الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من فقه الغزوة:
1 -
(وقال شعبة عن الحاكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى في قوله: {وأثابهم فتحا قريبا} قال خيبر)(2).
وتحقق موعود الله تعالى في أقل من شهر. وكما تقول عائشة رضي الله عنها: (لما فتحت خيبر قلنا: الآن نشبع من التمر)(3).
لقد خرجوا إلى خيبر وما عندهم ما يأكلونه كما روى سويد بن النعمان أنه خرج مع النبي (ص) عام خيبر (حتى إذا كنا بالصهباء وهي من أدنى خيبر صلى العصر ثم دعا بالأزواد، فلم يؤت إلا بالسويق (4) فأمر به فثرى (5) فأكل وأكلنا ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا ثم صلى ولم يتوضأ) (6).
وعادوا من خيبر حيث كانت (الشق ونطاة قد قسمت على ألف
(1) الفتح 19،18.
(2)
البداية والنهاية لابن كثير 4/ 204.
(3)
البخاري ج 5 ص 178.
(4)
السويق: ديق يلت مع السمن ويطبخ ويجفف.
(5)
ثرى: بله بالماء ليبسه.
(6)
البخاري ج 5 ص 178 ب. 38 ك. 64.
سهم وثمانماثة سهم برجالهم وخيلهم الرجال أربع عشر مائة والخيل مائتا فارس. ثم قسم رسول الله (ص) الكتيبة، وهي وادي خاص (1) بين قرابته وبين نسائه، وبين رجال المسلمين ونساء أعطاهم منها) (2).
2 -
ولقد تحقق موعود الله بالفتح القريب، وانتهى وكر اليهودية من جزيرة العرب، والتي كانت تقض مضجع المسلمين في كل وقت، فهي التي ألبت الأحزاب يوم الأحزاب، وهي التي حاربت ونقضت العهد في كل مرة {إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون الذين عاهدت منهم ثم ينقضوق عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين} (3).
ولقد كان التخطيط النبوي في غاية الحكمة والعبقرية، ففي أقل من شهر بعد هدنة الحديبية مع العدو اللدود، الذين أمن جانبه في الصلح معه، كان يدك أبواب خيبر لينهي العدو الألد من اليهود الذين باتوا يخططون للانقضاض على المدينة، ويحول دون غطفان العدو الثالث وإمداده لليهود، لقد استطاع عليه الصلاة والسلام بذكائه وعبقريته أن
ينهي كل عدو على حدة، وهو يتربص به الدوائر.
والجماعة المؤمنة بحاجة على أن تكون على مستوى الأحداث وتفقه كيف تواجه أعداءها، لا أن تكون فريسة لهم.
(1) كذا في الأصول (معجم البلدان) وذهب السهيلي إلى أنه تحريف وصوابه (خلص).
(2)
السيرة النبوية لابن هشام 2/ 350، 351.
(3)
الأنفال 55 - 58.
3 -
ونجد في خيبر نموذجين متقابلين كذلك، فليس كل صمود وقتال يمثل حقيقة الإسلام، إذ لا بد من خلوص النية في الجهاد في سبيل الله لتتضح عوامل النصر والهزيمة أمام أعيننا.
فقد روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: شهدنا خيبر، فقال رسول الله (ص) رجل ممن معه يدعي الإسلام ((هذا من أهل النار)) فلما حضر القتال قاتل الرجل أشد القتال حتى كثرت به الجراحة، حتى كاد بعض الناس يرتاب. فوجد الرجل ألم جراحه فأهوى بيده إلى كنانته فاستخرج منها أسهما فنحر بها نفسه، فاشتد رجال من المسلمين فقالوا: يا رسول الله أصدق الله حديثك، انتحر فلان فقتل نفسه فقال:((قم يا فلان فأذن أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر)) (1).
ويقابل هذه الصورة ما رواه البيهقي عن أنس: (أن رجلا أتى رسول الله (ص) فقال: يا رسول الله إني رجل أسود اللون قبيح الوجه، فإن قاتلت هؤلاء حتى أقتل أدخل الجنة؟ قال:((نعم)) فتقدم فقاتل حتى قتل، فأتى عليه رسول الله (ص) وهو مقتول فقال:((لقد حسن الله وجهك وطيب ريحك وكثر مالك)) وقال: ((لقد رأيت زوجتيه من الحور العين يتنازعان جبته عليه يدخلان فيما بين جلدته وجبته)) (2).
وفي رواية ثانية للبيهقي: وقال فيه ((قتل شهيدا وما سجد لله سجدة)) (3).
(1) البخاري ك. 64 ب. 38 ج 5 ص 169.
(2)
و (3) البداية والنهاية لابن كثير 4/ 215.
فالذي لم يسجد لله سجدة. صدق الله تعالى فصدقه، وشهد له رسول الله (ص) بالشهادة وكفنه، ودعا له. والذي قاتل وظاهره من أهل الإسلام حتى ((لا يدع من المشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها فضربها بسيفه)) (1) يشهد رسول الله (ص) أنه من أهل النار.
4 -
(وشهدت خيبر، وسام رسول الله (ص) للفتاة الغفارية التي حضرت معه الحرب إذ تروي لنا قصة هذا الوسام فتقول: أتيت رسول الله (ص) في نسوة من بني غفار. فقلنا: يا رسول الله: قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا - وهو يسير إلى خيبر - فنداوي الجرحى، ونعين المسلمين بما استطعنا. فقال:((على بركة الله)) قالت: فخرجنا معه وكنت جارية حدثة السن فأردفني رسول الله (ص) على حقيبة رحله فوالله لنزل رسول الله (ص) إلى الصبح، ونزلت عن حقيبة رحله، وإذا بها دم مني. وكانت أول حيضة حضتها. فتقبضت إلى الناقة واستحييت. فلما رأى رسول الله (ص) ما بي، ورأى الدم، قال:((ما لك لعلك نفست)) قالت: قلت: نعم. قال: ((فأصلحي من نفسك ثم خذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحا ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم، ثم عودي لمركبك)) قالت: فلما فتح الله خيبر رضخ لنا من الفيىء، وأخذ هذه القلادة التي ترين في عنقي فأعطانيها، وعلقها في عنقي، فوالله لا تفارقني أبدا، وكانت في عنقها حتى ماتت، ثم أوصت أن تدفن معها. قالت: وكانت لا تطهر من حيضها، إلا جعلت في طهورها
(1) من رواية ثانية للبخاري ج 5 ص 168.
ملحا، وأوصت به أن يجعل في غسلها حين ماتت) (1).
وهي صورة حية أمام كل فتاة مسلمة، تحرص على أن تشارك في أجر الجهاد مع المسلمين.
5 -
(وشهدت خيبر، قدوم جعفر بن أبي طالب، والوفد المرافق له من الحبشة.
فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: بلغنا مخرج النبي (ص) ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهم أحدهم أبو بردة والآخر أبو رهم - إما قال في بضع، وإما قال في ثلاثة وخمسين، أو اثنين وخمسين رجلا من قومي - حتى قدمنا جميعا، فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي في الحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا، فوافقنا النبي (ص) حين افتتح خيبر، فكان أناس من الناس يقولون لنا - يعني لأهل السفينة -: سبقناكم بالهجرة، ودخلت أسماء بنت عميس - وهي ممن قدم معنا - على حفصة زوج النبي (ص) زائرة. وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر. فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس، قال عمر: ألحبشية هذه؟ ألبحرية هذه؟ قالت أسماء: نعم! قال:
(1) السيرة النبوية لابن هشام 341/ 2،342. وقد رواها ابن إسحاق عن سليمان بن سحيم عن أمية بن أبي الصلت عن امرأة من بني غفار قد سماها لي. كما رواها الإمام أحمد وأبو داود من حديث محمد بن إسحاق به.
سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله (ص) منكم، فغضبت وقالت: كلا والله كنتم مع رسول الله (ص) يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في دار - أو في أرض - البعداء والبغضاء، بالحبشة، وذلك في الله وفي رسوله (ص). وإيم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت للنبي (ص)، ونحن كنا نؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك للنبي (ص) وأسأله، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه. فلما جاء النبي (ص) قالت: يا نبي الله إن عمر قال كذا وكذا، قالت: قال: ((ما قلت له؟)) قالت: قلت: كذا وكذا. قال: ((ليس بأحق بي منكم وله ولأصحابه هجرة واحدة. ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان)) (1).
وكان هذا هو الوسام الثاني للوفد المرافق لجعفر، حملته أسماء وزعته على جميع أعضاء الوفد حيث كانوا كما قالت:(يأتوني أرسالا يسألونني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في نفوسهم مما قال لهم النبي (ص)(2).
…
(1) و (2) البخاري ك. 64 ب. 38 ج 5 ص 174،175.