الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
غير أن هذا لم ينف أبدا. وجود بعض الصالحين فيهم، المؤمنين المخبتين. ولو كان أكثرهم فاسقين. وهذه النماذج أسلمت، وحسن إسلامها. وأن لهم في تاريخهم قدما في العبادة، وقدما في الطاعة وقدما في الجهاد. لكنها تمثل القلة النادرة.
{
…
قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} (2){فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ..} (3).
{منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون} (4).
ثانيا:
المواقف السياسية
1 -
كان أول موقف سياسي وقفه اليهود من المسلمين. وقد رأوا وحده كلمتهم والتحام صفهم هو العمل على شرخ هذا الصف وتهديمه.
قال ابن إسحاق: (ومر شاس بن قيس وكان شيخا قد عسا (5)
(1) المائدة / 23.
(2)
البقرة / 249 - 251.
(3)
البقرة / 251.
(4)
المائدة / 66.
(5)
ك: أسن وولى
عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين شديد الحسد لهم، على نفر من أصحاب رسول الله (ص) من الأوس والخزرج، في مجلس قد جمعهم يحدثون فيه. فغاظه ما رأى من إلفتهم وجماعتهم. وصلاح ذات بينهم على الإسلام. بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية. فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار. فأمر فتى شابا من يهود كان معهم. قال: اعمد اليهم فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بعاث. وما كان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار .. ففعل. فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب، فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددناها الآن جذعة (1) فغضب الفريقان جميعا، وقالوا: قد فعلنا، موعدكم الظاهرة - والظاهرة: الحرة - السلاح السلاح فخرجوا إليها. فبلغ ذلك رسول الله (ص). فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم فقال: ((أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر. وألف بين قلوبكم))). فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا ثم انصرفوا مع رسول الله (ص) سامعين مطيعين. قد أطفأ الله كيد عدو الله شاس بن قيس. فأنزل الله تعالى في شأن شاس وما صنع {قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء
(1) جذعة: أي رددنا الآخر إلى أوله.
وما الله بغافل عما تعملون} (1)(2).
2 -
وكانت الخطة الثانية هي تحدي المسلمين (وكان من حديث بني قينقاع أن رسول الله (ص) جمعهم بسوق بني قينقاع، ثم قال:((يا معشر يهود. احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل. تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم.)) قالوا: يا محمد إنك ترى أنا قومك. لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب. فأصبت منهم فرصة. إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس.) (3).
3 -
وكانت محاولة الغدر برسول الله (ص) واغتياله. وكانت على ملأ من يهود.
(ثم خلا بعضهم ببعض - فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - فمن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة. فيريحنا منه، وانتدبوا لذلك عمرو بن جحاش بن كعب أحدهم فقال: أنا لذلك. فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال ورسول الله في نفر من أصحابه. فيهم أبو بكر وعمر وعلي. فأتى رسول الله (ص) الخبر من السماء بما أراد القوم. فقام وخرج راجعا إلى المدينة ..) (4). وكان هذا الذي هيح غزو بني النضير.
(1) آل عمران / 98 - 99.
(2)
السيرة النبوية لابن هشام 556 - 557.
(3)
المصدر نفسه 2/ 47.
(4)
المصدر نفسه / 2/ 190.
4 -
وبقي الحقد هو الذي يغذيهم. وبعد إجلائهم. راحوا يؤلبون العرب عامة، واليهود خاصة لاستئصال الإسلام وأهله.
(إنه كان من حديث الخندق أن نقرأ من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري. وحيي بن أخطب النضري، وكنانة بن أبي الحقيق، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله (ص)، خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله (ص) وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله.
فقالت لهم قريش: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد. أفديننا خير من دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه. فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم:{ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا} إلى قوله تعالى: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله} : أي النبوة {فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا) (1). (2).
(1) النساء / 51 - 55.
(2)
السيرة النبوية لابن هشام 2/ 214.
5 -
ثم كان الإعلان الخبيث الخسيس في نقضهم للعهد، وتحالفهم مع أعداء المسلمين.
(وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي، صاحب عقد بني قريظة وعهدهم قد وادع رسول الله (ص) على قومه، وعاقده على ذلك وعاهده. فلما سمع كعب بحيي بن أخطب أغلق دونه باب حصنه. فاستأذن عليه. فأبى أن يفتح له.
فناداه حيي: ويحك يا كعب! افتح لي قال: ويحك يا حيي إنك امرؤ مشؤوم وإني قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بيني وبينه. ولم أر منه إلا وفاء وصدقا. قال: ويحك افتح لي أكلمك، قال: ما أنا بفاعل، قال: والله إن أغلقت دوني إلا عن جشيشتك (1) أن آكل معك دونها، فأحفظ الرجل. ففتح له فقال: ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وببحر طام (2). جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة.
وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد. قد عاقدوني وعاهدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه فقال له: كعب جئتني بذل الدهر. وبجهام (3) قد هراق ماؤه.
فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء، ويحك يا حيي. فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء. فلم يزل حيي بكعب يفتله في
(1) جشيشتك: طعام يصنع من الجشيش وهو البر يطحن غليظا.
(2)
بحر طام: يرتفع ويريد كثرة الرجال.
(3)
الجهام: السحاب الرقيق الذي لا ماء فيه.
الذروة والغارب (1) حتى سمح له على أن أعطاه عهدا من الله وميثاقا: ولئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك). فنقض كعب عهده، وبرىء مما كان بينه وبين رسول الله (ص)(2).
وهكذا كان موقفهم كله ينصب على العداوة لرسول الله (ص) في السر حين يرون قوة المسلمين ويرهبونها، وفي العلن حين يرون المسلمين في محنة وهول. وكان حيي بن أخطب هو الذي يقود هذه الحرب السياسية العوان ضد محمد (ص). وكان دوره مع كعب بن أسد كدور أبي جهل مع عتبة وشيبة ابنا ربيعة. حين أحفظهما واتهمهما بالجبن. فكانا أول القتلى في بدر. بعد أن دعيا إلى الصلح.
6 -
وليست محاولة اغتيال رسول الله (ص) بالسم من المرأة اليهودية التي أهدت الشاة لرسول الله (ص) بعد خيبر. وحشت الذراع أكثره. ومقتل عبد الله بن سهل وبشر بن البراء بن معرور بالسم بين ظهراني يهود خيبر. إلا محاولات يائسة للفتك والنيل من المسلمين وقيادتهم.
ولذلك كان الموقف عنيفا منهم يتناسب مع مخططاتهم. وكان مقتل كعب بن الأشرف. وأبي رافع اليهودي تاجر الحجاز غيلة. يتناسب مع مستوى العداء الذي يخططون له.
(1) يفتله في الذروة والغارب: ضرب مثلا في المراوغة والمخاتلة: وأصله حين يستصعب البعير فتأخذ القرادة من ذروته وغارب سنامه وتفتل هناك فيجد البعير لذة فيهدأ.
(2)
شرح السنة للبغوي وقال: هذا حديث متفق على صحته أخرجه مسلم. (1766 في الجهاد والسير. باب إجلاء اليهود عن الحجاز والبخاري 3/ 255 في المغازي، باب حديث بني النضير).