الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القيادة النبوية العظيمة:
ويبرز بين يدينا إزاء هذه التضحيات الخالدة، القيادة النبوية العظيمة، التي استطاعت أن تحول الهزيمة المتوقعة إلى ثبات كثبات الرواسي، وحالت دون تقدم المشركين شبرا واحدا نحو المدينة، رغم أن قريشا وقادتها وضعوا كل ما يملكون من قوة، وتعاهد أربعة من صناديدها على قتل محمد (ص).
1 -
فقد ابتدأ الهجوم المعاكس من المشركين من خلف المسلمين والهدف الرئيسي فيه شخص النبي (ص)، فلم يتزحزح عليه الصلاة والسلام من موقعه، والفدائيون المسلمون يسقطون صرعى بين يديه.
2 -
ثم أحكم الهجوم، فأفرد عليه الصلاة والسلام وحصر في قلب المشركين، وليس معه إلا أحد عشر من أصحابه تسعة منهم من الأنصار، وكان الهدف أن يخلص عليه الصلاة والسلام من هذا الحصار، وعليه أن يصعد في الجبل، ليمضي إلى جيشه، وقتل الأنصار التسعة وهم يصدون الهجوم عنه.
3 -
وبقي طلحة رضي الله عنه وحده، حيث قاتل قتال التسعة، وسقط جريحا بين يدي النبي (ص).
4 -
وحينئذ قدم سعد بن أبي وقاص حيث رأى رسول الله (ص) وحده، ويقاتل عنه رجلان يلبسان ثيابا بيضاء هما جبريل وميكائيل.
5 -
وما هي إلا لحظات حتى وصل أبو بكر وأبو عبيدة، وقام أبو عبيدة بنزع السهمين عن وجه النبي (ص) بأسنانه.
6 -
ثم توارد مجموعة من الأبطال المسلمين، حيث بلغوا قرابة الثلاثين يذودون عن رسول الله (ص) منهم قتادة، وثابت بن الدحداح، وسهل بن حنيف، وأبو دجانة، وأبو طلحة، وعمر رضي الله عنه، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير.
7 -
واستطاع بهذه المجموعة الفدائية أن يشق الصفوف، ويصل إلى جيشه المبعثر، حيث فر بعضه إلى المدينة، وأسقط في يد البعض الآخر ولا يدري ما يفعل، ونجم النفاق لدى المنافقين حتى يقولوا: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان، وذلك كله عقب إشاعة مقتل النبي (ص)، والذي أشاعه ابن قمئة، الذي قتل مصعب بن عمير وحسبه رسول الله.
وحين رأى كعب بن مالك رضي الله عنه رسول الله (ص) وعيناه تزهران من تحت المغفر صرخ بأعلى صوته هذا رسول الله، فأشار له عليه الصلاة والسلام أن اصمت.
واشتد الهجوم من جديد من المشركين، نتيجة هذا النداء، وازداد تجمع المسلمين من جهة ثانية، حول رسول الله (ص) يستميتون في الذود عنه.
وكانت الخطة الاحتياطية، أن لبس رسول الله (ص) ثياب الحرب لكعب بن مالك وأعطاه لأمته، وخلال لحظات قليلة توجهت الضربات لكعب حتى بلغت عشرين جراحة، وهم يحسبونه رسول الله (ص).
8 -
ثم كان الهجوم المضاد، حيث علت عالية الجبل وفيهم خالد بن الوليد، فقال رسول الله (ص):((اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا)) فقاد عمر بن
الخطاب رضي الله عنه، ومجموعة من المهاجرين هذا الهجوم المضاد وأنزلوهم عن الجبل. وعاد المسلمون فسيطروا على الموقف من جديد.
9 -
وكانت المرحلة الأخيرة التي أراد أبو سفيان أن يثبت فيها انتصاره وهو يرى جثث الشهداء تنتشر في كل مكان، فكان الهدف الرئيسي عنده أن يتأكد من مقتل القيادة النبوية، فصرخ أفيكم محمد؟ أفيكم ابن أبي قحافة؟ أفيكم ابن الخطاب؟
وحين لم يسمع جوابا هتف فرحا (إن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا).
وهؤلاء الثلاثة هم الهدف الرئيسي حين عجز أبو سفيان عن اختراق الجيش للمدينة، غير أن عمر رضي الله عنه لم يتمالك أن قال: كذبت يا عدو الله أبقى الله عليك ما يخزيك.
وكانت طعنة عنيفة في صدر أبي سفيان، فتجرعها غصصا، وراح يفخر بنصره الموهوم:
- أنعمت فعال، وإن الحرب سيحال، يوم بيوم، أعل هبل.
- الله أعلى وأجل لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار.
- لنا العزى ولا عزى لكم.
- الله مولانا ولا مولى لكم.
ولا يزال في ذهن أبي سفيان حلم فنادى: هلم إلي يا عمر! فقال رسول الله (ص): ((ائته فانظر ما شأنه)) فجاءه فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر، أقتلنا محمدا؟ قال عمر: اللهم لا،
وإنه ليسمع كلامك الآن. فقال: أنت أصدق عندي من ابن قمئة وأبر.
10 -
وكان حسبان العواقب في الخطة، أن بعث رسول الله (ص) في آثارهم سبعين رجلا كان فيهم أبو بكر والزبير. وفي رواية ابن هشام، كان على رأسهم علي بن أبي طالب، وحدد له الهدف قائلا:((اخرج في آثار القوم، فانظر ماذا يصنعون وما يريدون. فإن كانوا قد جنبوا الخيل، وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل، فهم يريدون المدينة. والذي نفسي بيده، لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها، ثم لأناجزنهم) قال علي: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل، ووجهوا إلى مكة) (1).
11 -
وكانت خاتمة المطاف في الخطة: خروج الرسول (ص) في أثر العدو ليرهبه. (فلما كان الغد من يوم الأحد لست عشر ليلة مضت من شوال (2) أذن مؤذن رسول الله (ص) في الناس يطلب العدو. فأذن مؤذنه، أن لا يخرجن معنا أحد إلا أحد حضر يومنا بالأمس .. وإنما خرج رسول الله (ص) مرهبا للعدو، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم .. فخرج حتى انتهى إلى حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال، فأقام بها الإثنين والثلاثاء والأربعاء - وقد مر به معبد بن أبي معبد الخزاعي (3) ومعبد يومئذ
(1) السيرة النبوية لابن هشام 94/ 2.
(2)
كانت الغزوة يوم السبت في النصف من شوال من السنة الثالثة.
(3)
كانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة نصح لرسول الله (ص).
مشرك - وخرج حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله (ص) وأصحابه .. وقالوا: أصبنا حد أصحابه وأشرفهم وقادتهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم! لنكرن على بقيتهم. فلنفرغن منهم، فلما رأى أبو سفيان معبدا. قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط قال: ويحك! ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى أرى نواصي الخيل، قال: فولله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم.
قال: فإني أنهاك عن ذلك .. فثنى ذلك أبو سفيان ومن كان معه) (1).
…
والوقوف مع القيادة النبوية درس عظيم للمسلمين في الأرض وللدعاة منهم خاصة .. فإننا كثيرا ما نبرر هزائمنا المتوالية، ونشبهها بيوم أحد، وهو خطأ فادح، إن الشهداء السبعين الذين قضوا نحبهم في أحد، ووراءهم الأعداد الضخمة من الجرحى، لم تمض هدرا أو عبثا، إنما سقطت وهي تذود عن القيادة وعن الدين، وعن الله ورسوله، وعظمة القيادة النبوية أنها استطاعت بهذا القدر القليل من الضحايا أن تصد الهجوم الشرس، وتفوت الهدف الرئيسي للمشركين في استئصال شأفة المسلمين، واستباحة بيضتهم، وأن تعيد أبا سفيان مع جيشه من المشركين، وقلوبهم واجفة أن يلحق بهم محمد بجيشه المتجمع في
(1) السيرة النبوية لابن هشام 101/ 2،102.