الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(وأسسوا المسجد، فجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخرة مائة ذراع، وفي هذين الجانبين مثل ذلك فهو مربع .. وجعلوا الأساس قريبا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجار، ثم بنوه باللبن .. وجعل له ثلاثة أبواب .. وجعل طول الجدار بسطة، وعمده الجذوع، وسقفة جريدا، فقيل له: ألا تسقفه؟ فقال: ((عريش كعريش موسى خشيبات وثمام، الشأن أعجل من ذلك))) (1).
ثانيا: المؤاخاة:
1 -
(عن عاصم قال: قلت لأنس بن مالك: أبلغك أن النبي (ص) قال: ((لا حلف في الإسلام)) فقال: قد حالف النبي (ص) بين قريش والأنصار في داري) (2).
2 -
(وآخى رسول الله (ص) بين أصحابه من المهاجرس والأنصار، فقال فيما بلغنا - ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل - ((تآخوإ في الله أخوين أخوين)) ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب، فقال:((هذا أخي)) فكان رسول الله (ص) سيد المرسلين، وإمام المتقين، ورسول رب العالمين، الذي ليس خطير ولا نظير في العباد. وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أخوين، وكان حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله
(1) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ق. 2/ 2.
(2)
البخاري ك. الأدب 78 ب. الإخاء والحلف 67 و 8 ص 27. وقد رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود.
(ص) وعم رسول الله (ص)، وزيد بن حارثة مولى رسول الله (ص) أخوين. وإليه أوصى حمزة يوم أحد حين حضره القتال إن حدث به حادث المولت، وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين، ومعاذ بن جبل أخوين.
وقال ابن هشام: وكان جعفر بن أبي طالب يومئذ غائبا بأرض الحبشة.
قال ابن إسحاق: وكان أبو بكر الصديق وخارجة بن زهير أخوين، وعمر بن الخطاب وعتبان بن مالك أخوين، وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن معاذ أخوين، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع أخوين، والزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود حليف بني زهرة أخوين، وعثمان بن عفان وأوس بن ثابت أخوين، وطلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك أخوين، وسعيد بن زيد وأبي بن كعب أخوين، ومصعب بن عمير وأبو أيوب الأنصاري أخوين، وأبو حذيفة بن عتبة وعباد بن بشر أخوين، وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان أخوين، وأبو ذر والمنذر بن عمرو أخوين، وحاطب بن بلتعة وعويم بن ساعدة أخوين، وسلمان الفارسي وأبو الدرداء أخوين، وبلال مولى أبي بكر وأبو رويحة الخثعمي أخوين ..) (1).
3 -
(وقال عبد ارحمن بن عوف آخى النبي (ص) بيني وبين سعد بن الربيع لما قدمنا المدينة) (2).
(1) السيرة النبوية لابن هشام 1/ 505، 506.
(2)
البخاري ك. مناقب الأنصار 63 ب. كيف آخى النبي بين أصحابه 5 ب 5 ص 88.
4 -
(وعن أنس رضي الله عنه قال: قدم عبد الرحمن بن عوف فآخى النبي (ص) بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله. فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك دلني على السوق فربح شيئا من أقط (1) وسمن، فرآه النبي (ص) بعد أيام وعليه وضر (2) من صفرة. فنال النبي (ص):((مهيم (3) يا عبد الرحمن)) قال: يا رسول الله تزوجت امرأة من الأنصار. قال: ((فما سقت فيها)) فقال: وزن نواة من ذهب. فقال النبي (ص): ((أولم ولو بشاة)) (4).
وفي رواية الإمام أحمد: (
…
فقال له سعد: أي أخي، أنا أكثر أهل المدينة مالا، فانظر شطر مالي فخذه، وتحتي امرأتان فانظر أيها أعجب إليك حتى أطلقها. فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق. فدلوه. فذهب فاشترى وباع فربح فجاء بشيء من أقط وسمن ثم ما لبث ما شاء أن يلبث فجاء وعليه ودك (5) زعفران، فقال رسول الله (ص):((مهيم؟)) فقال: يا رسول الله تزوجت امرأة. قال: ((ما أصدقتها)) قال: وزن نواة من ذهب.
(1) أقط: شيء يتخذ من المخيض الغنمي.
(2)
وضر من صفرة: اللطخ من الزعفران ونحوه.
(3)
مهيم: أي ما حالك وما شأنك.
(4)
البخاري ك. مناقب الأنصار 63 ب. كيف آخى النبي (ص) بين أصحابه 50 ج 5 ص 88.
(5)
ودك زعفران: أثر زعفران.
قال: ((أولم ولو بشاة)) قال عبد الرحمن: فلقد رأيتني ولو رفعت حجرا لرجوت أن أصيب ذهبا وفضة) (1).
5 -
(وعن أنس قال: قال المهاجرون: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلا في كثير، لقد كفونا المؤونة وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله.
قال: ((لا، ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم)).
6 -
(وعن أبي هريرة قال: قالت الأنصار: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: ((لا)) قالو: أفتكفوننا المؤونة ونشرككم في الثمرة؟
قالوا: سمعنا وأطعنا) (2).
(وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال رسول الله (ص) للأنصار: ((إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم)) فقالو: أمولنا بيننا قطائع، فقال رسول الله (ص):((أو غير ذلك؟)) قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: ((هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر)) قالو: نعم) (3).
7 -
(وعن موسى بن ضمرة بن سعيد عن أبيه قال: لما قدم رسول الله (ص)
(1) مسند الإمام أحمد 165/ 3 و 3/ 190.
(2)
مسند أحمد 3/ 200 وقال ابن كثير: هذا حديث ثلاثي الإسناد على شرط الصحيحين. وهو ثابت في الصحيح ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة. البخاري ك. مناقب الأنصار 63 ب. إخاء النبي بين المهاجرين والأنصار 3 ج 5 ص 39.
(3)
البداية والنهاية لابن كثير 3/ 250.
المدينة آخى بين المهاجرين بعضهم لبعض، وآخى بين المهاجرين والأنصار. آخى بينهم على الحق والمواساة، ويتوارثون بعد الممات دون ذوي الأرحام، وكانوا تسعين رجلا؛ خمسة وأربعون من المهاجرين، وخمسة وأربعون من الأنصار. ويقال كانوا مائة: خمسون من المهاجرين وخمسون من الأنصار، وكان ذلك قبل بدر. فلما كانت وقعة بدر وأنزل الله تعالى:{وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم} فنسخت الآية ما كان قبلها، وانقطعت المؤاخاة في الميراث. ورجع كل إنسان إلى نسبه وورثه ذوو رحمه) (1).
8 -
(قوله تعالى: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ..} عن ابن عباس أن رسول الله (ص) آخى بين أصحابه فجعلوا يتوارثون بذلك حتى نزلت: {
…
وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض} فتوارثو بالنسب) (2).
…
1 -
لم يشهد تاريخ البشرية مثل المواخاة بين المهاجرين والأنصار في العهد الأول، فلم يتم الأمر من خلال القمع والإرهاب، ولا من خلال الاستيلاء على السلطة، والتأميم للأموال المنقولة وغير المنقولة - كما يعبر عن ذلك المعاصرون اليوم - لقد كان تشريع المؤاخاة الذي تم بإشراف الرسول (ص)، وبأقصى ما يملك المتآخون من رغبة واندفاع للتنفيذ. هي النموذج الحي للحكم على مستوى الدعاة في الأرض اليوم ومدى قدرتهم
(1) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ق. 2 ص 1.
(2)
مجمع الزوائد للهيثمي 7/ 28 وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
على أن تتمثل فيهم هذه الروح الأخوية.
2 -
لقد أشرف رسول الله (ص) على هذه المؤاخاة بنفسه، وقال:((تآخوا في الله أخوين أخوين)) ولم يكن الأمر وعظا عاما، وكلاما جميلا تبح الأصوات فيه، ولا ينتج عنه إلا الصدقة النادرة والمرتبطة بالمن والأذى. إنما كانت خطوة عملية حية، قام رسول الله (ص) بتنفيذها وتحديد التآخي المباشر بين كل أخ مهاجر وأخ أنصاري.
ولا بد أن يتعلم الدعاة من هذا الدرس ضرورة المعايشة العملية لقراراتهم، والسهر المباشر عليها، دون أن يكلوا تنفيذها حسب التسلسل، وينتهي الأمر بموت القرار في مهده.
3 -
كان العرض القادم عند الأنصار، أن يتقاسموا الثروة بينهم وبين إخوانهم المهاجرين وهم الذين طلبوا ذلك، وقد ترك المهاجرون الأولون رضي الله عنهم أموالهم، وديارهم في سبيل الله، وجاؤوا بدينهم إلى المدينة ليشهدوا ميلاد دولة الإسلام، فاندفع إخوانهم الأنصار يعرضون عليهم أموالهم وأراضيهم ليكونوا فيها سواء.
وارتفع بعضهم فوق المستوى، فهو يعرض خير أرضه، وخير أهله، ويدع الاختيار لأخيه عبد الرحمن بن عوف، وشهد لهم القرآن بذلك:{والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنسفهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} (1).
وهل يحتاجون إلى ثناء من الناس بعد هذه الشهادة من خالقهم
(1) سورة الحشر 9.
رب السموات والأرض.
إن الإسلام قد فرض الزكاة على المسلم بنسبة تتناسب مع نفسية البشر عامة، واستعدادها للإتفاق، وكانت الزكاة تتراوح بين ربع العشر والعشر، وكلما كان الجهد البشري أكثر كلما انخفضت النسبة، وهي التي لا يقبل المسلم بأقل منها. بينما نجد الآن هذه النماذج الرائعة التي تقبل وتعرض أن تقدم خمسين بالمائة من ممتلكاتها عن طيب خاطر لإخوتنها، وليست صوره فردية نادرة، إنما هي سمة عامة في هذا المجتمع الإسلامي الوليد، الذي لن يتكرر بعد في التاريخ.
4 -
ويعرض رسول الله (ص) حلا يحفظ هذا المال بيد الأنصار، وهو قوله عليه الصلاة والسلام:((تكفونهم المؤونة، وتقاسمونهم الثمرة)) وكانت رغبة رسول الله (ص) أن لا يغمس المهاجرون الآن في الزراعة والعمل، بل يبقوا على أهبة الاستعداد للمواجهة والجهاد والغزو. فهم الرصيد الذي يتحرك بهم لعملياته العسكرية خارج المدينة (1)، ويريدهم أن يتفرغوا لذلك، وقال إخوانهم الأنصار: سمعنا وأطعنا. وقرت عين إخوانهم المهاجرين بهم حتى يقولوا لرسول (ص): (لقد كفونا المؤونة، وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله).
ورضي الأنصاري أن يعمل، وتكون ثمرة عمله موزعة بينه وبين أخيه المهاجر.
5 -
ولكن المهاجرين قبلوا هذا الأمر، وفي رحلة مؤقتة، ريثما يتعرفون على سوق المدينة ومداخل ومسارب التجارة فيها، والعمل التجاري بطبيعته
(1) الملاحظ أن كل السرايا والبعوث قبل بدر كانت عوالا على المهاجرين.
عمل مؤقت، لا يتعارض مع التفرغ للجهاد. فالمسلم عندما يدعوه الداعي إلى المعركة لن يتعطل عمله، كما هو الحال بالنسبة للمزارع الذي يطلب منه العمل الدؤوب في مراحل معينة، وإلا خسر موسمه كله.
وكان عبد الرحمن بن عوف، نموذج الحيوية الحركية عند المهاجرين، حيث استطاع خلال أيام قلائل، أن يكسب، ويتطيب، ويتزوج ..
وكما يقول عن نفسه: لقد رأيتني ولو رفعت حجرا لرجوت أن أصيب ذهبا أو فضة.
6 -
وحين يستعرض الباحث هذا الأفق الوضيء العظيم لمعالم المجتمع المدني من خلال المؤاخاة، وما رافقها من حب وبذل وتضحية وإيثار. وما يرى في عالم الأرض اليوم، ومجتمعات الأرض، وما يشهد فيه من نتن وعفن وركام .. يعرف عظمة هذا الدين في البناء، وما تحمله نظم الأرض من شيوعية واشتراكية ورأسمالية من هبوط. ويعرف إكمال الله تعالى نعمته لهذه الأمة بهذا الدين.
إن المجتمعات البشرية اليوم التي تنبح بهذه المبادىء، وتقدمها للناس على أنها الحق والأمل والرجاء؛ تقوم على قتل الخير في نفوس الناس. فالتسلط والقوة والقهر والإذلال للمالكين، وكل مالك مستغل؛ وجشع ومتسلط. وبالتصفية الدموية ينزع تسلطه، وفي صراع الطبقات، تنتزع ملكيته، حتى ولو كان يملك قوته الضروري، يجب أن يتحول كله إلى عبيد يحرم عليهم التملك، والطبقة الحاكمة هي التي تمثل الخير والحق، وتتصرف وتملك كل شيء في الواقع العملي، دكتاتورية البروليتاريا، كما يحلو لهم أن يسموها، وقد تختلف هذه النظم قليلا أو كثيرا، بحيث يمكن أن تفسح في الصور الأخرى المجال لامتصاص دماء
المعوزين، والتحكم بأقواتهم وحياتهم وجهدهم، كي تنمو الثروة في أيديهم، ومهمة القانون أن يبرر هذا الظلم والبغي والإجرام، فهم الذين يملكون التشريع كما يشاؤون.
7 -
ولكني أعود فأحذر من صورة أخرى لا تقل خطورة عن ما سبق، ولا بد أن تأتي قرينة لها، هذه الصورة، هي أن يدخل في روع الدعاة إلى الله اليوم، أنه مجرد أن تتاح لهم فرصة الحكم والسلطة، ستعود صورة المجتمع الأول ماثلة في صفوفهم، وأنهم قد بلغوا في التربية والإعداد والتضحية والبذل شأو هؤلاء المهاجرين والأنصار. وكل الأمر متوقف على أن توسد لهم السلطة، ليولد فيهم أبو بكر وعمر من جديد، وأخص بالذكر الشيخين رضي الله عنهما لأن الغرور يصل بالدعاة أحيانا إلى حد الاستعلاء عن عثمان رضي الله عنه وأنه قد زل عن المنهج الإسلامي. أما هم ففي مصاف الصديق والفاروف. وأن الأمر انتهى عندهم ولم يعد أمامهم إلا أن يعملوا لإقامة دولة الإسلام. بينما هم في وقعهم العملي والتربوي، أقرب وألصق بهذه المجتمعات الأرضية القاصرة التي ذكرناها، وفيهم الذين يصطرعون على المال، ويصطرعون على الشهرة، ويصطرعون على السلطة، ويضعون الغلاف الإسلامي على ذلك. وقد يوجد بينهم من يتهم في أمانته، ويتهم في دينه.
يجب أن لا ننسى أن الأمر ليس أماني وتمنيات، وقد تكون هذه المجتمعات الأرضية بما ملكت من خبرة وصراع طويل قد وصلت إلى مستوى من الأمن والعدل والرفاه يعجز دعاة الإسلام عن الوصول إليه لو حكموا في هذه الأرض نتيجة فقدان هذه الخبرات، وأناشد الدعاة إلى