الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم ..} وفسره النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم رضي الله عنه بأنهم «أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم» ، كثير من أنواع المتعبدة يطيع بعض المعظمن عنده في كل ما يأمره به، وإن تضمن تحليل تحريم أدر تحريم حلال) (1).
عناية الإسلام بسد ذرائع الشرك:
وبعد أن بعث الله تعالى نبيه محمدا بالحق والهدى، وبالآيات البينات، سد طرائق الشرك وذرائع الشيطان التي يتوصل بها للانحراف بالناس.
فلقد حفظ كتابه من الزيادة والتحريف وتكفل جل وعلا به بينما كان الربانيون والأحبار من أهل الكتاب هم المستحفظون على كتبهم {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ..} (2).
أما القرآن الكريم فـ {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} (3){إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (4).
والسنة النبوية المصدر الثاني للتشريع قد تكفل العلماء بجمعها وتحقيقها، فقاموا بهذا الأمر خير قيام، وأدوا أمانة الاستحفاظ عليها خلال القرون،
(1) اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية 9، 10.
(2)
المائدة: 44
(3)
فصلت: 42.
(4)
الحجر:9.
وحفظوها من كيد الكائدين: وغرض المغرضين، وبذلك بقيت أصول الشريعة نقية من كل شائبة، محفوظة من كل دخل، لتقوم الحجة على الناس إلى قيام الساعة «تركتكم على البيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ» (1). «تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض» (2).
وفي حفظ أصول الشريعة وينابيعها يكشف كل زيغ وضلال وشرك. وربط الله تعالى طاعة أولي الأمر وقادة الأمة بطاعة الله تعالى ورسوله، فهم يطاعون بما ينفذون من حكم الله، ولا يطاعون لأشخاصهم وأعيانهم، وفي القرآن الكريم:{يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} (3).
وفي الوقت الذي يأمر الله تعالى ورسوله المؤمنين بطاعة أولي الأمر مهما كانوا ما أقاموا كتاب الله، ونفذوا شريعته:«ولو كان عبدا حبشيا كأن رأسه زبيبة» (4).
وفي الوقت نفسه يأمر الله تعالى ورسوله المؤمنين أن يأخذوا على يد الظالم
(1) رواه ابن ماجه المقدمة 6/ 543.
(2)
رواه الحاكم وصححه، صحيح الجامع الصغير 1/ 39.
(3)
النساء:59.
(4)
الحديث الذي رواه البخاري وأحمد وابن ماجه (اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة).
وأن يقاتلوا من خرج على شريعة الله، وأنتهك حرمات الله تعالى. بل يجعل أقرب القربات له سبحانه أن يقتل المسلم وهو يذود عن دينه في وجه الطغاة والمتنفذين «سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر أمره فنهاه فقتله» (1)«ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرا» (2).
والصالحون من الأمة مهما على شأنهم في الدنيا فهم عبيد لله تعالى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم سيد العابدين «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم فإنما عبد الله ورسوله» (3).
وإذا كان هو عليه الصلاة والسلام في أعظم مقامات العبودية، فلن يرتفع مخلوق فوقه في هذا الوجود عن هذا المقام.
وإذا كان سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام وهو بشر لن يرتفع عن مقام العبودية، فالأشياء مهما سمت من مواقع وأماكن هي من آثاره صلى الله عليه وسلم، فليس لها قداسة ترتفع بها إلى أن تعبد من دون الله.
وأعظم ما في هذا الوجود من الأشياء هو بيت الله الحرام، والكعبة المشرفة، والحجر الأسود هو قمة التشريف فيها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبله فقط.
(1) رواه الحاكم في المستدرك صحيح الجامع الصغير 1/ 219.
(2)
أبو داود. الملاحم 17 وابن ماجه.
(3)
البخاري ك. الأنبياء ب. 47.
(وهذا كما أنه قد ثبت باتفاق أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حج البيت لم يستلم من الأركان إلا الركنين ايمانيين. فلم يستلم الركنين الشامين ولا غيرهما من جوانب البيت، ولا مقام إبراهيم ولا غيره من المشاعر، وأما التقبيل فلم يقبل إلا الحجر الأسود.
وقد اختلف في الركن اليماني فقيل: يقبله، وقيل: يستلمه ويقبل يده، وقيل: لا يقبله ولا يقبل يده .. والأقوال الثلاثة مشهورة في مذهب أحمد ورغيره.
والصواب: أنه لا يقبله ولا يقبل يده، فإن النبى صلى الله عليه وسلم لم يفعل هذا ولا هذا كما تنطق به الأحاديث الصحيحة.
ثم هذه مسألة نزاء، وأما مسائل الإجماع فلا نزاع بين الأئمة الأربعة ونحوهم من أئمة العلم أنه لا يقبل الركنين الشاميين، ولا شيئا من جانب البيت. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستلم إلا الركنين اليمانيين، وعلى هذا عامة السلف. وقد روي «أن ابن عباس ومعاوية طافا بالبيت فاستلم معاوية الأركان الأربعة، فقال ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستلم إلا الركنين اليمانيين، فقال معاوية: ليس شيئا من البيت متروكا. فقال ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، فرجع إليه معاوية» ) (1).
(1) اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية 426، 427.