المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ثالثا: دور الشباب والمرأة في الهجرة: - فقه السيرة النبوية لمنير الغضبان

[منير الغضبان]

فهرس الكتاب

- ‌بين يدي البحث

- ‌أولامباحث تمهيدية

- ‌الفصل الأولمعنى السيرة النبوية وأهميتها

- ‌تعريف بالسيرة النبوية:

- ‌أهمية السيرة النبوية:

- ‌دراسة السيرة عبادة:

- ‌مصادر السيرة:

- ‌أولا: القرآن الكريم:

- ‌ثانيا كتب السنة:

- ‌ثالثا: كتب السير والتراجم:

- ‌رابعا: كتب الدلائل والشمائل والمعجزات والخصائص:

- ‌خامسا: كتب التاريخ والأدب:

- ‌مدى عناية المسلمين بها:

- ‌وكلمة عن ابن هشام وعمله في سيرة ابن إسحاق:

- ‌السيرة النبوية خلال القرون:

- ‌الفصل الثانيالنبوة

- ‌حاجة البشر إلى الأنبياء:

- ‌حاجتهم إلى خاتم الأنبياء:

- ‌الإيمان هو الأصل والشرك طارئ:

- ‌النبوة اجتباء من الله تعالى واصطفاء:

- ‌الفصل الثالثلمحة عن‌‌ أصل العرب وعقيدتهم

- ‌ أصل العرب وعقيدتهم

- ‌طروء الشرك عليهم:

- ‌عناية الإسلام بسد ذرائع الشرك:

- ‌الفصل الرابعنبذة عن حياة العرب

- ‌أصول العرب:

- ‌ العرب البائدة:

- ‌ العرب العاربة:

- ‌ العرب العدنانية:

- ‌الحالة الدينية:

- ‌الطواغيت:

- ‌الحالة السياسية:

- ‌ الملك باليمن:

- ‌الملك بالحيرة

- ‌الملك بالشام:

- ‌الإمارة بالحجاز:

- ‌الحياة الاجتماعية والخلقية:

- ‌الحالة الاقتصادية:

- ‌الحالة الخلقية:

- ‌محمد صلى الله عليه وسلم قبل البعثة

- ‌الفصل الخامساختياره من بيت شرف ونسب

- ‌الفصل السادسيتم النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌رضاعه صلى الله عليه وسلم:

- ‌الفصل السابععمله ب‌‌الرعيوالتجارة

- ‌الرعي

- ‌التجارة:

- ‌الفصل الثامنحفظ الله تعالى لنبيه قبل البعثة

- ‌لقاؤه مع بحيرا الراهب:

- ‌أمره بستر عورته:

- ‌أمر الجاهلية:

- ‌وقوفه بعرفات:

- ‌الفصل التاسعمشاركته في أحداث قومه

- ‌حضوره حرب الفجار

- ‌شهوده حلف الفضول:

- ‌بناء الكعبة والتحكيم:

- ‌الفصل العاشرزواجه من خديجة

- ‌العهد المكي للدعوة

- ‌الفصل الحادي عشرالوحي

- ‌الفصل الثاني عشرمراحل الدعوة

- ‌الفصل الثالث عشرمن أسلوب المخالفين في مواجهة الدعوة

- ‌أولا: التشويه:

- ‌ثانيا: التهديد:

- ‌ثالثا: التعذيب:

- ‌رابعا: الترغيب:

- ‌ المال:

- ‌ الجاه:

- ‌ النساء:

- ‌خامسا: التعجيز:

- ‌سادسا: الاغتيال:

- ‌سابعا: المقاطعة:

- ‌الفصل الرابع عشرسنة الله تعالى في الابتلاء

- ‌ تزكية الفرد:

- ‌ نفي الخبث عن الدعوة:

- ‌ الدعاية لها:

- ‌ جذب بعض العناصر القوية إليها:

- ‌وجوب الصبر على الابتلاء

- ‌الفصل الخامس عشرالاستفادة من قيم الجاهلية

- ‌الفصل السادس عشروطن الداعية حيث مصلحة الدعوة

- ‌الهجرة إلى الحبشة:

- ‌قريش تحاول إعادة المهاجرين إليها:

- ‌تخطيط ذكي جديد:

- ‌مؤامرة جديدة تتحطم:

- ‌ثانيا: عرض رسول الله (ص) نفسه على ثقيف

- ‌ثالثا: عرض نفسه على القبائل

- ‌بنو شيبان:

- ‌الفصل السابع عشرالإسراء والمعراج ودلالتهما

- ‌حديث الإسراء

- ‌حديث المعراج

- ‌الفصل الثامن عشرالهجرة إلى المدينة

- ‌أولا: أسبابها:

- ‌ثانيا: التخطيط لها وأهميتها في تاريخ الدعوة:

- ‌ تهيئة الركب:

- ‌ شراء البعيرين وعلفهما:

- ‌ جاء في نحر الظهيرة:

- ‌ مجيئه مقنعا:

- ‌ الأمر بإخراج الناس من البيت:

- ‌ تهيئة الزاد:

- ‌ الخروج من خوخة أبي بكر:

- ‌ كتمان الأمر:

- ‌ الخروج إلى الغار:

- ‌ عبد الله يتلقط الأخبار:

- ‌ عامر بن فهيرة يعفو على الأثر:

- ‌ ابن فهيرة وغنمه للزاد كذ

- ‌ رسول الله (ص) لا يبيت على فراشه:

- ‌ مبيت علي رضي الله عنه في الفراش:

- ‌ اختيار الدليل المناسب:

- ‌ اختيار طريق الساحل:

- ‌ الهادي على الطريق:

- ‌ حيلة أسماء في المال:

- ‌أهمية الهجرة في تاريخ الدعوة:

- ‌ثالثا: دور الشباب والمرأة في الهجرة:

- ‌العهد المدني للدعوة

- ‌الفصل التاسع عشرتنظيم المجتمع النبوي

- ‌أولا: بناء المسجد:

- ‌ثانيا: المؤاخاة:

- ‌ثالثا: وثيقة المدينة (الدستور الإسلامي):

- ‌الباب الأول

- ‌الباب الثاني

- ‌الباب الثالث

- ‌ دستور الدولة الإسلامية الجديدة

- ‌ الباب الأول: حقوق وواجبات المسلمين في الدولة المسلمة:

- ‌ الباب الثاني: حقوق وواجبات غير المسلمين في الدولة المسلمة

- ‌ الباب الثالث: أحكام عامة للمواطنين عامة:

- ‌الفصل العشرونالإذن في الجهاد

- ‌أولا: مرحلة كف اليد:

- ‌ثانيا: الإذن في الجهاد:

- ‌ثالثا: أهمية الجهاد في الإسلام:

- ‌الفصل الحادي والعشرونأهم السرايا والغزوات

- ‌أولا: الإحصاء الإجمالي:

- ‌ثانيا: سرية عبد الله بن جحش:

- ‌الفصل الثاني والعشرونغزوة بدر

- ‌أولا: أسباب الغزوة وأهدافها:

- ‌ثانيا: الاستشارة التي غيرت وجه المعركة:

- ‌ثالثا: استقصاء المعلومات عن العدو:

- ‌رابعا: من أحداث الغزوة:

- ‌خامسا: أهمية الغزوة:

- ‌سادسا: آثارها:

- ‌الفصل الثالث والعشرونغزوة أحد

- ‌أسباب الغزوة:

- ‌أحداث الغزوة:

- ‌قوانين النصر والهزيمة:

- ‌التمحيص في أحد:

- ‌النماذج الإيمانية الرائعة:

- ‌القيادة النبوية العظيمة:

- ‌آثار المعركة:

- ‌ من حيث موقف المسلمين في المدينة:

- ‌ من حيث جرأة العرب على المؤمنين:

- ‌ من حيث الموقف مع قريش:

- ‌كيف عالج القرآن أثر المحنة

- ‌الفصل الرابع والعشرونغزوة الخندق

- ‌أسباب الغزوة:

- ‌أحداث الغزوة:

- ‌الفصل الخامس والعشرونغزوة الحديبية

- ‌أحداث الحديبية:

- ‌الفصل السادس والعشرونغزوة خيبر

- ‌أحداث الغزوة:

- ‌من فقه الغزوة:

- ‌الفصل السابع والعشرونغزوة مؤتة

- ‌أحداث الغزوة:

- ‌من فقه الغزوة:

- ‌الفصل الثامن والعشرونفتح مكة

- ‌ أحداث الغزوة:

- ‌من فقه الغزوة:

- ‌الفصل التاسع والعشرونغزوة حنين

- ‌أحداث الغزوة:

- ‌من فقه الغزوة:

- ‌الفصل الثلاثونغزوة تبوك

- ‌أحداث الغزوة:

- ‌من فقه الغزوة:

- ‌الفصل الحادي والثلاثونمواقف المنافقين من الدعوة

- ‌ النفاق في مكة:

- ‌ بداية التجمع:

- ‌ دورهم في غزوة بني قينقاع:

- ‌ دورهم في غزوة أحد

- ‌ تآمرهم مع بني النضير

- ‌ المنافقون يوم الأحزاب

- ‌ الفريق الأول:

- ‌ الفريق الثاني:

- ‌ الفريق الثالث:

- ‌ المنافقون يوم بني المصطلق

- ‌ بعد الحديبية وفتح مكة

- ‌الفصل الثاني والثلاثونمواقف اليهود من الدعاة

- ‌ الموقف الديني:

- ‌ المواقف السياسية

- ‌المواقف العسكرية

- ‌الفصل الثالث والثلاثونأزواج النبي (ص)

- ‌المرحلة الأولى: حتى الخامسة والعشرين:

- ‌ عنف صبوة الشباب وتأجج العاطفة

- ‌المرحلة الثانية: حتى الخمسين من عمره

- ‌ زواجه من خديجة رضي الله عنها

- ‌المرحلة الثالثة: حتى الخامسة والخمسون من العمر

- ‌ الزواج بعائشة وسودة

- ‌المرحلة الرابعة: من الخامسة والخمسين حتى الستين

- ‌بقية نسائه

- ‌(أ) حفصة بنت عمر رضي الله عنها:

- ‌(ب) زينب بنت خزيمة

- ‌(ج) أم سلمة:

- ‌(د) زينب بنت جحش:

- ‌(هـ) أم حبيبة بنت أبي سفيان

- ‌(و) جويرية بنت الحارث:

- ‌(ز) ريحانة بنت زيد:

- ‌(ح) صفية بنت حيي:

- ‌(ط) مارية القبطية:

- ‌(ي) ميمونة بنت الحارث:

- ‌المرحلة الخامسة: من الستين إلى الثالثة والستين

- ‌لم يتزوج فيها رسول الله

- ‌خاتمة

- ‌الفصل الرابع والثلاثونعالمية الدعوة: أدلتها ومظاهرها من السيرة

- ‌ كتب رسول الله (ص) إلى كل ملوك الأرض

- ‌ كتاب هرقل عظيم الروم:

- ‌ كتاب كسرى عظيم الفرس

- ‌ الكتاب إلى المقوقس ملك مصر:

- ‌ الكتاب إلى النجاشي ملك الحبشة:

- ‌ بقية الكتب:

- ‌الفصل الخامس والثلاثونأخلاقه صلى الله عليه وسلم

- ‌وجوب محبته ومن لوازم محبته اتباعه:

- ‌نماذج من تربيته (ص) لأصحابه:

- ‌الفصل السادس والثلاثونوفاته صلى الله عليه وسلم. وبيعة الصديق

- ‌قبل أربعة أيام: يوم الخميس:

- ‌قبل ثلاثة أيام: يوم الجمعة:

- ‌قبل يوم واحد:

- ‌آخر يوم من الحياة:

- ‌اللحظات الأخيرة:

- ‌جهاز رسول الله (ص) ودفنه

- ‌تكفين رسول الله:

- ‌حفر القبر:

- ‌الصلاة على رسول الله ثم دفنه:

- ‌الفصل السابع والثلاثونبيعة الصديق وحروب الردة

- ‌الانقلاب على العقب:

- ‌إنفاذ جيش أسامة:

- ‌مانعو الزكاة:

- ‌ الكتاب الذي وجهه الصديق إلى هؤلاء المردة المرتدين

- ‌بسم الله الرحمن الرحيم:

- ‌ثبت المراجع والمصادر

- ‌المحتوى

الفصل: ‌ثالثا: دور الشباب والمرأة في الهجرة:

بفعلهم أن قوله سحانه {من أول يوم} أن ذلك اليوم هو أول أيام التاريخ الذي يؤرخ به الآن.

فإن كان أصحاب رسول الله (ص) أخذو هذا من الآية، فهو الظن بأفهامهم، فهم أعلم الناس بكتاب الله وتأويله، وأفهمهم بما في القرآن من إشارت وإفصاح، وإن كان ذلك منهم عن رأي واجتهاد، فقد علم ذلك منهم قبل أن يكونوا، وأشار إلى صحته قبل أن يفعل. إذ لا يعقل قول القائل فعلته أول يوم إلا بإضافة إلى عام أو شهر معلوم أو تاريخ معلوم. وليس هاهنا إضافة في المعنى إلا إلى هذا التاريخ المعلوم لعدم القرائن الدالة على غيره من قرينة لفظ أو قرينة حال، فتدبره ففيه معتبر لمن ذكر، وعلم لمن رأى بعين فؤاده واستبصر والحمد لله) (1).

‌ثالثا: دور الشباب والمرأة في الهجرة:

وحين نراجع الرصيد الضخم من أحداث الهجرة، نلاحظ أن الذين نفذوا مخطط الهجرة، والعناصر التي اعتمدها عليه الصلاة والسلام للتنفيذ من غرر الشباب والنساء، ونلحظ ذلك فيما يلي:

1 -

فالذي تحمل ابتداء مسؤولية المواجهة والدعوة في المدينة والذي أنزل مصعب بن عمير عنده، والذي عرض حياته للخطر والموت، هو أسعد

(1) الروض الأنف لليهيلي 246/ 2. واعتبار بداية التاريخ من الهجرة ثابت لكن ابتداء من ربيع الأول هو رواية السهيلي عن الإمام مالك. وجمهور الأئمة على أن المحرم منصرف الناس من الحج هو الشهر الذي ابتدىء به التاريخ. انظر البداية والنهاية لابن كثير 3/ 227.

ص: 344

ابن زرارة رضي الله عنه أبو أمامة.

وهو نفسه الذي كان من رجال العقبة الأولى والثانية والثالثة، وهو الذي اختاره بنو النجار نقيبا لهم، وهو الذي وقف يوضح لقومه خطورة البيعة، حتى يشدد العهد ويوثقه.

(وأخذ بيده أسعد بن زرارة .. فقال: رويدا يا أهل يثرب فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف إما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خبيئة فتبينوا ذلك فهو أعذر لكم، قالوا: أمط عنا يا أسعد، فوالله لا ندع هذه البيعة أبدا).

نقرأ هذا عن أسعد ونقرأ أنه كان أصغر القوم سنا (وأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو أصغرهم، وفي رواية البيهقي عن جابر: وهو أصغر السبعين إلا أنا).

2 -

(وذاك جابر بن عبد الله رضي الله عنه يقول: كنا مع رسول الله (ص) ليلة العقبة قال جابر: وأخرجني خالاي وأنا لا أستطيع أن أرمي بحجر) (1).

وقد قتل أبوه في أحد ولا يناهز السابعة عشر، فقد بايع رسول الله، وقبل بيعته، وهو في أول فتوته.

(1) مجمع الزوائد للهيثمي 48/ 6 وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.

ص: 345

3 -

ولا ننسى أبدا في تاريخ الدعوة، وتاريخ التضحيات، أن من الذين حضروا بيعة العقبة الثانية امرأتان هما أم عمارة، وأم منيع.

وقد وفتا بالبيعة وشهدتا المشاهد مع رسول الله (ص) ويكفي لأم عمارة شهادة رسول الله (ص): ((ما التفت يمينا ولا شمالا إلا وأنا أراها تقاتل دوني)) (1).

4 -

وحتى المجموعة المبايعة، كان الشباب فيها قرابة النصف:

(قال عروة بن الزبير وموسى بن عقبة: كانو سبعين رجلا وامرأة واحدة، وقال: منهم أربعون من ذوي أسنانهم، وثلاثون من شبابهم)(2).

5 -

والذين اختارهم الرسول (ص) لتنفيذ مخطط الهجرة كذلك، جميعهم من الشباب وليس فيهم إلا كهل واحد هو أو بكر رضي الله عنه، وإن كان قد قدم أولاده الثلاثة: ليشاركوا في هذا الشرف العظيم.

6 -

فعبد الله بن أبي بكر كما وصفته عائشة رضي الله عنهما: (وهو غلام شاب ثقف لقن).

وهو الذي حمل مسؤولية نقل الأخبار لرسول الله (ص) كل يوم بعد أن يختلط بقريش طيلة النهار، ويعود بها ليلا بعيدا عن أعين الرقباء، وفي قلب الخطر المحدق.

(1) الطبقات الكبرى لابن سعد 8/ 303 عن يعقوب بن محمد عن موسى بن ضمرة بن سعيد عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب.

(2)

البداية والنهاية لابن كثير 176/ 3.

ص: 346

7 -

وتلك أسماء رضي الله عنها، وهي أصغر من عبد الله بن أبي بكر، ولا تزال في ميعة الصبا، ولم تنجب من الزبير بعد، تشارك في الأحداث بكل ما أوتيت من نباهة وذكاء، فتضع نطاقها وكاء للطعام والشراب، وتسارع في حل مشكلة المال المحمول مع أبيها فتخترع قصة الحجارة حتى تسكن الشيخ وتهدىء من روعه. وهي تعلم أن أباها قد حمل المال كله وتركهم لله ورسوله. ويصفعها الخبيث أبو جهل على وجهها فيطير قرطها من أذنها، وهي مصرة على قولها: والله لا أدري أين ذهب أبي.

8 -

وذاك علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو ابن العشرين ونيف، ينام في فراش رسول الله (ص)، ويعلم أن السيوف قد تنتاشه وتحتوشه في كل لحظة، ويقدم نفسه فداء لرسول الله (ص)، ويبقى في موطن الخطر ثلاثة أيام متوليات يوزع الأمانات لأهلها، ويمضي مهاجرا وحيدا إلى الله ورسوله وقد دميت قدماه من أهوال الطريق.

9 -

وذاك عامر بن فهيرة، الذي كان يحمل مسؤولية رعي الغنم، وإعفاء أثر عبد الله بن أبي بكر، ثم يمضي في ركاب المصطفى وركاب أبي بكر يخدمهما في الطريق، كان في عرامة الشباب وفتوته.

10 -

وحتى عندما وصل رسول الله (ص) إلى المدينة كان الملأ من بني النجار وشبابهم يحفون برسول الله (ص) بالسلاح، ولا يمر بقوم إلا ويقولون: يا رسول الله هلم إلينا، إلى العدد والعدة والمنعة.

11 -

ولا شيء أروع من مشاركة فتاة الثامنة في أحداث الهجرة، وهي عائشة

ص: 347

رضوان الله عليها، فقد قال النبي (ص) لأبي بكر:((أخرج من عندك} فقال أبو بكر: (هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله). ورضي رسول الله (ص) أن يتحدث بموضوع الهجرة أمامها وهي زوجه، وهي في هذا السن، ونقلت لنا الأحداث ووعتها وكأنها جزء منها، ولم يتسرب خبر واحد عن طريقها، وهي الصبية التي لا تزال تلعب مع رفيقاتها، وتكون واحدة من المجموعة التي تعد على أصابع اليد، وتعرف بموضوع الهجرة النبوية.

ولا ننسى دور أم معبد رضي الله عنها، وقد احتفت برسول الله (ص) واستضافته، ثم وصفه لزوجها في أروع بيان وأبهى وصف.

12 -

وحتى الزبير رضي الله عنه وهو في عرامة الشباب قيض الله تعالى له أن يشارك في عملية الهجرة، فيكسو رسول الله (ص) وصاحبه أبا بكر الثياب البيض، يقدمان بها إلى المدينة.

13 -

ولا ننسى بعد ذلك أبدا الهجرات الفردية التي قام بها شباب الصحابة وكهولهم يقطعون الفيافي والقفار بلا راحلة، أو بلا زاد، ونفسهم تتوق لرؤيا مهاجر رسول الله (ص)، وأن يعبدوا الله بلا فتنة ولا خوف ولا إرهاب.

لقد كان عليه الصلاة والسلام يمثل القائد الفذ في الوجود، الذي يختار أقدر العناصر على تأدية الدور المطلولب منها فيفجر طاقاتها، ويعطيها من الدور ما يتناسب مع إمكاناتها، سواء كانت الطاقات أطفالا (جابر وعائشة) أو رجالا وفتيات (أسماء وعبد الله) أو نساء (أم عمار وأم منيع)، فيؤدي كل

ص: 348

واحد دوره في المخطط الكبير الذي يقف وحده على كل تفاصيله مع وزيره أبي بكر رضي الله عنه، ويرضى عليه الصلاة والسلام لعملية الهجرة ثاني اثنين فقط .. أبو بكر الصديق .. وهو مع كهولته، تتصاغر الشباب والرجال أمام همته، فهو الذي يحرس الطريق من الأمام والخلف، وهو الذي يرتاد المنزل ويهيىء المقيل، وهو الذي يصرف الطلب بقوله: هاد يدلني الطريق، وهو الذي يهيىء الزاد، ولا يقدمه لرسول الله (ص) حتى يستيقظ، وهو الذي يظلل رسول الله (ص) حين تلفحه الشمس، وهو كما قال عمر رضي الله عنه (والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر، وليوم من أبي بكر خير آل عمر) وهو يعني ليلة الغار، ويكفي أنها نزلت في كتاب الله عز وجل: {

ثاني اثنين إذ هما في الغار ..} وهو الذي يبكي وقد رأى الطلب، ويقول: أما والله ما على نفسي أبكي، ولكن أبكي عليك.

وإن أي دعوة إلى الله تعالى تقوم، لا بد أن يكون عمادها ودمها عنصر الشباب الحي المضحي، الذي يرتاد المخاطر ويقتحم الصعاب، ويستسهل المشاق، ويتلذذ بالجهاد، لا يعرف الخوف أو الخور أو الوهن سبيلا إليه، ولا يقل دور الفتاة المسلمة عن دور الفتى المسلم، فقد رأيناها شريكة في البيعة، شريكة في الهجرة، شريكة في الجهاد، شريكة في الإعداد، شريكة في الائتمان على السر.

ولكن هذا كله، إنما يتم ضمن المخطط الواعي الذي يضع اللبنة في مكانها الأصيل، ويضع الحدود والمعايير للاستفادة من كل طاقة، ومن كل إمكانية في عملية التنفيذ العملي لإقامة شريعة الله في الأرض.

ص: 349

والشباب المسلم والمرآة المسلمة، إنما تتمثل فيهم خصائص الجيل الأول حين يكونون على المستوى المطلوب في الطاعة والانضباط، والانقياد لأمر أولي أمرهم دون أن يجمح بهم الغرور، ويتنطعوا لغير مواقعهم، فيفسدوا جهدهم وجهادهم، وينقضوا البناء بدل أن يساهموا فيه كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.

وبودع العهد المكي بهذا المنظر المثير الذي ينقله لنا الطفل العظيم أنس بن مالك، وذلك حين حل رسول الله (ص) في ربوع المدينة. قال:

(إني لأسعى في الغلمان يقولون: جاء محمد، فأسعى ولا أرى شيئا، ثم يقولون جاء محمد، فأسعى ولا أرى شيئا .. حتى جاء رسول الله (ص) وصاحبه أبو بكر، فكمنا في بعض خراب المدينة، ثم بعثا رجلا من أهل البادية يؤذن بهما الأنصار، فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار حتى انتهوا إليهما، فقالت الأنصار: انطلقا آمنين مطاعين. فأقبل رسول الله (ص) وصاحبه بين أظهرهم، فخرج أهل المدينة حتى أن العواتق لفوق البيوت يتراءينه، يقلن: أيهم هو؟ أيهم هو؟ فما رأينا منظرا شبيها به.

قال أنس: فلقد رأيته يوم دخل علينا، ويوم مضى، ويوم قبض، فلم أر يومين أشبه بهما) (1).

وفي رواية الإمام أحمد: فما رأيت يوما قط أنور ولا أحسن من يوم دخل رسول الله (ص) وأبو بكر المدينة (2).

(1) البداية والنهاية لابن كثير 3/ 216 عن الإمام أحمد والبيهقي في الدلائل 557/ 2.

(2)

مسند الإمام أحمد 122/ 3.

ص: 350

وقال البيهقي، عن ابن عائشة يقول:

لما قدم رسول الله (ص) المدينة جعل النساء والصبيان يقلن:

طلع البدر علينا

من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا

ما دعا لله داع (1)

وقال البيهقي عن أنس: قدم رسول الله (ص) المدينة، فلما دخلنا جاء الأنصار برجالها ونسائها فقالو إلينا يا رسول الله، فقال:((دعوا الناقة فهي مأمورة)) فبركت على باب أبي أيوب، فخرجت جوار من بني النجار يضربن بالدفوف وهن يقلن:

نحن جوار من بني النجار

يا حبذا محمد من جار

فخرج إليهم رسول الله (ص) فقال: ((أتحبونني؟)) فقالوا: أي والله يا رسول الله. فقال: ((وأنا والله أحبكم)) (2).

(1) المصدر نفسه 3/ 217 عن البيهقي في الدلائل 2/ 505، 506.

(2)

المصدر نفسه 3/ 219 عن البيهقي في الدلائل 2/ 505، 506.

ص: 351