واحد ثم يرجعوا، فرحلوا صوب البقاع ليلة الأحد ثانى [209] المحرم سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
ولما أصبح السلطان جاءه الخبر أن الفرنج قد خرجت فالتقاهم، فنصر الله المسلمين عليهم، فأسر فرسانهم وشجعانهم، وانهزمت رجالتهم في أول اللقاء، فكان في جملة الأسرى مقدم الداويّة (2). ومقدم الاسبتارية (3). وصاحب
(1) هذا استطراد هام وطبيعى من المؤلف لتتبع أسماء من حكموا حماة - وطنه الأصلى - من بيت تقى الدين عمر إلى أن وصل إلى الملك المنصور الثانى الذى ألف هذا الكتاب باسمه، وأهم من هذا تحديده للسنة التي بدأ يؤلف فيها الكتاب وهى سنة 671 هـ. أنظر الجزء الأول من مفرج الكروب (المقدمة، ص 19، والمتن، ص 99 هامش 4، ص 113 هامش 3، ص 154).
(2)
أطلقت المراجع العربية والمسلمون المعاصرون هذا الاسم على جماعة فرسان المعبد (Templars) ومؤسس هذه الجمعية هو، (Hugh de payns) أسسها سنة 1119 م لحماية طريق الحجاج المسيحيين بين يافا وبيت المقدس، ولقد لعب فرسان هذه الطائفة ورصفاؤهم «الاسبتارية» دورا خطيرا طوال عصر الحروب الصليبية، أما اسم هذا المقدم الذى وقع أسيرا في هذه الوقعة فهو:
Odo of Saint - Amand،Grand Master of the Temple
انظر: (RUNCIMAN : OP .CIT .VOL .2 P. 420) .
(3)
انظر: (مفرج الكروب، ج 1، ص 188، هامش 2). ولم أعثر على اسم مقدم الاسبتارية الذى أسر في هذه المعركة.
الطبرية، وأخوه صاحب جبيل، وابن القومصية، وابن بارزان (1) صاحب الرملة؛ وصاحب جينين (2)، وقسطلان (3) يافا، وابن صاحب مرقيّة (4)، وعدة كثيرة من خيالة القدس وعكا، ومن البارونية (5)، وغيرهم من المقدمين ما يزيد على مائتين ونيف وسبعين سوى غيرهم، ونقلوا إلى دمشق، فبذل ابن بارزان في نفسه بعد سنة، مائة وخمسين ألف دينار صورية (6)، وإطلاق ألف أسير من المسلمين.
وكان الفقيه ضياء الدين عيسى (7) من نوبة الرملة عندهم، قالتزم فكاكه، واستفكت (8) القومصية ابنها بخمسة وخمسين ألف دينار صورية، وأما مقدم الداويّة - واسمه أود - فإنه هلك في السجن، فطلبت جيفته، فسلمت إليهم،
(1) هو: (Baldwin of Ibelin) .
(2)
الأصل: «جنين» وقد ضبطت بعد مراجعة (ياقوت: معجم البلدان) حيث ذكر أنها بليدة بين نابلس وبيسان.
(3)
الأصل: «قسطان» ، والتصحيح عن:(الروضتين، ج 2، ص 8)، وقسطلان معرب اللفظ اللاتينى (Castellanus) ومعناه مستحفظ القلعة، ويقابله في الفرنسية:(Chatelain) .
(4)
ضبطت بعد مراجعة (ياقوت: معجم البلدان) حيث ذكر أنها قلعة بساحل الشام قرب حمص.
(5)
الأصل: «البارندية» ، والتصحيح عن:(الروضتين، ج 2، ص 8).
(6)
انظر: (مفرج الكروب، ج 1، ص 269، هامش 7). ويضاف إلى ما هناك أن الأب لويس شيخو ذكر في (صالح بن يحيى: تاريخ بيروت، ص 149، هامش 2) أن الدينار الصورى ضرب في صور في أيام الدولة الفاطمية، وكان الذهب يساوى نحو خمسة عشر فرنكا ذهبيا من النقود الحالية. وقد كان الدينار الصورى أقل قيمة من الدينار المصرى، وعن دار الضرب في صور وعن الدينار الصورى وعن أنواع الدنانير المتداولة في مصر والشام في العصر الأيوبى راجع: (منصور بن بعرة الذهبى الكامل: (كشف الأسرار العلمية بدار الضرب المصرية، مخطوطة بدار الكتب المصرية
و Ehrenkreutz : Extracts from the technical Mauual on the Ayyubid Mint in Cairo .
B .S .O .A .S .1953،XV - 3 P. 424 - 447; Ehrenkieutz : The Standard of Fineness of gold coins Circulating in Egypt at the time of the Crusades .Journal of the American Oriental Society .vol 74،No .3 July - Sept .1954، P. 162 - 166 .
(7)
أنظر ما فات هنا، ص 61
(8)
الأصل: «واستفلتت» ، والتصحيح عن:(الروضتين، ج 2، ص 9).
وأخذ عوضا عنها أسير من المسلمين، وطال أسر الباقين، فمنهم من هلك في الأسر، ومنهم من خرج بقطيعة.
وكانت عدة العدو عشرة آلاف مقاتل، وانهزم ملكهم مجروحا، وكان لعز الدين فرخشاه في هذه الموقعة بلاء حسن، فحكى حسام الدين تميرك بن يونس - وكان مع عز الدين - قال:
" كنا في أقل من ثلاثين فارسا، قد تقدمنا العسكر، فشاهدنا من خيل الفرنج ستمائة فارس، واقفين على جبل، وبيننا وبينهم الماء، فأشار عز الدين أن نعبر النهر إليهم، ففعلنا، ولحقنا عسكر السلطان، فهزمناهم ".
ومن غريب الاتفاق أن في هذا اليوم بعينه ظفر الأسطول المصرى ببطسة (1) كبيرة، فاستولى عليها المسلمون، وعلى أخرى، وعاد إلى الثغر مستصحبا ألف رأس من السبى.
(1) البطسة أو البطسة، ويقال أحيانا بطشة أو بطشة، وقد تحرف إلى بسطة أو بسطة؛ والجمع بطسات وبطس، وبطشات وبطش. ذكر صاحب (محيط المحيط) أنها مأخوذة عن الاسبانية ومعناها السفينة الكبيرة، ويفهم من نصوص المراجع العربية في العصور الوسطى أنها كانت تستخدم أصلا للحرب، وقد تستخدم لنقل التجارة، وقال (على مبارك: الخطط التوفيقية، ج 14 ص 82):" ومن أسماء المراكب أيضا البطسة، وجمعها بطس، يقال: جهز الفرنج بطسا متعددة، وجعلوا على سوارى البطس أبراجا، ووجدوا بطسة فيها ثلاثمائة من الفرنج، وبطسة كبيرة تشتمل على ميرة وذخيرة "، ويفهم من هذه النصوص أيضا أن البطسة كانت تحمل في العادة ما بين 300 و 700 مقاتل، وسيشير ابن واصل فيما يلى هنا إلى بطسة كبيرة عند حديثه عن حصار عكا في سنة 587 هـ بقوله:" وكان السلطان قد أمر بتعبية بطشة عظيمة هائلة ببيروت، مشحونة بالآلات والأسلحة والمير والرجال والمقاتلة لتدخل إلى عكا، وكانت عدة المقاتلة بها ستمائة وخمسين رجلا. . . إلخ ". وسيصف أيضا بطسة كبيرة أخرى استعملت للقتال عند محاصرة برج الذبان في سنة 586 هـ. انظر أيضا: (صالح بن يحيى: تاريخ بيروت، نشر لويس شيخو، ص 31، هامش 3) و (KINDERMANN : Schiff im Arabischen P. P. 7 - 9) و (الشيال: معجم السفن العربية، مخطوطة لم تطبع بعد).
وفى هذه الوقعة يقول أبو على الحسن بن على الجوينى (1) يمدح السلطان:
لك ربّ السماء خير معين،
…
وكفيل لما تحبّ (2) ضمين
فله الحمد، أىّ نصر عزيز
…
قد حبانا به، وفتح مبين!
أدرك الثأر حين نازله المغ
…
ـوار حيف (3) الكفار ليث العرين
الهمام الغضنفر الملك النا
…
صر مولى الورى صلاح الدين
يا مليكا أضحى الزمان يناجي
…
ـه بلفظ المذلّل المسكين
فارقت أهلها الحصون إلى بأ
…
سك حتى عوّضتهم بالسجون (4)
وأراهم ربّ السماء بأسيا
…
فك ما لم يجل لهم في ظنون
لك قلب عند اللقاء مكين،
…
وله من تقاه ألف كمين
يا مليكا ما زال يلقى الأعادى،
…
وهو مستعصما بصدق اليقين (5)
إنّ هذا الفتح المبين شفاء
…
لصدور، وقرة لعيون
هو يوم أضحى كيوم حنين،
…
سهّل الله نصره في الحزون
(1) هو أبو على الحسن بن على بن إبراهيم، الملقب فخر الكتاب، الجوينى الأصل، والنسبة إلى جوين ناحية من نواحى نيسابور، كان من ندماء أتابك زنكى، واتصل بابنه نور الدين محمود، وسافر إلى مصر في أيام ابن رزيك وتوطن بها. توفى سنة 584 وقيل 586 بالقاهرة. أنظر:(ابن خلكان: الوفيات، ج 1، ص 398 - 399).
(2)
النص في (الروضتين، ج 2، ص 9): " وكفاه بما يحب ".
(3)
الأصل: " خوف "، وما هنا عن نفس المرجع.
(4)
الأصل: " عرضتهم للسجون " وما هنا صيغة الروضتين.
(5)
صيغة الروضتين: يا مليكا يلقى الحروب بحول الله مستعصما وصدق اليقين.