الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إن ابن أريقط كان قادرا على تسليم رسول الله (ص) وأبي بكر للمشركين، حيث كان الموعد المقرر له معهما ومع راحلتيهما، وإحباط مخطط الهجرة كله. لكنه كان موطن الثقة، مثل عنصر العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه وحضوره أخطر بيعة في التاريخ النبوي.
16 -
اختيار طريق الساحل:
وهذا من عظمة التخطيط النبوي كذلك حيث أن النبي (ص) لم يمض من الطريق المعتاد، الذي تمضي منه القوافل الذاهبة والغادية من الشام وإليها، إنما اختار طريقا آخر، قد يكون أقصر من الطريق العادي، ومن أجل هذا احتاج الركب إلى الدليل الخبير في مجاهل الطرق ومساربها.
17 -
الهادي على الطريق:
وتحسبا لأي طارىء، وعندما كان الصاحبان يلتقيان مع أحد على الطريق، وأبو بكر معروف لكثرة تردده على الطرق للتجارة، كان يسأل عمن معه فيجيب: هذا الرجل يهديني السبيل.
وصدق رضي الله عنه فهو عنى فضل النبي (ص) في هدايته سبل الرشاد ويحسب الرجل العادي أن محمدا (ص) هو خبير الطريق ودليله.
فلا يقع الكذب، وتقع التورية، ويتم الكتمان التام على الأمر حرصا على إنجاحه.
18 -
حيلة أسماء في المال:
حيث كات تخشى من جدها أبي قحافة الذي لم يكن قد أسلم، فهيأت الحجارة في الكوة وأخذت بيد جدها الضرير، وألقت بثوب على الحجارة، وتحسس أبو قحافة على الحجارة فحسبها دنانير ودراهم، فاطمأن باله، وسكت على الأمر، طالما أن أهل أبي
بكر في أمان (ولا والله ما ترك لنا شيئا، ولكن أردت أن أسكن الشيخ بذلك).
…
لقد كان التخطيط البشري إذن على أعلى مستوى يملكه البشر في هذا المجال، ومع ذلك، فقد وقعت الحادثتان المشهورتان، كان يمكن أن يكون بهما إحباط الخطة، وإنهاء الجماعة المسلمة في الأرض، كما كان أبو بكر رضي الله عنه يتحسب (فجعل يمشي ساعة بين يديه، وساعة خلفه، حتى فطن رسول الله (ص) فقال: ((يا أبا بكر ما لك تمشي ساعة خلفي وساعة بين يدي؟)) فقال: يا رسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك، وأذكر الرصد فأمشي بين يديك، فقال:((يا أبا بكر لو كان شيء لأحببت أن يكون بك دوني؟)) قال: نعم) (1)(إن قتلت فإنما أنا رجل واحد، وإن قتلت أنت هلكت الأمة)(2).
وكانت الحادثة الأولى: وصول المشركين للغار، كما ذكرنا في الصحيح (لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: ((يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟))).
لقد كان رسول الله (ص) في حالة من الأمن والطمأنينة، لم يصل إليها بشر في الأرض، وهو يرى نفسه بين يدي عدوه، لا يحول بينهما إلا التفاتة واحدة. وعمدما تجمع قوى الأرض على حرب محمد (ص)، فالله تعالى ناصره، وهو في الغار وبين يدي العدو.
(1) البيهقي في الدلائل 476/ 2.
(2)
الروض الأنف للسهيلي232/ 2.
لقد كان دخول الغار ذروة نصر الله تعالى في حماية عبده من عدوه، حين تطبق مكة كلها على قتله، وتصل إلى قاب قوسين منه، وأدنى من ذلك، فيصرف الله البصر عن النظر حتى إلى ما تحت القدمين، ويصد الجحفل الجرار المتلمظ للقتل، بأضعف جنود الله في الأرض .. بالعنكبوت.
فعن ابن عباس في قوله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك ..} (2) قال:
(تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم: إذا أصبح فاثبتوه بالوثائق - يريدون النبي (ص) - وقال بعضهم: بل اقلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه. فأطلع الله نبيه (ص) على ذلك فبات علي على فراش النبي (ص) تلك الليلة، وخرج النبي حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي (ص)، فلما أصبحوا ثاروا عليه، فلما رأوا عليا رد الله عليهم مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ فقال: لا أدري، فاقتفو أثره. فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم فصعدوا الجبل فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالو: لو دخل هاهنا أحد لم يكن نسيج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال) (3).
(1) سورة التوبة 40.
(2)
الأنفال من الآية 30.
(3)
البداية والنهاية لابن كثير 3/ 198. وقال: رواه الإمام أحمد ثم أتبع (وهذا إسناد حسن وهو أجود ما روي في قصة نسج العنكبوت، وذلك من حماية الله رسوله (ص)).
وصدق الشاعر إذ يقول:
نسج داود ما حمى صاحب الغا
…
ر وكان الفخار للعنكبوت
وكانت الحادثة الثانية، يوم أدركهم سراقة بن مالك، فساخت قوائم فرسه في الأرض حتى أيقن بالهلاك هو وفرسه، فطلب منهم الأمان لنفسه، وكان هو النصر الثاني لرسول الله (ص) بعد أن كان العدو الألد.
(فكان أول النهار جاهدا على نبي الله (ص)، وكان آخر النهار مسلحة (1) له) (2).
…
وما أحوجنا إلى وقفة مستأنية أمام هذه الصور:
إن كثيرا من الدعاة في عصرنا الحاضر - على صدق نياتهم وسلامة قلوبهم - حين يرون المحن تترى عليهم والتمكين يفوتهم، يعيدون الأسباب دوما لأقدار الله، في قوة أعدائهم، وإلى سنة الله في الدعوات والتمحيص فيها، وهم يتحدثون عن جانب من الحقيقة، ويغفلون عن جانب مهم آخر.
إنهم لا يراجعون مسيرهم أبدا، وكأنما هم لا يخطئون، ولا يقفون وقفة مراجعة لأعمالهم، وكأنما هم لا يقصرون، والمسؤولية دائما على غيرهم، ولو ذكروا بالخطأ الذي وقعوا به، أو التقصير الذي قاد للمحنة، لالتمسوا المعاذير، وتمسكوا بالتبريرات الواهية ليدفعوا عنهم هذا الخطأ والتقصير.
وإذا حوصروا بنقص الإعداد والتخطيط، أو ووجهوا بالتسرع قبل الأوان، للجؤوا إلى باب التوكل على الله، وأنه لا ضرورة لهذا الإعداد، أو لا
(1) مسلحة له: سلاحا له يدافع عنه ويرد عنه الطلب.
(2)
من حديث رواه البخاري ك. 63 ب. 45 ج 5 ص 79.
حرج في هذا التسرع.
إننا يوم نقف هذا الموقف، وتتمثل بنا الهزيمة تلو الهزيمة، ونعيد الأسباب دائما لقوة أعدائنا وتكالبهم علينا، وأن الهزيمة التي تنزل بنا لم تقع لنقص في التخطيط، أو نقص في الإعداد، أو تسرع في الخطا.
نكون نحن الخارجين على منهح الله تعالى، ويكون توكلنا على الله تعالى الذي ينصر حزبه ويعز جنده ليس هو التوكل الصحيح الذي أمرنا الله تعالى به، ودعانا إليه.
فإمام المتوكلين على الله تعالى، وأتقاهم لله، وأخشاهم له، كان توكله على الله بعد أن أعد كل الأسباب التي يملكها في عالم البشر، ومن أجل الهجرة رأينا الإعداد يمتد شهورا، حتى أذن الله تعالى بذلك وهاجر.
وحين أدى ما يملكه في عالم الأسباب، ووقعت المحنة في شيء خارج عن طاقته وقدرته، كانت ثقته بالله لا تحد، وتدخلت المعجزة الربانية مرتين، فحمته بأضعف خلق الله من الجبارين والطغاة في المرة الأولى، وكان نصر الله تعالى في الغار، بجنود لم نرها، وأضعف جند الله قادر على تحطيم مخططات أعداء الله.
وتحول الفارس الفاتك بعد أن رأى هلاكه أمامه إلى صديق في المرة الثانية، يصد كل محالات الوصول إلى رسول الله (ص)، ومن حيث كان الخطر الأكبر، صار الأمن الأكبر.
(ولما رجع سراقة جعل لا يلقى أحدا من الطلب إلا رده، وقال: