المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الخامساختياره من بيت شرف ونسب - فقه السيرة النبوية لمنير الغضبان

[منير الغضبان]

فهرس الكتاب

- ‌بين يدي البحث

- ‌أولامباحث تمهيدية

- ‌الفصل الأولمعنى السيرة النبوية وأهميتها

- ‌تعريف بالسيرة النبوية:

- ‌أهمية السيرة النبوية:

- ‌دراسة السيرة عبادة:

- ‌مصادر السيرة:

- ‌أولا: القرآن الكريم:

- ‌ثانيا كتب السنة:

- ‌ثالثا: كتب السير والتراجم:

- ‌رابعا: كتب الدلائل والشمائل والمعجزات والخصائص:

- ‌خامسا: كتب التاريخ والأدب:

- ‌مدى عناية المسلمين بها:

- ‌وكلمة عن ابن هشام وعمله في سيرة ابن إسحاق:

- ‌السيرة النبوية خلال القرون:

- ‌الفصل الثانيالنبوة

- ‌حاجة البشر إلى الأنبياء:

- ‌حاجتهم إلى خاتم الأنبياء:

- ‌الإيمان هو الأصل والشرك طارئ:

- ‌النبوة اجتباء من الله تعالى واصطفاء:

- ‌الفصل الثالثلمحة عن‌‌ أصل العرب وعقيدتهم

- ‌ أصل العرب وعقيدتهم

- ‌طروء الشرك عليهم:

- ‌عناية الإسلام بسد ذرائع الشرك:

- ‌الفصل الرابعنبذة عن حياة العرب

- ‌أصول العرب:

- ‌ العرب البائدة:

- ‌ العرب العاربة:

- ‌ العرب العدنانية:

- ‌الحالة الدينية:

- ‌الطواغيت:

- ‌الحالة السياسية:

- ‌ الملك باليمن:

- ‌الملك بالحيرة

- ‌الملك بالشام:

- ‌الإمارة بالحجاز:

- ‌الحياة الاجتماعية والخلقية:

- ‌الحالة الاقتصادية:

- ‌الحالة الخلقية:

- ‌محمد صلى الله عليه وسلم قبل البعثة

- ‌الفصل الخامساختياره من بيت شرف ونسب

- ‌الفصل السادسيتم النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌رضاعه صلى الله عليه وسلم:

- ‌الفصل السابععمله ب‌‌الرعيوالتجارة

- ‌الرعي

- ‌التجارة:

- ‌الفصل الثامنحفظ الله تعالى لنبيه قبل البعثة

- ‌لقاؤه مع بحيرا الراهب:

- ‌أمره بستر عورته:

- ‌أمر الجاهلية:

- ‌وقوفه بعرفات:

- ‌الفصل التاسعمشاركته في أحداث قومه

- ‌حضوره حرب الفجار

- ‌شهوده حلف الفضول:

- ‌بناء الكعبة والتحكيم:

- ‌الفصل العاشرزواجه من خديجة

- ‌العهد المكي للدعوة

- ‌الفصل الحادي عشرالوحي

- ‌الفصل الثاني عشرمراحل الدعوة

- ‌الفصل الثالث عشرمن أسلوب المخالفين في مواجهة الدعوة

- ‌أولا: التشويه:

- ‌ثانيا: التهديد:

- ‌ثالثا: التعذيب:

- ‌رابعا: الترغيب:

- ‌ المال:

- ‌ الجاه:

- ‌ النساء:

- ‌خامسا: التعجيز:

- ‌سادسا: الاغتيال:

- ‌سابعا: المقاطعة:

- ‌الفصل الرابع عشرسنة الله تعالى في الابتلاء

- ‌ تزكية الفرد:

- ‌ نفي الخبث عن الدعوة:

- ‌ الدعاية لها:

- ‌ جذب بعض العناصر القوية إليها:

- ‌وجوب الصبر على الابتلاء

- ‌الفصل الخامس عشرالاستفادة من قيم الجاهلية

- ‌الفصل السادس عشروطن الداعية حيث مصلحة الدعوة

- ‌الهجرة إلى الحبشة:

- ‌قريش تحاول إعادة المهاجرين إليها:

- ‌تخطيط ذكي جديد:

- ‌مؤامرة جديدة تتحطم:

- ‌ثانيا: عرض رسول الله (ص) نفسه على ثقيف

- ‌ثالثا: عرض نفسه على القبائل

- ‌بنو شيبان:

- ‌الفصل السابع عشرالإسراء والمعراج ودلالتهما

- ‌حديث الإسراء

- ‌حديث المعراج

- ‌الفصل الثامن عشرالهجرة إلى المدينة

- ‌أولا: أسبابها:

- ‌ثانيا: التخطيط لها وأهميتها في تاريخ الدعوة:

- ‌ تهيئة الركب:

- ‌ شراء البعيرين وعلفهما:

- ‌ جاء في نحر الظهيرة:

- ‌ مجيئه مقنعا:

- ‌ الأمر بإخراج الناس من البيت:

- ‌ تهيئة الزاد:

- ‌ الخروج من خوخة أبي بكر:

- ‌ كتمان الأمر:

- ‌ الخروج إلى الغار:

- ‌ عبد الله يتلقط الأخبار:

- ‌ عامر بن فهيرة يعفو على الأثر:

- ‌ ابن فهيرة وغنمه للزاد كذ

- ‌ رسول الله (ص) لا يبيت على فراشه:

- ‌ مبيت علي رضي الله عنه في الفراش:

- ‌ اختيار الدليل المناسب:

- ‌ اختيار طريق الساحل:

- ‌ الهادي على الطريق:

- ‌ حيلة أسماء في المال:

- ‌أهمية الهجرة في تاريخ الدعوة:

- ‌ثالثا: دور الشباب والمرأة في الهجرة:

- ‌العهد المدني للدعوة

- ‌الفصل التاسع عشرتنظيم المجتمع النبوي

- ‌أولا: بناء المسجد:

- ‌ثانيا: المؤاخاة:

- ‌ثالثا: وثيقة المدينة (الدستور الإسلامي):

- ‌الباب الأول

- ‌الباب الثاني

- ‌الباب الثالث

- ‌ دستور الدولة الإسلامية الجديدة

- ‌ الباب الأول: حقوق وواجبات المسلمين في الدولة المسلمة:

- ‌ الباب الثاني: حقوق وواجبات غير المسلمين في الدولة المسلمة

- ‌ الباب الثالث: أحكام عامة للمواطنين عامة:

- ‌الفصل العشرونالإذن في الجهاد

- ‌أولا: مرحلة كف اليد:

- ‌ثانيا: الإذن في الجهاد:

- ‌ثالثا: أهمية الجهاد في الإسلام:

- ‌الفصل الحادي والعشرونأهم السرايا والغزوات

- ‌أولا: الإحصاء الإجمالي:

- ‌ثانيا: سرية عبد الله بن جحش:

- ‌الفصل الثاني والعشرونغزوة بدر

- ‌أولا: أسباب الغزوة وأهدافها:

- ‌ثانيا: الاستشارة التي غيرت وجه المعركة:

- ‌ثالثا: استقصاء المعلومات عن العدو:

- ‌رابعا: من أحداث الغزوة:

- ‌خامسا: أهمية الغزوة:

- ‌سادسا: آثارها:

- ‌الفصل الثالث والعشرونغزوة أحد

- ‌أسباب الغزوة:

- ‌أحداث الغزوة:

- ‌قوانين النصر والهزيمة:

- ‌التمحيص في أحد:

- ‌النماذج الإيمانية الرائعة:

- ‌القيادة النبوية العظيمة:

- ‌آثار المعركة:

- ‌ من حيث موقف المسلمين في المدينة:

- ‌ من حيث جرأة العرب على المؤمنين:

- ‌ من حيث الموقف مع قريش:

- ‌كيف عالج القرآن أثر المحنة

- ‌الفصل الرابع والعشرونغزوة الخندق

- ‌أسباب الغزوة:

- ‌أحداث الغزوة:

- ‌الفصل الخامس والعشرونغزوة الحديبية

- ‌أحداث الحديبية:

- ‌الفصل السادس والعشرونغزوة خيبر

- ‌أحداث الغزوة:

- ‌من فقه الغزوة:

- ‌الفصل السابع والعشرونغزوة مؤتة

- ‌أحداث الغزوة:

- ‌من فقه الغزوة:

- ‌الفصل الثامن والعشرونفتح مكة

- ‌ أحداث الغزوة:

- ‌من فقه الغزوة:

- ‌الفصل التاسع والعشرونغزوة حنين

- ‌أحداث الغزوة:

- ‌من فقه الغزوة:

- ‌الفصل الثلاثونغزوة تبوك

- ‌أحداث الغزوة:

- ‌من فقه الغزوة:

- ‌الفصل الحادي والثلاثونمواقف المنافقين من الدعوة

- ‌ النفاق في مكة:

- ‌ بداية التجمع:

- ‌ دورهم في غزوة بني قينقاع:

- ‌ دورهم في غزوة أحد

- ‌ تآمرهم مع بني النضير

- ‌ المنافقون يوم الأحزاب

- ‌ الفريق الأول:

- ‌ الفريق الثاني:

- ‌ الفريق الثالث:

- ‌ المنافقون يوم بني المصطلق

- ‌ بعد الحديبية وفتح مكة

- ‌الفصل الثاني والثلاثونمواقف اليهود من الدعاة

- ‌ الموقف الديني:

- ‌ المواقف السياسية

- ‌المواقف العسكرية

- ‌الفصل الثالث والثلاثونأزواج النبي (ص)

- ‌المرحلة الأولى: حتى الخامسة والعشرين:

- ‌ عنف صبوة الشباب وتأجج العاطفة

- ‌المرحلة الثانية: حتى الخمسين من عمره

- ‌ زواجه من خديجة رضي الله عنها

- ‌المرحلة الثالثة: حتى الخامسة والخمسون من العمر

- ‌ الزواج بعائشة وسودة

- ‌المرحلة الرابعة: من الخامسة والخمسين حتى الستين

- ‌بقية نسائه

- ‌(أ) حفصة بنت عمر رضي الله عنها:

- ‌(ب) زينب بنت خزيمة

- ‌(ج) أم سلمة:

- ‌(د) زينب بنت جحش:

- ‌(هـ) أم حبيبة بنت أبي سفيان

- ‌(و) جويرية بنت الحارث:

- ‌(ز) ريحانة بنت زيد:

- ‌(ح) صفية بنت حيي:

- ‌(ط) مارية القبطية:

- ‌(ي) ميمونة بنت الحارث:

- ‌المرحلة الخامسة: من الستين إلى الثالثة والستين

- ‌لم يتزوج فيها رسول الله

- ‌خاتمة

- ‌الفصل الرابع والثلاثونعالمية الدعوة: أدلتها ومظاهرها من السيرة

- ‌ كتب رسول الله (ص) إلى كل ملوك الأرض

- ‌ كتاب هرقل عظيم الروم:

- ‌ كتاب كسرى عظيم الفرس

- ‌ الكتاب إلى المقوقس ملك مصر:

- ‌ الكتاب إلى النجاشي ملك الحبشة:

- ‌ بقية الكتب:

- ‌الفصل الخامس والثلاثونأخلاقه صلى الله عليه وسلم

- ‌وجوب محبته ومن لوازم محبته اتباعه:

- ‌نماذج من تربيته (ص) لأصحابه:

- ‌الفصل السادس والثلاثونوفاته صلى الله عليه وسلم. وبيعة الصديق

- ‌قبل أربعة أيام: يوم الخميس:

- ‌قبل ثلاثة أيام: يوم الجمعة:

- ‌قبل يوم واحد:

- ‌آخر يوم من الحياة:

- ‌اللحظات الأخيرة:

- ‌جهاز رسول الله (ص) ودفنه

- ‌تكفين رسول الله:

- ‌حفر القبر:

- ‌الصلاة على رسول الله ثم دفنه:

- ‌الفصل السابع والثلاثونبيعة الصديق وحروب الردة

- ‌الانقلاب على العقب:

- ‌إنفاذ جيش أسامة:

- ‌مانعو الزكاة:

- ‌ الكتاب الذي وجهه الصديق إلى هؤلاء المردة المرتدين

- ‌بسم الله الرحمن الرحيم:

- ‌ثبت المراجع والمصادر

- ‌المحتوى

الفصل: ‌الفصل الخامساختياره من بيت شرف ونسب

‌الفصل الخامس

اختياره من بيت شرف ونسب

عن شداد أنه سمع واثلة بن الأسقع يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (1).

عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله إن قريشا جلسوا فتذاكروا أحسابهم بينهم، فجعلوا مثلك كمثل نخلة في كبوة من الأرض. قال النبي صلى الله عليه وسلم:(إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم، من خير فرتهم وخير الفريقين، ثم تخير القبائل فجعلني من خير قبيلة، ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفعسا وخيرهم بيتا)(2).

وعن المطلب بن أبي وداعة قال: جاء العباس إلى رسول الله فكأنه سمع شيئا. فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: «من أنا؟! قالوا: أنت رسول الله عليك السلام، قال: «أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب إن الله خلق الخلق فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة.، ثم

(1) مسلم ب. الفضائل 43، ب. فضل نسب النبي صلى الله عليه وسلم 1/ ح 1 - 2276 ج 4 ص 1782.

(2)

الترمذي باب فضل النبي صلى الله عليه وسلم 50/ 1/ 3607. وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن.

ص: 67

جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا وخيرهم نفسا» (1).

(وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إنا لقعود بفناء النبي صلى الله عليه وسلم إذ مرت بنا امرأة فقال بعض القوم: هذه ابنة الرسول صلى الله عليه وسلم. فقال أبو سفيان: مثل محمد في بني هاشم مثل الريحانة في وسط النتن، فانطلقت المرأة فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الغضب، فقال: «ما بال أقوال تبلغني عن أقوام؟ إن الله خلق السموات سبعا فاختار العليا منها، وأسكنها من شاء من خلقه، ثم خلق الخلق فاختار بني آدم، واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر، واختار من مضر قريشا، واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم. فأنا خيار من خيار من خيار فمن أحب العرب فبحبي أحبهم ومن ابغض العرب فببغص ابغضهم»)(2).

وعن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك» قلت: يا رسول الله، كيف أبغضك، وبك هداني الله، قال:«تبغض العرب فتبغضني» (3).

(1) المصدر السابق 50/ 1/ 3608، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن.

(2)

ذكره ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم 155 وقال: ومن الأحاديث التي تذكر في هذا المعنى ما رويناه من طرق معروفة إلى محمد بن اسحاق الصنعاني، وفي مجمع الزوائد. قال الهيمثي: رواه الطبراني في الكبير والأوسط (8/ 215) وفيه حماد بن واقد وهو ضعيف يعتبر به، وبقية رجاله وثقوا.

(3)

الترمذي: باب مناقب في فضل العرب 50/ 70/ 3927 قال: هذا حديث حسن غريب.

ص: 68

أي شك بعد هذه الأحاديث الصريحة الواضحة يمكن أن يرد في شرف نسب النبي صلى الله عليه وسلم؟؟

إنه سيد ولد آدم، وخيرهم خلقا، وخيرهم فرقة، وخيرهم قوما، وخيرهم بيتا، وخيرهم نفسا .. وما كان أحد يماري في هذا الفضل في جاهلية ولا إسلام إلا أن يكون مبغضا حاسدا، أو ذا غرض وهوى.

لقد كانت العرب تعرف لهم هذا الفضل.

(.. ودفع صلى الله عليه وسلم هو وأبو بكر رضي الله عنه إلى مجلس من مجالس العرب فتقدم أبو بكر فسلم وقال: ممن القوم؟ قالوا: من ربيعة (1) قال: وأي ربيعة من هامتها أو لهازمها (2)؟ قالوا: بل الهامة العظمى، قال: من أيها؟ قالوا: من ذهل الأكبر. قال: منكم حامي الذمار ومانع الجار فلان؟ قالوا: لا. قال: منكم قاتل الملوك وسالبها فلان؟ قالوا: لا. قال: منكم صاحب العمامة المفردة فلان؟ قالوا: لا. قال: فلستم من ذهل الأكبر، أنتم ذهل الأصغر. فقام إليه شاب حين بقل وجهه (أي طلع شعر وجهه) فقال له: إن على سائلنا أن نسأله.

يا هذا إنك قد سألتنا فأخبرناك، فمن الرجل؟ فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أنا من قريش، فقال الفتى: بخ بخ أهل الشرف والرياسة، فمن أي قريش أنت؟ قال: من ولد تيم بن مرة. فقال الفتى: أمكنت. ثم قال:

(1) الشعبان العظيمان اللذان تتناسل منهما العرب العدنانية هما ربيعة ومضر وكان صلى الله عليه وسلم من مضر.

(2)

الهامة: رأس كل شيء، واللهزم عظمان ناتئان تحت الأذنين والمقصود من أصولها أو من فروعها.

ص: 69

أمنكم قصي (1) الذي كان يدعى مجمعا، قال: لا. قال: منكم هاشم (1) الذي هشم الثريد لقومه؟ قال: لا. قال: فمنكم شيبة الحمد عبد المطلب مطعم طير السماء الذي كأن وجهه القمر يضيء في الليلة الظلماء؟ قال: لا

) (2).

فقد كانت ربيعة تعلم فضل مضر وقريش وبني هاشم.

والمشهور أن (عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما وضع ديوان العطاء «كتب الناس على قدر أنسابهم فبدأ بأقربهم نسبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما انقضت العرب ذكر العجم» هكذا كان الديوان على عهد الخلفاء الراشدين وسائر الخلفاء من بني أمية وولد العباس إلى أن تغير الأمر بعد ذلك)(3).

وعندما وضع عمر الديوان رضي الله عنه «قالوا: يبدأ أمير المؤمنين بنفسه، فقال: لا. ولكن ضعوا عمر بحيث وضعه الله تعالى. فبدأ بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم من يليهم. حتى جاءت نوبته في بني عدي وهم متأخرون عن أكثر بطون قريش» (4).

وهذه الشهادة كذلك قدمها جعفر بن أبي طالب أمام النجاشي «حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه» (5).

(1) قصي وهاشم وعبد المطلب من أجداد النبي صلى الله عليه وسلم، ويلتقي النبي مع أبي بكر رضي الله عنه في مرة جد قصي.

(2)

السيرة الحلبية لابن برهان الدين 2/ 155 وقد رواه أبو نعيم والحاكم والبيهقي عن عكرمة عن ابن عباس.

(3)

و (4) اقتضاء الصراط المستقيم 159 و 161.

(5)

السيرة لابن هشام 1/ 661.

ص: 70

وقدمها المغيرة بن شعبة الثقفي بين يدي يزدجرد:

أيها المك، إن هوتاء رؤوس العرب ووجوههم، وهم أشراف يستحيون من الأشراف، وإنما يكرم الأشراف الأشراف، ويعظم حقوق الأشراف الأشراف.

ثم قال:

(فبعث الله إلينا رجلا معروفا، نعرف نسبه ونعرف وجهه ومولده، فأرضه خير أرضنا، وحسبه خير أحسابنا، وبيته أعظم بيوتنا، وقبيلته خير قبائلنا. وهو بنفسه كان خيرنا ..)(1).

وعندما قال لوط عليه الصلاة والسلام لقومه وقد أرادوا إيذاءه في ضيفه:

(لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد} (2).

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعقيبا على قوله: «رحم الله لوطا كان يأوي إلى ركن شديد، وما بعث الله بعده نبيا إلا وهو في ثروة من قومه» (3).

وشعيب عليه الصلاة والسلام كان في منعة من قومه وهم الذين خافهم الكافرون فقالوا: {يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز} (4).

(1) البداية والنهاية لابن كثير 7/ 46 فصل في غزوة القادسية.

(2)

هود: 80 والركن الشديد هو لجوؤه إلى الله تعالى.

(3)

رواه الحاكم، وهو حديث حسن كما ذكر الألباني في صحيح الجامع الصغير 3/ 176/ 3493.

(4)

هود:91.

ص: 71

إنها سنة الله تعالى إذن في رسله أن يبعث الرسول في منعة من قومه، وأن يكون من بيت حسب ونسب وشرف. وشاءت إرادته تعالى أن يحوز محمد عليه الصلاة والسلام الشرف كله في المخلوقات ثم الشعوب ثم القبائل ثم البيوت ثم النفوس. فهو أشرف مخلوق في هذا الوجود.

ومن أجل هذا رأينا المرحلة المكية كلها والتي استمرت ثلاثة عشر عاما، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحياها في منعة من قومه وعشيرته الأدنين، من بني هاشم والمطلب، بينما وقف بنو عبد شمس وبنو نوفل على الحياد، وهما من بني عبد مناف، وخاضت قريش بعدها الحرب ضد النبي صلى الله عليه وسلم، لكنها لم تتمكن من النيل منه وهو في هذه الأرومة.

وأشد ما رأينا من كيد قريش يوم كتبوا الصحيفة القاطعة الظالمة:

تعاقدوا فيها على (ألا يناكحوا بني هاشم وبني عبد المطلب ولا يبايعوهم ولا يكلموهم لا يجالسوهم حتى يسلموا إليهم محمدا صلى الله عليه وسلم (1).

فماذا كان الموقف؟ وماذا فعلت العصبة القبلية؟

«انحازت بنو هاشم وبنو عبد المطلب مؤمنهم وكافرهم ليلة هلال المحرم سنة سبع من النبوة- إلا أبا لهب وولده فإنهم ظاهروا قريشا على بني هاشم- فصاروا في شعب أبي طالب محصورين مضيقا عليهم أشد التضييق نحوا من ثلاث سنين، وقد قطعوا عنهم الميرة والمادة فكانوا لا يخرجون إلا من موسم إلى موسم حتى بلغهم الجهد، وكان حكيم بن حزام (2) بن خويلد تأتيه العير تحمل

(1) إمتاع الأسماع للمقريزي 1/ 25.

(2)

حكيم بن حزام بن خويلد عمته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها. فكان دافع القرابة هو الذي يدفع لذلك.

ص: 72

الحنطة من الشام فيقبلها الشعب ثم يضرب أعجازها فيدخل عليهم. فيأخذون ما عليها من الحنطة، (1).

وما انتهى الحصار بعد ثلاث سنين إلا من خلال العصبية القبلية:

«ثم سعى في نقض الصحيفة أقوام من قريش، وكان أحسنهم في ذلك بلاء هشام بن عمرو (2) مشى في ذلك إلى زهير بن أبي أمية (3)، وإلى مطعم بن عدي (4)، وإلى أبي البختري بن هشام (5)، وإلى زمعة بن الأسود (6). وكان سهل بن بيضاء (7) الفهري هو الذي مشى إليهم حتى اجتمعوا عليه، واتعدوا خطم الحجون بأعلى مكة وتعاهدوا هناك على نقض الصحيفة وما زالوا حتى شقوها ..» (8).

وأن ينحاز المسلمون إلى شعب أبي طالب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلقوا ما يلقوا من الجهد فأمر طبيعي مع الدعاة في الأرض. لكن صبر كفار بنى هاشم

(1) إمتاع الأسماع للمقريزي 1/ 25، 26.

(2)

هشام بن عمرو، كان أبوه عمرو أخا نضلة بن هاشم بن عبد مناف لأمه، فتحرك بدافع القرابة فهاشم عمه.

(3)

زهير بن أبي أمية كانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب عمة الرسول صلى الله عليه وسلم فبنو هاشم أخواله.

(4)

المطعم بن عدي سيد بني نوفل وبنو نوفل هم الفرع الثالث من بني عبد مناف وأقرب الناس لبني هاشم وبني المطلب.

(5)

و (6) أبو البختري بن هشام من بني أسد بن عبد العزى بن قصى وهم أقرب البطون لبني عبد مناف وكذلك زمعة بن الأسود.

(7)

سهل بن بيضاء كان مسلما مستخفيا بإسلامه يوم سعى بهذا الأمر، الطبقات الكبرى لابن سعد.

(8)

إمتاع الأسماع للمقريزي 1/ 26، وابن هشام 1/ 350، 351 و 374 - 376.

ص: 73

وكفار بني المطلب على هذا الجهد ثلاث سنين- حتى كانوا يأكلون الخبط (1) وورق السمر (2) حتى أن أحدهم ليضع كما تضع الشاة كما في الصحيح) (3) - هذا الصبر بدافع العصبية القبلية. هو الأمر الذي يستحق العجب.

ولولا عظمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفوسهم وإجلاله في قلوبهم- على الرغم من ثباتهم على كفرهم- لما صبروا على هذا البلاء العظيم طيلة ثلاث سنين، وقد نزل بهم الجهد كما وصف سعد حالهم رضي الله عنه:

(خرجت ذات يوم أبول فسمعت قعقعة تحت البول، فإذا قطعة من جلد بعير يابسة فأخذتها وغسلتها، ثم أحرقتها ثم رضضتها، وسففتها بالماء فقويت بها ثلاثا)(4).

(وكانوا إذا قدمت العير مكة يأتي أحدهم السوق ليشتري شيئا من الطعام لعياله فيقوم أبو لهب عدو الله فيقول: يا معشر التجار: غالوا على أصحاب محمد. حتى لا يدركوا معكم شيئا، فقد علمتم مالي ووفاء ذمتي. فأنا ضامن أن لا خسار عليكم، فيزيدون عليهم في السلعة، قيمتها أضعافا حتى يرجع إلى أطفاله، وهم يتضاغون من الجوع، وليس في يديه شيء يطعمهم به)(5).

(1) الخبط: ورق شجر في البادية يخبط عليه في المخابط حتى يسقط ويجفف ويطحن ويخلط بدقيق وماء ويقدم للإبل.

(2)

هو شجر الطلح ومفرده سمرة.

(3)

الروض الأنف للسهيلي 2/ 127.

(4)

و (5) المصدر نفسه 2/ 127.

ص: 74

إنها معادن الرجال النفيسة التي حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، وحين زال عنها الران وانكشفت الحجب. كانت تظهر بجودة جوهرها ونفاسة معدنها:«الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» (1).

وعندما فقه العشيرة الأقربون، وعندما فقهت قريش أصبحت هي عز الإسلام وموطنه، والذائدة عنه والحامية له.

أما بنو المطلب وبنو هاشم، فقد مضوا في التاريخ جميعا من أهل البيت جزاء هذه المواقف العظيمة من نصرة النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال عليه الصلاة والسلام «أما بنو المطلب فلم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام» .

وأما قريش. فقد مضيا في التاريخ سادة المسلمين في الأرض. فالعرب لا تدين إلا لقريش.

والقرشية شرط أساسي من شروط الخلافة العظمى- علما أرجح الآراء اعتمادا على الحديث الصحيح-.

و «الأئمة من قريش، أبرارها أمراء أبرارها، وفجارها أمراء فجارها، وإن أمرت عليكم قريش عبدا حبشيا مجدعا فاسمعوا له وأطيعوا، ما لم يخير أحدكم بين إسلامه وضرب عنقه. فإن خير بين إسلامه وضرب عنقه فليقدم عنقه» (2).

وما أحوج الدعاة إلى الله تعالى اليوم أن يفقهوا هذا المعنى في تخيرهم

(1) رواه مسلم م 8/ 41، 42 باب الأرواح في جنود مجندة.

(2)

رواه الحاكم والبيهقي، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير 406/ 2754.

ص: 75

للمعادن النفيسة من الرجال والنساء فيضمونهم إلى ركب الدعاة فينتصرون للإسلام، وينتصرون به.

والمعنى الأدق من ذلك أن في صفوف الكافرين نماذج تحمل الصفات الخلقية الكريمة وذات مواقع حساسة من القوة في المجتمع الجاهلي، وشخصية الداعية التي تجذب هذه النماذج بخلقها وتضحياتها، وتغزوها في أعماقها. تدفع هذه النماذج من الكافرين إلى أن يكونوا حماة- للدعوة والداعية. ومن خلال مركز القوة الذي تملكه ومن خلال بعض الأعراف والقوانين الجاهلية، تستطيع أن تحتضن الدعوة، وتفسح لها مجال الحرية الطلق لتنمو، وإن كانت في عقيدتها على خلاف عقيدة الإسلام، أو تستطيع هذه النماذج الخيرة أن تحبط شرا يحيق بالمسلمين.

ومنعة العشيرة وشرف القبيلة فيما مضى، والذي كان يرعى الدعوة حتى تبلغ أشدها يمكن أن يظهر في عصرنا الحاضر بشرف النظام ومنعة القانون عند الذين يحرصون عليه من جهة وقد بهرتهم الدعوة من جهة أخرى، ولاقت جوهرا نفيسا عندهم وهم في مواقع المسئولية.

***

ص: 76