الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النجاشي قد أخفى إيمانه يوم ثارت الأحباش ضده، ليبقي مكز الحبشة آمنا للمسلمين (1).
كما تشير كذلك إلى أنه أعد سفينتين للمسلمين في تصور أسوأ الاحتمالات، فيما لو فاز خصومه عليه، فلا تهمه نفسه، لكن تهمه سلامة الدعاة فيهاجروا بها عند الخطر، وينجوا بأنفسهم من الطغيان (2).
ثانيا: عرض رسول الله (ص) نفسه على ثقيف
قال ابن إسحاق فحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال:
لما انتهى رسول الله (ص) إلى الطائف، عمد إلى نفر من ثقيف هم
(1) و (2) انظر السيرة النبوية لابن هشام وهذا هو نص الرواية:
(قال ابن إسحاق، وحدثني جعفر بن محمد عن أبيه قال:
اجتمعت الحبشة، فقالوا للنجاشي: إنك قد فارقت ديننا، وخرجوا عليه، فأرسل إلى جعفر وأصحابه فهيأ لهم سفنا، وقال: اركبوا فيها وكونوا كما أنتم، فإن هزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم. وإن ظفرت، فاثبتوا، ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه: هو يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، ويشهد أن عيسى بن مريم عبده ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم، ثم جعله في قبائه عند المنكب الأيمن وخرج إلى الحبشة وصفوا له، فقال: يا معشر الحبشة، ألست أحق الناس بكم؟ قالوا: بلى. قال: فكيف رأيتم سيرتي فيكم؟ قالوا: خير سيرة. قال: فما بالكم؟ قالوا: فارقت ديننا، وزعمت أن عيسى عبد. قال: فما تقولون أنتم في عيسى؟ قالوا: نقول هو ابن الله، فقال النجاشي، ووضع يده على صدره على قبائه: هو يشهد أن عيسى بن مريم، لم يزد على هذا شيئا، وإنما يعني ما كتب. فرضوا وانصرفوا عنه،
فبلغ ذلك النبي (ص)، فلما مات النجاشي صلى عليه واستفغر له) 1/ 341.
يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، هم إخوة ثلاثة: عبد ياليل بن عمرو بن عمير، ومسعود بن عمرو، وحبيب بن عمرو. وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح. فجلس إليهم رسول الله (ص)، فدعاهم إلى الله، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال له أحدهم: هو يمرط (1) ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك. وقال الآخر: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك؟
وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدا، لئن كنت رسولا من الله كما تقول: لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك، فقام رسول الله (ص) من عندهم، وقد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم - فيما ذكر لي -:((إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني)) وكره رسول الله أن يبلغ قومه عنه، فيذئرهم (2) ذلك عليه.
فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس، ولجؤوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وهما فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف، وقد لقي رسول الله (ص) - فيما ذكر لي - المرأة التي من بني جمح، فقال لها:((ماذا لقينا من أحمائك))) (3).
(1) يمرط: يمزق.
(2)
فيذئرهم عليه: يثيرهم عليه ويجرؤهم.
(3)
السيرة النبوية لابن هشام 1/ 419 وقد رواه ابن إسحاق عن يزيد بن زياد (ثقة) عن محمد بن كعب القرظي (ثقة).
وعن عبد الله بن جعفر قال:
لما توفي أبو طالب خرج النبي (ص) إلى الطائف ماشيا على قدميه يدعوهم إلى الإسلام، فلم يجيبوه فأتى ظل شجرة فصلى ركعتين ثم قال:(اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وهواني على الناس، أنت أرحم الراحمين، إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني، أم إلى قريب ملكته أمري، إن لم تكن غضبان علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بوجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك، أو يحل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا قوة إلا بك)) (1). قال ابن إسحاق (بسنده السابق):
فلما رآه ابنا ربيعة عتبة وشيبة، وما لقي، تحركت له رحمهما، فدعوا غلاما لهم نصرانيا يقال له عداس، فقالا له: خذ قطفا من هذا العنب، فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له: يأكل منه، ففعل عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله (ص) ثم قال له: كل. فلما وضع رسول الله (ص) فيه يده قال: ((بسم الله)) ثم أكل، فنظر عداس في وجهه، ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله (ص):((ومن أي البلاد أنت يا عداس؟ وما دينك؟)) قال: نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى، فقال رسول الله (ص):
(1) مجمع الزوائد للهيثمي 36/ 6 وقال: رواه الطبراني وفيه ابن إسحاق وهو مدلس ثقة، وبقية رجاله ثقات.
((من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟)) فقال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله (ص): ((ذاك أخي، كان نبيا وأنا نبي)) فأكب عداس على رسول الله (ص) يقبل رأسه ويديه وقدميه.
قال: يقول ابنا رييعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك، فلما جاءهما عداس قالا له: ويلك يا عداس! ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي ما في الأرض خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي؟ قالا له: ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه) (1). وزاد التيمي:
(أن عداسا حين سمعه يذكر يونس بن متى قال: والله لقد خرجت منها (يعني نينوى) وما فيها عشرة يعرفون ما متى، فمن أين عرفت أنت متى، وأنت أمي وفي أمة أمية ..) (2). وعن عروة بن الزبير قال:
(
…
واجتمعوا يستهزئون برسول الله (ص). وقعدوا له صفين على طريقه فأخذوا بأيديهم الحجارة، فجعل لا يرفع رجله ولا يضعها إلا رضخوها بالحجار، وهم في ذلك يستهزئون ويسخرون، فلما خلص من صفيهم وقدماه تسيلان الدماء، عمد إلى حائط كرومهم فأتى ظل حبلة من الكرم (3) فجلس
(1) السيرة النبوية لابن هشام 421/ 1.
(2)
الروض الأنف للسهيلي179/ 2.
(3)
الحبلة من العنب: بالضم الكرم من العنب أو أصل من أصوله.
في أصلها مكروبا موجعا تسيل قدماه الدماء ..) (1).
وقد روى الإمام أحمد عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن خالد بن أبي جبل العدواني:(أنه أبصر رسول الله (ص) في مشرق ثقيف وهو قائم على قوس - أو عصى - حين أتاهم يبتغي عندهم النصر، فسمعته يقول:{والسماء والطارق} حتى ختمها. قال: فوعيتها في الجاهلية وأنا مشرك، ثم قرأتها في الإسلام. قال: فدعتني ثقيف فقالوا: ماذا سمت من هذا الرجل؟ فقرأتها عليهم، فقال من معهم من قريش: نحن أعلم بصاحبنا، لو كنا نعلم ما يقول حقا لاتبعناه) (2).
وعن عروة بن الزبير رضي الله عنه (أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي (ص) حدثته أنها قالث للنبي (ص): هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: ((لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقة إذ عرضت نفسي على عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت، وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب (3)، فرفعت رأسي، فإذا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: يا محمد. فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين (4)؟)
(1) مغازي رسول الله (ص) لعروة بن الزبير 118.
(2)
البداية والنهاية لابن كثير 3/ 50.
(3)
قرن الثعالب: هو قرن المنازل وهو ميقات أهل نجد، تلقاء مكة على يوم وليلة منها.
(4)
الأخشبين: الجبلين العظيمين. والأخشبان: جبلا مكة: أبو قبيس والأحمر؛ أو قعيقعان.
فقال النبي (ص): ((بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا)) (1).
قال ابن إسحق (بسنده السابق):
ثم إن رسول الله (ص) انصرف من الطائف راجعا إلى مكة حين يئس من خير ثقيف، حتى إذا كان بنخلة (2). قام من جوف الليل يصلي، فمر عليه النفر من الجن الذين ذكرهم الله تبارك وتعالى. وهم - فيما ذكر لي - سبعة نفر من جن أهل نصيبين، فاستمعو له، فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا، وأجابوا إلى ما سمعوا، فقص الله خبرهم عليه (ص) قال الله عز وجل:{وإذا صرفها إليك نفرا من الجن ..} إلى قوله تعالى: {
…
ويجركم من عذاب أليم} (3).
…
1 -
مع وفاة أبي طالب أخذت المحنة أبعادا جديدة، ومضت قريش دون قيد في صب الأذى على النبي (ص). وكما قال عليه الصلاة والسلام:((ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب)) (4).
كان لا بد من البحث عن موقع جديد تنطلق منه الدعوة، بعد
(1) البخاري ك. بدء الخلق 59 ب. إذا قال أحدكم آمين ح 7 م 2 ص 140 واللفظ له ومسلم ك. الجهاد والسير 32 ب. ما لقي النبي (ص) 39 ح 111 و 3 ص 1420.
(2)
نخلة: أحد واديين على مسيرة ليلة من مكة.
(3)
السيرة النبوية لابن هشام 422/ 1.
(4)
رواه ابن إسحاق عن هشام بن عروة عن عروة بن الزبير كلهم ثقات - وأورده البيهقي في الدلائل (ما زالت قريش كاعين (جبناء) عني حتى مات أبو طالب) 349/ 2.
أن وصلت في مكة إلى الطريق المسدود، ولا شك أن أنسب مكان لذلك هو الطائف، موطن ثقيف، فثقيف من حيث المنعة والعدة والعدد تضارع قريشا، ومن حيث الموقع كذلك، فاتجه رسول الله (ص) إلى رؤساء ثقيف يعرض عليهم الإسلام والنصر، وكان الرد العنيف والتجهم الشديد، والأذى الرهيب هو حصيلة هذا الاتجاه، وكما ذكر عليه الصلاة والسلام حين سألته عائشة: هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ ((لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على عبد ياليل)).
فنستطيع القول إذن، وعلى تقدير الرسول عليه الصلاة والسلام، أن المحنة قد بلغت ذروتها في الطائف، وإن أشد ما لاقاه عليه الصلاة والسلام، كان من ثقيف، وكما تقول الروايات المتعددة:
(
…
فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس، وألجؤوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ..).
(.. واجتمعوا يستهزؤون برسول الله (ص)، وقعدوا له صفين على طريقه فأخذوا بأيديهم الحجارة، فجعل لا يرفع رجله ولا يضعها إلا رضخوها بالحجارة، وهم في ذلك يستهزئون، ويسخرون، فلما خلص من صفيهم وقدماه تسيلان الدماء، عمد إلى حائط كرومهم، فأتى ظل حبلة من الكرم مكروبا موجعا تسيل قدماه الدماء ..).
بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وربك يرعاك ويحوطك، ولتصنع
على عين الله، وقد اصطنعك الله لنفسه، وأصابك ما أصابك، والله تعالى يسمع ويرى، وهو الذي شاء أن تبلغ المحنة ذروتها لحكمة بالغة، وقدر نافذ.
2 -
فماذا كان موقف إمام الأنبياء وسيد الدعاة من المحنة؟
كان هذا الدعاء الخالص المتبتل إلى الله سبحانه من ذلك القلب الموصول بالله ((اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي .. إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ اللهم إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تنزل بي غضبك، أو تحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا قوة إلا بك)) (1).
فهو دعاء المستعيذ بالله، المستجير به، وكل ما كان يخشاه عليه الصلاة والسلام أن تكون هذه المحنة غضبا من الله جل شأنه، وإلا فلا يضيره في الله شيء وكل شيء في جنب الله قليل.
هذه هي نفسية سيد الخلق، واضحة جلية، مع المحنة، وقد بلغت ذروتها، ووصلت قمتها، وهذا هو توجهه عليه الصلاة والسلام.
وهو أبلغ درس لنا نحن الدعاة، حين نلقى شيئا مما لقيه عليه
(1) سبل الهدى والرشاد للإمام الصالحي 2/ 576 وقال: رواه الطبراني برجال ثقات من عبد الله ابن جعفر.
الصلاة والسلام، فلابد من إعادة الحساب، ومراجعة الرصيد .. هل هي عقوبة على معصية؟ هل هي غضب رباني لمخالفات وانحرافات؟ ومن نحن أمام رسول الله رب العالمين، حتى نرى أنفسا أرفع من ذلك، ونعيد المحنة فقط إلى خطأ الآخرين وانحرافاتهم.
لا بد أن نطامن كثرا من غلوائنا ونتقاصر أمام هذه الجمل الخالدة: اللهم إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تنزل بي غضبك، أو تحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا قوة إلا بك)).
3 -
وبقي هذا الأمر مثار القلق للنبي (ص)! هل هذا الامتحان عضبا من الله جل شأنه، فماذا كان الجواب الرباني.
كان ابتداء أن انتقل عليه الصلاة والسلام ممن يرضخه بالحجارة ويسيل منها الدماء إلى من يواسيه فيقبل هذه الأرجل الطاهرة التي تسيل منها الدماء، ومن يمسح جراحه بضمه ومن يثلح صدرو بإيمانه.
انتقل عليه الصلاة والسلام في اللحظة الواحدة ممن يقول: أنا أمرط ثياب الكعبة .. إن كان الله قد أرسلك .. إلى من يقول: والله ما على ظهر الأرض خير من هذا.
وأي مواساة أعظم من هذه المواساة .. فلئن آذاه قومه، فهذا وافد العراق، وافد نينوى، الذي جاب الأرض، يكب على يديه ورجليه ويقبلهما، ويشهد له بالرسالة.
إنها الاستجابة الربانية بالتو واللحظة .. أن يسوق من شمال العراق، من نينوى من يؤمن بالله ورسوله حين كان الصد من أقرب الناس إليه.
وهو أول دليل يجبر الخاطر الكسير للرسول عليه الصلاة والسلام، أنه ليس في غضب الله وفي سخطه، إنه في رضوانه، وفي حبه، فإذا كان الصد قد وقع، فهذا الإيمان قد وقع كذلك.
4 -
ثم ماذا كانت المكافأة الربانية على هذا الصبر العظيم من حبيب رب العالمين؟ من حائط عتبة وشيبة إلى قرن الثعالب، والسحابة، إلى صديقه الحميم جبريل رسول رب العالمين إليه، ها قد حضر ليطمئنه أنه ليس في غضب الله، وليس في سخطه، لقد جاء في أوانه.
فماذا قال للحبيب المصطفى (ص)؟ أقرأه السلام من ربه، ومعه ضيف جديد هو ملك الجبال:((إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك).
رب إني مظلوم فانتصر.
وليس نوح ولا هود ولا لوط ولا شعيب، أكرم على الله تعالى من محمد عليه الصلاة والسلام.
(وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم.
فهذه الجبال بإمرة النبي (ص)، وكل هؤلاء المكذبين ذرات صغيرة في بطون هذه الجبال.
وكان الإكرام أعظم، والحفاوة أكبر، أن يكون الأمر مباشرة من
رسول رب العالمين لملك الجبال، ملك الجبال حضر، ليتلقى الأمر من محمد (ص)، ليشهد ثأره بنفسه، ويقر عينه بأن يكون الأمر مباشرة منه عليه الصلاة والسلام:((فناداني ملك الجبال، فسلم علي ثم قال: يا محمد: إن شئت أن أطبق عليهم الأخشين فعلت)).
لقد جأر إخوانه الأنبياء قبله بالدعاء إلى ربهم أن يفتح بينهم وبين قومهم بالحق، وانتصر ربهم لهم.
هل آن الأوان لأن ينتهي تاريخ الدعوة. فيطبق الأخشبان على قريش وثقيف، كما جرى مع من أخذته الصيحة، ومن خسفت به الأرض، ومن غرق. ثم ماذا بعد ذلك؟
إن المعجزة الأعظم من إطباق الأخشبين، أن يقف عليه الصلاة والسلام وحده من دون الخلق كافة، وفوق الأنبياء جميعا، لا يقبل العرض، ولما تزل الدماء تنزف من رجليه، ولا يصدر الأمر لملك الجبال، ولا تزال كلمات بني ياليل يرن صداها في أعماقه الجريحة:
(أما وجد الله أحدا يرسله غيرك؟!).
(والله لا أكلمك أبدا .. لئن كنت رسولا من الله كما تقول:
(1) العنكبوت 40.
لأنت أعظم من أن أكلمك. ولئن كنت تكذب على الله، فما ينبغي لي أن أكلمك) ..
أن يقف ليقول: ((بل أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده، ولا يشرك به شيئا)) ..
أي خلق هذا؟ وأي سمو هذا؟ إنه على استعداد أن يستمر في المحنة تدمي رجليه ووجهه ويصد عن القريب والبعيد من العدو الذي ملك أمره فلم يدخل مكة إلا بجوار، ومن البعيد الذي يتجهمه .. إلى متى؟! حتى يفنى هذا الجيل، وينشأ الجيل الآخر من أصلابهم، يقول: لا إله إلا الله ..
أيها الدعاة إلى الله في هذا الوجود .. هل سمعتم عن داعية إلى الله أعظم من هذا الداعية .. وبيده الآن الأمر .. بالله تعالى بعث له ملك الجبال ليكون بإمرته، ويقصم عدوه، وينتصر عليه، ويفنى ويباد ويدمر.
ولكن الدعو إلى الله، وأن ينال محمد عليه الصلاة والسلام ثمرة دعوته وجهاده مع هؤلاء المعاندين المستكبرين وأن يتجرع أشد الغصص حتى يصل إلى هذه الثمرة، وأشهى على قلبه من نشوة النصر على عدوه.
إن نشوة النصر بالجيل الذي يخرج من أصلابهم ويحمل لواء الدعوة إلى الله أعظم بكثير من أن يرى مصرع القوم بين يديه. يا له من قمة شامخة إلى السماء قدماها على الأرض، ولا يرتقي
لها مخلوق في هذا الوجود.
وأنتم أيها الدعاة إلى الله، هل لكم أن تفقهوا عظمة هذا الدرس حين تملك الدعوة على المسلم كل قلبه ومشاعره وحياته .. ويكون انتصار الدعوة هو الهدف الأول والأخير؟!
5 -
وأنك لعلى خلق عظيم .. وبعد هذا الإكرام، وبعد هذا السمو .. ماذا كان الإكرام الرباني؟!
كان أن انتقلت دعوته إلى الثقلين، هذه الدعوة التي رفضها أولاد ياليل في هذه البقعة النائية من الأرض، المنسية من التاريخ، والتي حفل الأولاد والسفهاء فيها بتعذيب سيد الدعاة وإيذائه ورضخه بالحجارة .. أن انتقلت إلى عالم آخر .. عالم الجن.
{فاسفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب} (1).
هؤلاء الجن يتلقون دعوة النبي (ص)، دون أن يدري، فيأخذوها ويمضوا بها إلى قومهم، إلى عالم الجن، عالم لا يعرفه رسول الله (ص)، وجد الدعاة، ووجد الصحابة، ووجد الحواريين في عالم الجن يبلغون دعوة رسول الله (ص) إلى قومهم.
{يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم} (2).
(1) الصافات 11.
(2)
الأحقاف 31.
لقد غدا اسم محمد (ص) تهفو به قلوب الجن، وليس قلوب الإنس فقط .. ليس قلب أبي بكر وعمر وعبد الرحمن وسعد، وطلحة والزبير، العشرة المبشرون .. هناك التسعة الحواريون من عالم الجن، حملوا اللواء والراية، ووطنوا أنفسهم دعاة إلى الله .. {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا ..} (1).
…
وبعد .. فما أحوج الدعاة إلى الله ليقفوا وقفات التأمل هذه عند هذه الحادثة الفذة الخالدة، يتعلمون منها:
- الصبر على الأذى، والتحمل لأعباء الدعوة وتكاليفها.
- ومراجعة الطريق، وتصحيح المسار، أن يكون به خلل يغضب الله ورسوله، فيحول دون التوفيق، ويؤدي إلى استمرار المحنة ..
- وأن يبقى الهدف الأول والأسمى هو انتصار دعوتهم ودينهم، وليس انتصار أنفسهم، هو هداية عدوهم، واحتلال قلوبهم بعظمة هذا الدين، وليس الثأر لذاتهم وشخصيتهم.
وأن يوطنوا أنفسهم على طول الطريق، وبعد الغاية، والنظر للدعوة من خلال الأجيال، لا من خلال اللحظات العنيفة القائمة، (عسى الله أن يخرج من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله).
(1) الجن 2،1.