الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
غداة واحدة. إني والله امرؤ أخشى الدوائر، قال: فقال رسول الله (ص): هم لك) (1).
لقد كان موقفا غريبا تماما على الحس الإسلامي. فلم يعهد الصف المسلم أبدا فيه مثل هذه الظاهرة منذ أن قامت الدعوة. فقد كان المسلم في تعامله مع رسول الله (ص) في غاية الأدب والانضاط والتفاني في الطاعة. مما يجعله دائما يحتاج لتوجيهات النبي (ص) كي يبدي رأيه ويقول كلمته. ويناقش في حقه. وكان رسول الله (ص)
يفسح دائما لهذا البناء عن طريق الشورى.
أما أن يقف مسلم بهذه الوقاحة، يضع يده في جيب درع رسول الله (ص)، ويطلب منه رسول الله أن يدعه فلا يدعه. فيغضب منه ويلح عليه بقوله: ويحك أرسلني، فلا يستجيب. ويسترسل في وقاحته. فهذا أمر غريب تماما على الحس الإسلامي بين جندي وقائده.
بين مسلم ورسول رب العالمين. ورسول الله تعالى بما أعطاه الله عز وجل من الخلق الأقوم. لم يعهد عنه أنه رد رجاء مسلم وفي فقهه السياسي (ص). أنه إن لبى رجاء ابن أبي. فلعل هذا الموقف يغسل قلبه ويزيل الغشاوة عنه فتتم هدايته. فقال له: ((هم لك))). ولعل الذين يسيرون وراء زعامة ابن أبي يصلحون بصلاحه. فيتماسك الصف المسلم ويلتحم. فلا يضيره كيد العدو أبدا.
4 -
دورهم في غزوة أحد
.
(
…
فقال عبد الله بن أبي بن سلول: يا رسول الله أقم بالمدينة لا تخرج إليهم. فوالله ما خرجنا منها إلى عدو إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا
(1) السيرة النبوية لابن هشام /48/ 2 - 49.
أصبنا منه. فدعهم يا رسول الله. فإن أقاموا أقاموا بشر محبس. وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم. وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا. فلم يزل الناس برسول الله (ص) الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم حتى دخل رسول الله (ص) فلبس لأمته .... فخرج في ألف من أصحابه
…
حتى إذا كانوا بالشوط بين المدينة وأحد. انخزل عنه عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصاني. ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس.
فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب. واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة: يقول: يا قوم أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من عدوهم، فقلوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم. ولكنا لا نرى أنه يكون قتال. فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم، قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم نبيه) (1).
صحيح أن أزمة الشقاق قد تم تفاديها يوم بني قينقاع. واستجيب لرأي ابن أبي. غير أن الأيام كانت تترى وموقف ابن أبي لم يتغير. فهو لا زال معتدا بحزبه. ولا يزال يوغر الصدور في الخفاء ضد المسلمين.
وكان الموقف يوم أحد. هو القشة التي قصمت ظهر البعير. فلم يؤخذ برأيه في البقاء في المدينة. كما تذكر بعض الروايات (وسار إلى أن وصل إلى رأس الثنية. وعندها وجد كتيبة كبيرة. فقال: ما هذه؟ قالوا: هؤلاء حلفاء عبد الله بن أبي سلول من يهود. فقال: أسلموا؟ فقيل: لا. فقال: إنا لا ننتصر بأهل الكفر على أهل الشرك. فردهم)(2).
(1) السيرة النبوية لابن هشام 2/ 63 - 64.
(2)
السيرة الحلبية 2/ 493.
وكانت هذه قاصمة ثانية - فهو يرى أن النصر لو تحقق. فسيشترك فيه طالما أن حزبه وحلفاؤه قد ساهموا فيه. ويكون له المركز الثاني بعد رسول الله (ص). أما وقد فاته تحقيق الزعامة بأخذ رأيه في البقاء في المدينة.
وفاته المشاركة في النصر عن طريق حزبه وحلفائه. فليشارك إذن في صنع الهزيمة. عله يتخلص من محمد (ص) وزعامته. وليضرب ضربته الذكية. وينفصل بثلث الجيش عائدا إلى المدينة معلنا: (.... سفه رأيي، ورد حلفائي. ما أدري علام نقتل أنفسنا أيها الناس). ولئن كات تصرفاته يوم بني قنيقاع كبيرة على الحس الإسلامي. فلقد أصبحت تافهة لا تذكر أمام تصرفه في أحد.
ولقد كانت ذات أثر خطير جدا من الناحية المعنوية. فأن ينفصل الجيش معه. فهذا يعني تصدع الصف الداخلي وهو مقدم على حرب عنيفة. وإذا أردنا أن نحدد أبعاد هذه الخطوة أكثر فيمكن القول: إن الأمر أكبر من ثلث الجيش. فقد أكد القرآن الكريم أن هناك بعض الفئات كادت تستجر معه {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون} ) (1).
كما يشير القرآن الكريم إلى المنافقين الذين بقوا في الجيش، وعلهم مكثوا بأمره ليتموا المهمة الخطيرة. مهمة إشاعة الفوضى والرعب في الصفوف. حيث يؤكد القرآن هذا المعنى بقول الله عز وجل: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من
(1) آل عمران /142.
الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور}) (1).
فإشارة القرآن الكريم إلى الطائفتين المؤمنتين اللتين كادتا تلتحقان بالمنشقين عن الجيش، والإشارة إلى الطائفة التي أهمتها نفسها في المعركة. وهي أخت الطائفة المنشقة وتأكيد القرآن وجود جزء من المنافقين في الجيش في الآية الكريمة {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيى ويميت والله بما تعملون بصير} ) (2).
لتوضح هذه الأمور أن المنافقين هم قرابة نصف الجيش. وتتحدث السيرة عن هذه النماذج في المعركة. فبعضهم قال: (ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي ليأخذ لنا أمانا من أبي سفيان. يا قوم إن محمدا قد قتل. فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم)(3) - وقال رجال (لو كان نبيا ما قتل فارجعوا إلى دينكم الأول)(4).
ونلاحظ أن الخط النبوي في أحد. قد اختلف عن الخط في قينقاع من حيث التعامل مع زعيم النفاق. فقد كانت المراعاة في الموقف
(1) آل عمران / 154.
(2)
آل عمران /156.
(3)
و (4) السيرة الحلبية /2/ 504.
الأول كافية لتبيان نوعية هذه النماذج. وكفيلة بأن تعيدهم إلى حظيرة الإيمان.
لكننا نجد أن مواقفهم لم تتغير. فقد كان الموقف حاسما وواضحا في أحد. وقد رد حلفاء عبد الله بن أبي من اليهود. فلا يمكن أن يقوم في الصف الإسلامي تكتل محاذ لكتلة المسلمين وجماعتهم. ولا يمكن أن يقبل تجمع بجوار الجماعة المسلمة. ينتمي لغير قيادتها. ويفرض رأيه عليها. رغم حاجة رسول الله (ص) إلى العدد حيث يواجه ثلاثة آلاف بألف مقاتل. إلا أن المبدأ لا ينقض.
فطالما أنهم لم يعلنوا انضمامهم للصف الإسلامي. فلا استعانة بأهل الكفر على أهل الشرك. وهم يشكلون خطرا على الصف الإسلامي نفسه. فالخطورة تكمن في أنهم ليسوا حلفاء المسلمين. إنما هم حلفاء عبد الله بن أبي. فسلامة الصف ووضوح الولاء أهم بكثير من التجمع العشوائي. وكان انفصال عبد الله بن أبي رحمة بالمؤمنين. وكما قال عبد الله بن عمرو بن حرام: (أبعدكم الله. فسيغني الله عنكم نبيه).
وكان بالإمكان بعد العودة من أحد أن يوجد في الصف الإسلامي الخالص من يعذر عبد الله بن أبي ويدافع عنه، ويجد له ولحزبه العذر بالعودة بحجة أنهم مسلمون لهم ظروفهم. لكن كلام الله تعالى عنهم جاء كوقع الصاعقة عليهم. فقد كان القرآن يدمغهم بالنفاق بأوضح بيان {وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالو لو نعلم قتالا لاتبعنكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم
ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون} (1). ثم يربط القرآن الكريم بين الفريقين الذين استمروا في الجيش لإشاعة البلبلة والهزيمة. والذين انخذلوا إلى المدينة {الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين} (2).
ولا نبالغ إذا قلنا: إن قمة تجمع المناففين وخطره برز يوم أحد، لكننا نؤكد في الوقت ذاته أنه قد افتضح أمره. وبرز المنافقون بأشخاصهم وأعيانهم حيث يعلن القرآن عنهم أنهم أقرب للكفر منهم للإيمان وبذلك تمت المفاصلة بينهم وبين المؤمنين. وغدت الجماعة المسلمة تنظر إليهم بعين الحذر والكراهية إن استمروا على مواقفهم. وأصبح المسلم يكف عن بث أسراره لأخيه من أبيه وأمه إن كان ممن وصم بالنفاق.
وأدت هذه المواقف الحاسمة منهم بعد ذلك أن يخنسوا ويحاولوا التقرب من الصف المؤمن والاعتذار إليه. وأن يتراجعوا عن موقف المواجهة والتحدي، ويغيروا خطتهم للعمل في الخفاء. أما الذين كان مغررا بهم فقد بدؤا ينضمون للصف الإسلامي في توبة نصوح خالصة. حيث فتح لهم القرآن طريق التوبة بعد التحذير العنيف الرهيب بسوء مصيرهم إن استمروا على موقفهم {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا
(1) آل عمران / 167.
(2)
آل عمران / 168.