الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عمر رسول الله (ص) يضاعف. ويبلغ خمسين عاما. يتجاوز الشباب والكهولة. وليس عنده إلا امرأة واحدة هي خديجة رضي الله عنها تكبره بخمسة عشر عاما. وهو أطهر أهل الأرض. وماذا يبقى من الصبوة والشباب بعد الخمسين؟
وقد لخص رسول الله (ص) خلاصة حياتها معه في حواره مع عائشة رضوان الله عليها:
(كان رسول الله (ص) إذا ذكر خديجة لم يكد يسأم من ثناء عليها واستغفار لها فذكرها يوما فحملتني الغيرة. فقلت: لقد عوضك الله من كبيرة السن! قال، ((فرأيته غضب غضبا أسقطت في خلدي.)) وقلت في نفسي. اللهم إن ذهب غضب رسولك عني لم أعد أذكرها بسوء، فلما رأى النبي ما لقيت. قال:((كيف قلت؟. والله لقد آمنت بي إذ كذبني الناس، وآوتني إذ رفضني الناس، ورزقت منها الولد وحرمتموه مني.))). قالت: فغدا وراح علي بها شهرا) (1).
لقد كانت رضي الله عنها رفيقة دربه، وعاشت المحنة كلها. فكانت بلسما لجراحه. ومضت في التاريخ أول من آمن به في الأرض.
وكان عام وفاتها ووفاة عمه أبي طالب. هو عام الحزن.
المرحلة الثالثة: حتى الخامسة والخمسون من العمر
3 -
ثم كان
الزواج بعائشة وسودة
رضوان الله عليهما. وقد جاوز رسول الله
(1) سير أعلام النبلاء للذهبي، وإسناد الحديث حسن / 112.
(ص) الخمسين. ولما ماتت خديجة. حزن عليها النبي (ص) حزنا شديدا. فبعث الله جبريل فأتاه بعائشة في مهد فقال: يا رسول الله هذه تذهب بعض حزنك، وأن في هذه خلفا من خديجة.) (1)
وقد حدث رسول الله (ص) عائشة بذلك فقالت:
(قال لي رسول الله (ص): ((رأيتك في المنام مرتين، أتيت بك في سرقة من حرير فأكشفها. فإذا أنت. قال فيقال: هذه امرأتك. قال. فأقول: إن كان هذا من عند الله يمضه.))) (2)
(وقال الإمام أحمد في مسنده عن .. محمد بن عمرو أبو سلمة ويحي قالا:
لما هلكت خديجة جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون، فقالت: يا رسول الله ألا تزوج؟ قال: من؟ قالت: إن شئت بكرا وإن شئت ثيبا، قال: فمن البكر؟ قالت: ابنة أحب خلق الله إليك عائشة ابنة أبي بكر. قال: ((ومن الثيب؟)) قالت: سودة بت زمعة. قد آمنت بك واتبعتك. قال: ((فاذهبي فاذكريهما علي))).
فدخلت بيت أبي بكر. فقالت: يا أم رومان: ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله (ص)
(1) الطبقات الكبرى لابن سعد 78/ 8.
(2)
البخاري / ك النكاح. / ب. نكاح الأبكار 9/ ج 7/ ص 6/ م 3.
أخطب عليه عائشة قالت انتظري أبا بكر حتى يأتي. فجاء أبو بكر. فقالت: يا أبا بكر! ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة؟ قال: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله (ص) أخطب عليه عائشة، قال: وهل تصلح له؟ إنما هي ابنة أخيه. فرجعت إلى رسول الله (ص) فذكرت ذلك له. فقال: ((ارجعي إليه فقولي له: ((أنا أخوك وأنت أخي في الإسلام وابنتك تصلح لي))) فرجعت. فذكرت ذلك له: قال: انتظري، وخرج. قالت أم رومان: إن مطعم بن عدي قد كان ذكرها على ابنه. ووالله ما وعد أبو بكر وعدا قط فأخلفه. فدخل أبو بكر على مطعم بن عدي، وعنده امرأته أم الصبي، فقالت: يا ابن أبي قحافة، لعلك مصب (1) صاحبنا تدخله في دينك الذي أنت عليه إن تزوج إليك، فقال أبو بكر للمطعم بن عدي: أقول هذه تقول؟. قال: إنها تقول ذلك، فخرج من عنده وقد أنهب الله ما كان في نفسه من عدته التي وعده. فرجع فقال لخولة: ادعي لي رسول الله (ص). فدعته فزوجها إياه وعائشة يومئذ بنت ست سنين.
ثم خرجت فدخلت على سودة بنت زمعة. فقالت: ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله (ص) أخطبك إليه، قالت: وددت. ادخلي إلى أبي فاذكري ذلك له - وكان شيخا كبيرا قد تخلف عن الحج - فدخلت عليه فحيته بتحية الجاهلية، فقال: من هذه؟ قالت: خولة بنت حكيم، قال: فما شأنك؟ قالت: أرسلني محمد بن عبد الله أخطب عليه سودة.
(1) مصب: أي مدخل ولدنا في الإسلام وكانوا يقولون للمسلم: صابىء.
فقال: كفء كريم ماذا تقول صاحبتك؟ قالت: تحب ذلك. قال: ادعيها إلي، فدعيتها قال: أي بنية، إن هذه تزعم أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد أرسل يخطبك وهو كفء كريم. أتحبين أن أزوجك به؟ قالت: نعم. قال: ادعيه لي. فجاء رسول الله. فزوجها إياه. فجاء أخوها عبد بن زمعة من الحج فجعل يحثي على رأسه التراب، فقال بعد أن أسلم: لعمرك إني لسفيه يوعي أحثي على رأسي التراب أن تزوج رسول الله (ص) سودة بنت زمعة ..) (1)
فقد تزوج رسول الله (ص) عائشة بوحي من السماء. وبتوجيه من جبريل عليه الصلاة والسلام. وكان من ثمرة هذا الزواج في الدعوة إلى الله وتبليغ الرسالة. قول ابن اختها عروة بن الزبير:
ما رأيت أحدا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة (2).
وأما سودة بنت زمعة رضي الله عنها. فكان جبرا لخاطر كسير بعد وفاة زوجها السكران بن عمرو رضي الله عنه. والذي مات بعد عودته من مهاجرة الحبشة. وهي في بيت شرك ووثنية. حتى ليحثو أخوها التراب على رأسه عندما سمع بهذا الزواج. فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: كانت سودة بنت زمعة عند السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو. فرأت في المنام كأن النبي (ص) أقبل يمشي حتى وطىء على عنقها. فأخبرت زوجها بذلك. فقال: وأبيك لئن صدقت
(1) مسند الإمام أحمد 6/ 210 - 211 - 212.
(2)
أسد الغابة في معرفة الصحابة 5/ 504.