الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وروى أن إحدى المرتين كان في غنم يرعاها هو وغلام من قريش. فقال لصاحبه: اكفنى أمر الغنم حتى آتي مكة
…
وفي المرة الثانية قال لصاحبه مثل ذلك. وألقى عليه النوم فيها كما ألقى في المرة الأولى. ذكر هذا المعنى ابن إسحاق في غير رواية البكائى. وفي غريب الحديث للقتبي:: ((بعث موسى صلى الله عليه وسلم وهو راعي غنم، وبعث داود صلى الله عليه وسلم وهو راعي غنم، وبعثت وأنا راعي غنم أهلي بأجياد)). وإنما جعل الله هذا في الأنبياء تقدمة لهم، ليكونوا رعاة الخلق، ولتكون أممهم رعايا لهم. وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم:((أنه ينزع على قليب (1) وحولها غنم سود، وغنم عفر (2). قال: ثم جاء أبو بكر رضي الله عنه فنزع نزعا ضعيفا والله يغفر له. ثم جاء عمر فاستحالت غربا (3)(يعني الدلو)، فلم أر عبقريا يفري فريه)) (4) فأولها الناس الخلافة لأبي بكر وعمر رضي الله عنه، ولولا ذكر الغنم السود والعفر لبعدت الرؤيا عن معنى الخلافة والرعاية، إذ الغنم السود والعفر عبارة عن العرب والعجم. وأكثر المحدثين لم يذكروا الغنم في هذا الحديث، ذكره البزار في مسنده، وأحمد بن حنبل في مسنده، وبه يصح المعنى، والله أعلم) (5).
التجارة:
عن جابر بن سمرة أو رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان النبي
(1) ينزع على قليب: يمتح الماء من البئر.
(2)
عفر: ما خالط بياض حمرة.
(3)
استحالت غربا: أي علت وفاضت.
(4)
يمتح في سقيه ودلائه.
(5)
الروض الأنف للسهيلي 1/ 193.
- صلى الله عليه وسلم يرعى غنما، فاستعلى الغنم، فكان في الإبل هو وشريك له فأكريا (1) أخت خديجة، فلما قضوا السفر بقي لهم عليها شيء. فجعل شريكه يأتيها فيتقاضاها ويقول لمحمد انطلق فيقول اذهب أنت فإني أستحي، فقالت مرة وأتاهم: فأين محمد؟ قال: قد قلت له فزعم أنه يستحي فقالت: ما رأيت رجلا أشد حياء ولا أعف ولا ولا فوقع في نفس أختها خديجة ..) (2).
قال الكلاعي: (وذكر الواقدي بإسناد له إلى نفيسة بنت منية أخت ليلى بن منية. وقد رويناه أيضا من طريق أبي علي بن السكن، وحديث أحدهما داخل في حديث الآخر مع تقارب اللفظ، وربما زاد أحدهما الشيء اليسير، وكلاهما ينمي إلى نفيسة: قالت: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين سنة وليس له بمكة اسم إلا الأمين، لما تكاملت فيه من خصال الخير، قال أبو طالب: يابن أخي أنا رجل لا مال لي، وقد اشتد علي الزمان، وألحت علينا سنون منكرة، وليس لنا مادة ولا تجارة، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالا من قومك في عيرها، فيتجرون لها في مالها ويصيبون منافع. فلو جئتها، فعرضت نفسك عليها لأسرعت إليك وفضلتك على غيرك، لما بلغها عنك من طهارتك، وإن كنت لأكره أن تأتي الشام وأخاف عليك من يهود، ولكن لا تجد من ذلك بدا.
وكانت خديجة رضي الله عنها امرأة تاجرة ذات شرف ومال كثير وتجارة
(1) أكريا: من الكراء، الاستئجار. أي استأجرتهم أخت خديجة رضي الله عنها لرعي الإبل.
(2)
مجمع الزوائد 9/ 221. وقال الهيثمي: رواه الطبراني دالبزار، ورجال الطبراني رجال الصحيح غير أبي خالد الوالبي وهو ثقة. ورجال البزار أيضا إلا أن شيخه أحمد بن يحيى الصوفي ثقة ولكنه ليس من رجال الصحيح.
تبعث بها إلى الشام، فيكون عيرها كعامة عير قريش، وكانت تستأجر الرجال وتدفع لهم المال مضاربة، وكانت قريش قوما تجارا، ومن لم يكن تاجرا من قريش فليس عندهم بشيء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((فلعلها ترسل إلي في ذلك)) فقال أبو طالب: إني أخاف أن تولي غيرك، فتطلب أمرا مدبرا.
فافترقا وبلغ خديجة ما كان من محاورة عمه له. وقبل ذلك ما قد بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته وكرم أخلاقه، فقالت: ما علمت أنه يريد هذا.
ثم أرسلت إليه فقالت: إنه دعاني إلى البعثة إليك ما بلغني من صدق حديثك وعظم أمانتك وكرم أخلاقك، وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلا من قومك.
ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقي أبا طالب، وذكر له ذلك فقال: إن هذا لرزق ساقه الله إليك.
فخرج مع غلامها ميسرة حتى قدم الشام، وجعل عمومته يوصون به أهل العير .. ثم حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم سوق بصري فباع سلعته التي خرج بها وأشترى سلعة .. ثم انصرف أهل العير جميعا ..
ودخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فخبرها بما ربحوا فسرت بذلك .. قالوا: وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتجارتها، فربحت ضعف ما كانت تربح، وأضعفت له ما سمت له) (1).
…
(1) الإكتفاء في مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم والثلاثة الخلفاء لأبي الربيع الكلاعي 1/ 198، وهي في سيرة ابن هشام بدون عرض أبي طالب 1/ 187 - 189.
من فقه عمله كسبه عليه الصلاة والسلام:
1 -
ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم. حكمة ربانية يتعلم النبي من خلالها رعاية الأمم صبرا وعناية ورحمة وحماية. بل يرافقه خلق اللين والعطف والحدب {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ..} (1)((السكينة في أهل الشاء)) (2).
وكما ذكر عليه الصلاة والسلام أن موسى وداود ومحمدا عليهم الصلاة والسلام بعثوا وهم يرعون الغنم.
2 -
ورعيه صلى الله عليه وسلم كان في طفولته في بادية بني سعد، ثم كان في فتوته بأجياد في مكة على قراريط. وهو أجر زهيد يتكسب به صلى الله عليه وسلم ويعف نفسه، ثم كان في التجارة في شبابه وهي دعوة كريمة لكل شاب مسلم وداعية، أن يعمل بجهده، ويكسب من عرق جبينه. فالعمل شرف ولا يضر نوع العمل ولو كان عند الناس وضيعا. لكنه عظيم عند الله عز وجل.
فـ ((إن الله يحب المؤمن المحترف)) (3) ويحب الذي يأكل من كسب يده ((وأن نبي الله تعالى داود كان يأكل من كسب يده)) (4).
والداعية الذي يتكفف الناس، ويتطلع إلى أموالهم وأرزاقهم، وينتظر إحسانهم. لن يتمكن من كسب قلوبهم، وتغيير واقعهم، ومن
(1) آل عمران: 59.
(2)
رواه البزار وقال الألباني عنه صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير 3/ 223 - 3583.
(3)
رواه الطبراني في الكبير والبيهقي عن ابن عمر ح 1873. انظر الجامع الصغير 1/ 224.
(4)
رواه البخاري ك. 34 ب. 15.
أجل هذا وجدنا سنة الله تعالى في الأنبياء جميعا أن يقولوا: {
…
قل ما سألتكم من أجر فهو لكم ..} (1){وما تسألهم عليه من أجر ..} (2){ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله ..} (3){يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون} (4).
3 -
ولا شك أن العمل الحر بالنسبة للداعية إلى الله تعالى أعون له على دعوته، وأقوم له على أن يقول الحق ويصدع فيه، وكم من الناس يطأطئون للطغاة، ويسكتون على باطلهم، ويجارونهم في أهوائهم خوفا على وظائفهم عندهم، إنهم يدهنون في دينهم، ويبيعون دينهم بدنياهم، بل يصل الانحراف إلى صميم عقيدتهم حين يرون أن هوتاء الطغاة يرزقون أو يمنعون رزقا، والرازق هو الله تعالى.
4 -
وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسادات هوتاء الأصحاب، كانوا يعملون بأيديهم، ويتاجرون للحصول على الرزق الحلال، وذاك عمر رضي الله عنه يقول:(أخفي على أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!! ألهاني الصفق في الأسواق)(5).
(1) سبأ من الآية 47.
(2)
يوسف:104.
(3)
هود: 29.
(4)
هود:51.
(5)
البخاري ك.34/ 9.
ويقول قتادة رضي الله عنه: (كان القوم يتبايعون ويتجرون، ولكنهم إذا نابهم حق من حقوق الله لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله حتى يؤدوه إلى الله)(1).
وتقولي عائشة رضي الله عنها: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمال أنفسهم) (2).
…
(1) البخاري ك. 34/ 9.
(2)
البخاري ك. 34/ 15.