الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ورسول الله (ص) ماض في طريقه، صابر لأمر ربه، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا حرب محارب، ولا كيد مستهزىء.
آن الأوان لأن يقر الله تعالى عين نبيه، فيعرج به من دون الخلائق جميعا إليه، ويكرمه على صبره وجهاده، ويلتقي به مباشرة دون رسول ولا حجاب، ويطلعه على عوالم الغيب دون الخلق كافة، ويجمعه مع إخوانه من الرسل في صعيد واحد فيكون الإمام والقدوة لهم وهو خاتمهم وآخرهم، ويحدثنا عليه الصلاة والسلام عن هذه الرحلة الخالدة فيقول:
حديث الإسراء
(عن أنس بن مالك أن رسول الله (ص) قال:
((أتيت بالبراق)) (وهو أبيض طويل فوق الحمار دون البغل يضع حافره عفد منتهى طرفه) قال: ((فركبته حتى أتيت بيت المقدس)) قال: (فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء)) قال: ((ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن. فقال جبريل (ص): اخترت الفطرة ..)) (1).
(وهن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله (ص) يقول:
(1) مسلم باب الإسراء 74 ك. الأيمان 1 ح 259.
(لما كذبني قريش قمت من الحجر، فجلا الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه)) (1).
(قال الحسن (2) في حديثه: فمضى رسول الله (ص) ومضى جبريل عليه السلام معه، حتى انتهى به إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء فأمهم رسول الله (ص) فصلى بهم، ثم أتي بإناءين في أحدهما خمر وفي الآخر لبن. قال: فأخذ رسول الله (ص) إناء اللبن، فشرب منه، وترك إناء الخمر. قال: فقال جبريل: هديت للفطرة، وهديت أمتك يا محمد، وحرمت عليكم الخمر، ثم انصرف رسول الله (ص) إلى مكة. فلما أصبح غدا على قريش فأخبرهم الخبر، فقال أكثر الناس: هذا والله الأمر البين، والله إن العير لتطرد شهرا من مكة إلى الشام مدبرة، وشهرا مقبلة. أفيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة، ويرجع إلى مكة؟! قال: فارتد كثير ممن كان أسلم. وذهب الناس إلى أبي بكر، فقالوا له: هل لك يا أبا بكر في صاحبك، يزعم أنه جاء هذه الليلة بيت المقدس، وصلى فيه، ورجع إلى مكة. فقال أبو بكر: والله لئن كان قال لقد صدق، فما يعجبكم من ذلك؟!. فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه. فهذا أبعد مما تعجبون منه. ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله (ص) فقال: يا نبي الله، أحذثت هؤلاء القوم أنك أتيت المقدس هذه الليلة؟ قال:((نعم)) قال: يا نبي الله، فصفه لي فإني قد جئته. قال
(1) البخاري ك. مناقف الأنصار 63ب. حديث الإيراء ص 66 م 2 ج 5 - رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث الزهري عن أبي سلمة عن جابر به. ومن حديث عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة عن أبي هريرة.
(2)
الحسن: هو الحسن البصري رحمه الله.
الحسن: فقال رسول الله (ص): (فرفع لي حتى نظرت إليه) فجعل رسول الله (ص) يصفه لأبي بكر، ويقول أبو بكر: صدقت أشهد أنك رسول الله كلما وصف له منه شيئا، قال: صدقت أشهد أنك رسول الله .. حتى انتهى. قال رسول الله (ص) لأبي بكر: ((وأنت يا أبا بكر الصديق)) فيومئذ سماه الصديق.
قال الحسن: وأنزل الله تعالى فيمن ارتد عن إسلامه لذلك: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا} (1)) (2).
(قال محمد بن إسحاق: وكان - فيما بلغني - عن أم هانىء بنت أبي طاب رضي الله عنها واسمها هند في مسرى رسول الله (ص)، أنها كانت تقول: ما أسرى برسول الله (ص) إلا وهو في بيتي، نائم عندي تلك الليلة في بيتي، فصلى العشاء الآخرة، ثم نام ونمنا، فلما كان قبيل الفجر، أهبنا رسول الله (ص) فلما صلى الصبح، وصلينا معه، قال: ((يا أم هانىء لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي.
ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه، ثم قد صليت صلاة الغداة معكم، الآن كما ترين)) ثم قام ليخرج فأخذت بطرف ردائه، فتكشف عن بطنه كأنه قبطية سطوية (3)، فقلت له: يا نبي الله، لا تحدث بهذا الناس فيكذبوك
(1) الإسراء 60.
(2)
السيرة النبوية لابن هشام 398/ 1، 399.
(3)
قبطية سطوية: نوع من أنواع الملابس الواردة من مصر.
ويؤذوك. قال: ((والله لأحدثهموه)) قالت: فقلت لجاية لي حبشية: ويحك اتبعي رسول الله (ص) حتى تسمعي ما يقول للناس، وما يقولون له. فلما خرج رسول الله (ص) إلى الناس أخبرهم، فعجبوا وقالوا: ما آية ذلك يا محمد؟ فإنا لم نسمع بمثل هذا قط. قال: ((آية ذلك أني مررت بعير بني فلان بوادي كذا وكذا، فأنفرهم حس الدابة، فند (1) لهم بعيرهم فدللتهم عليه، وأنا موجه إلى الشام، ثم أقبلت حتى إذا كنت بضجنان مررت بعير بني فلان، فوجدت القوم نياما، ولهم إناء فيه ماء قد غطوا عليه بشيء فكشفت غطاءه، وشربت ما فيه، ثم غطيت عليه كما كان. وآية ذلك أن عيرهم الآن تصوب من البيضاء، ثنية التنعيم يقدمها جمل أورق، عليه غرارتان إحداهما سوداء، والأخرى برقاء)) قالت: فابتدر القوم الثنية، فلم يلقهم أول من الجمل كما وصف لهم، وسألوهم عن الإناء، فأخبروهم أنهم وضعوه مملوءا ماء ثم غطوه، وأنهم هبوا فوجدوه مغطى كما غطوه، ولم يجدوا فيه ماء. وسألوا الآخرين وهم بمكة، فقالوا: صدق والله، لقد أنفرنا في الودي الذي ذكره، وند لنا بعير، فسمعنا صوت رجل يدعونا إليه حتى أخذناه) (2).
(وفي رواية يونس: أنه وعد قريشا بقدوم العير التي أرشدهم إلى البعير، وشرب إنائهم وأنهم سيقدمون ويخبرون بذلك. فقالوا: يا محمد متى يقدمون؟ فقال: ((يوم الأربعاء)) فلما كان ذلك اليوم ولم يقدموا، حتى قربت الشمس أن تغرب، فدعا الله فحبس الشمس حتى قدموا كما وصف.
(1) ند: هرب.
(2)
السيرة النبوية لابن هشام 402/ 1، 403.
قال: ولم يحبس الشمس إلا له ذلك اليوم وليوشع بن نون) (1). يقول ابن كثير:
(وقد عاين في تلك الليلة من الآيات والأمور التي لو رآها (2) - أو بعضها - غيره لأصبح مندهشا أو طائش العقل، ولكنه (ص) أصبح واجما - أي ساكنا - يخشى إن بدأ فأخبر قومه بما رأى أن يبادروا إلى تكذيبه، فتلطف بإخباجم أولا بأنه جاء بيت المقدس في تلك الليلة، وذلك أن أبا جهل - لعنه الله - رأى رسول الله (ص) في المسجد الحرام وهو جالس واجم، فقال له: هل من خبر؟ فقال: ((نعم)) فقال: ما هو؟ قال: ((إني أسري بي الليلة إلى بيت المقدس)) قال: إلى بيت المقدس؟! قال: ((نعم)) فأراد أبو جهل جمع قريش ليسمعوا منه ذلك، وأراد رسول الله جمعهم ليخبرهم بذلك ويبلغهم فقال أبو جهل:
هيا معشر قريش، وقد اجتمعوا من أنديتهم، فقال: أخبر قومك بما
(1) الروض الأنف للسهيلي 149/ 2.
(2)
اختلف العلماء حول الإسراء كان يقظة أو مناما. يقول السهيلي:
(وذهبت طائفة ثالثة منهم شيخنا القاضي أبو بكر رحمه الله إلى تصديق المقالتين، وتصحيح الحديثين، وأن الإسراء كان مرتين، إحداهما كان في نومه توطئة له، وتيسرا عليه، كما كان بدء نبوته الرؤيا الصادقة ليسهل عليه أمر النبوة، فإنه عظيم تضعف عنه القوى البشرية .. ورأيت المهلب في شرح البخاري قد حكى هذا القول عن طائفة من العلماء وأنهم قالوا: كان الإسراء مرتين: مرة في نومه، ومرة في يقظته ببدنه (ص). قال المؤلف: وهذا القول هو الذي يصح، وبه تتفق معاني الأخبار .. ورواة الحديثين حفاظ، فلا يستقيم الجمع بين الروايتين، إلا أن يكون الإسراء مرتين .. والرواة أثبات، ولا سبيل إلى تكذيب بعضهم ولا توهينهم) الروض الأنف للسهيلي 149/ 3، 150.
أخبرتني به، فقص عليهم رسول الله (ص) خبر ما رأى، وأنه جاء بيت المقدس هذه الليلة وصلى فيه، فمن بين مصدق وبين مصفر، تكذيبا له، واستبعادا لخبره. وطار الخبر بمكة، وجاء الناس إلى أبي بكر رضي الله عنه، فأخبروه أن محمدا يقول كذا وكذا، فقال: إنكم تكذبون عليه، فقالوا: والله إنه ليقوله. فقال: إن كان قاله فلقد صدق. ثم جاء إلى رسول الله (ص) وحوله مشركو مكة، فسأله ذلك فأخبره، فاستعلمه عن صفات بيت المقدس، ليسمع المشركون ويعلموا صدقه فيما أخبرهم به) (1).
…
1 -
من دلالات الإسراء برسول الله (ص) هو أن رسالة الله واحدة إلى خلقه وهي الإسلام {إن الدين عند الله الإسلام} وبه جاء الأنبياء من لدن آدم ونوح إلى محمد عليه الصلاة والسلام، فهو يصلي إماما بالأنبياء، ويؤم بيت المقدس، الذي أقيم للناس ليعبدوا الله تعالى فيه بعد بيت الله الحرام. وهو القبلة الأولى للمسلمين، وأهميته بالنسبة للمسلمين وثيقة مثل أهمية بيت الله الحرام، ولو تحولت القبلة عنه، فمحمد (ص) خاتم النبيين وإمامهم.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: ((أنا أولى الناس بابن مريم، الأنبياء أولاد علات، وليس بيني وبين ابن مريم نبي)) قال: كان أبو هريرة يقول: قال رسول الله (ص): ((مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحسن بنيانه، ترك منه موضع لبنة،
(1) البداية والنهاية لابن كثير 3/ 124.
فطاف بها النظار يتعجبون من حسن بنائه إلا موضع تلك اللبنة لا يعيبون سواها، فكنت أنا سددت موضع تلك اللبنة، ختم بي البنيان، وختم بي الرسل)) (1).
وقال رسول الله (ص): ((أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة)) قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: ((الأنبياء إخوة من علات، وأمهاتهم شتى، ودينهم واحد، وليس بيننا نبي)) (2).
2 -
وشرب رسول الله (ص) اللبن حين خير بينه وبين الخمر، وبشارة جبريل عليه الصلاة والسلام: هديت للفطرة. تؤكد أن هذا الإسلام دين الفطرة البشرية الذي ينسجم معها فالذي خلق الفطرة البشرية خلق لها هذا الدين الذي يلبي نوازعها واحتياجاتها ويحقق طموحاتها، ويكبح جموحها {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} (3).
وحين نرى الناس يجنحون عن هذا الدين، فلا شك أن فطرتهم قد فسدت.
ومهمة الداعية أن يعالج فساد هذه الفطرة بما حوت من ركام،
(1) شرح السنة للبغوي 3621/ 13 وقال فيه: هذا حديث متفق على صحته رواه محمد عن قتيبة 408/ 6 وأخرجه مسلم عن قتيبة كلاهما عن إسماعيل بن جعفر 2286/ 22.
(2)
شرح السنة للبغوي 13/ 3619 وقال فيه: هذا حديث متفق على صحته أخرجاه من طريق عن أبي هريرة. البخاري 352/ 6 ومسلم 2365/ 145 في الفضائل.
(3)
الروم من الآية 30.
يزيل تلك الأقفال عن القلوب، يعالج تلك القشرة القاسية الجاسية، ليصل إلى القلب قبل الران عليه، فينشرح صدرا بالإسلام، يرفع رأسا به.
3 -
وحرص رسول الله (ص) على إخبار قومه بما من الله تعالى عليه بهذا الإكرام رغم توقع التكذيب درس واضح كذلك أن علينا أن نمضي في سبيل الله، لا نعبأ بمن يحارب أو يستعد للمحاربة، لأننا ماضون على خطا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: {يا أيها النبي بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس
إن الله لا يهدي القوم الكافرين} (1).
لقد اهتبلها أبو جهل فرصة لكيد النبي (ص)، حتى يكذبه الناس، فما عبأ عليه الصلاة والسلام بما يلاقي رغم إشفاق أم هانىء عليه أن لا يحدث به الناس حتى لا يكذبوه.
لا بد أن تجلى حقائق هذا الدين للناس جميعا، وإخفاء الحقائق حرصا على إرضاء نزوات الناس انحراف عن منهح الله، وكتمان لما أمر الله تعالى بتبليغه، لكن اختيار الوقت والطريقة الأنسب للتبليغ موضوع آخر.
فلم يبلغ رسول الله (ص) بما رأى في المعراج من آيات ربه إلا بعد لأي، وبدأ بإبلاغهم ما يعرفون، وما يقدر على إثباته لهم، حيث
(1) المائدة 67.
رفع الله تعالى له بيت المقدس ليصفه للناس رأي عين. وجاء بدلائل من الوقائع الحسية لتصديق خبره.
لقد كان رسول الله (ص) في غنى عن الشرب، وفي غنى عن الدلالة على البعير الذي ند وهو ماض في أعظم رحلة تكريم له، ولكنها الوقائع الحسية لدفع حجتهم، وإثبات صحة الخبر.
وما يفعله الدعاة اليوم، بالاستشهاد بحقائق العلم التي جاءت مصداقا لما جاء به الله تعالى ورسوله، وتحقيقا لقول الله عز وجل:
{سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ..} (1) هو منطلق سليم وطيب. لكن الفرق كبير بين إثبات حقائق الدين من خلال الإيمان المطلق بحقائق العلم، وكأنما الدين مفتقر لذلك حتى يصح، وبين اليقين بأن الله تعالى الذي أنزل الدين هو الذي علم الناس ما يجهلون، وفقههم في دينه من خلال تجلية آياته في الأنفس وفي الآفاق.
4 -
{وما جعبا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ..} فالرسول (ص) مقدم على مرحلة جديدة، مرحلة الهجرة، والانطلاق لبناء الدولة ويريد الله تعالى للبنات الأولى في البناء أن تكون سليمة قوية متراصة متماسكة.
وجعل الله تعالى هذا الاختبار والتمحيص، ليخلص الصف من الضعاف المترددين والذين في قلوبهم مرض، ويثبت المؤمنين الأقوياء والخلص.
(1) فصلت من الآية 57