الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الخامس عشر
الاستفادة من قيم الجاهلية
كما سبق وذكرنا من قبل، فليس الهدف هو التعذيب والألم نفسه، إنما الهدف هو تمحيص الصف المؤمن، وتميز الصادق من المنافق، وتميز الخبيث من الطيب.
{ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون} (2).
فإذا هيئت للدعوة ظروف، ترفع الأذى عن المسلمين، وتكشف المحنة دون مساومات أو تنازلات من الدعوة فللدعاة الاستفادة من هذه الظروف.
ولعل ظاهرة الجوار تبدو مثلا صارخا في هذا المجال، ولننظر كيف تعامل المسلمون مع هذه الظاهرة.
(1) آل عمران 179.
(2)
الأنفال 37.
1 -
لقد كان القدوة والأسوة رسول الله (ص) هو الذي استفاد من هذه الظاهرة ابتداء حين أجاره عمه أبو طالب.
(أ)(فلما بادى رسول الله (ص) قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله، لم يبعد منه قومه، ولم يردوا عليه - فيما بلغني - حتى ذكر آلهتهم وعابها، فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه، وأجمعوا خلافه وعدوانه إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام، وهم قليل مستخفون، وحدب على رسول الله عمه أبو طالب، ومنعه وقام دونه. ومضى رسول الله (ص) على أمر الله، مظهرا لأمره لا يرده عنه شيء، فلما رأت قريش أن رسول الله (ص) لا يعتبهم من شيء (1) أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم، ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه، وقام دونه فلم يسلمه لهم مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب .. فقالوا:
يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فكفيكه. فقال لهم أبو طالب قولا رقيقا، وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه) (2).
لقد حاول أبو طالب أن يتحاشى الاصطدام مع قريش، لعل ابن أخيه محمدا يغير شيئا من منهجه ويكف عن عيب الآلهة، وابن أخيه في
(1) لا يعتبهم من شيء: أي لا يرضيهم.
(2)
السيرة النبوية لابن هشام 263/ 1.
نفسه أكبر من العتب.
• وكانت هذه المحاولة الأولى.
(ب) (
…
ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى، فقالوا: يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين - أو كما قالوا له - ثم انصرفوا عنه. فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله (ص) ولا خذلانه
…
فبعث إلى رسول الله (ص) فقال له:
يابن أخي، إن قومك قد جاؤوني، فقالوا لي كذا وكذا - للذي كانوا قالوا له - فابق علي وعل نفسك، ولا تحملي من الأمر ما لا أطيق. قال: فظن رسول الله (ص) أنه قد بدا لعمه فيه بداء (1) أنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه. فقال رسول الله:((يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته)) ثم استعبر رسول الله فبكى ثم قام، فلما ولى ناداه أبو طالب، فقال: اقبل يابن أخي، فأقبل عليه رسول الله (ص) فقال: اذهب يابن أخي، فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا) (2).
(1) بدا له فيه بداء: ظهر له رأي آخر.
(2)
السيرة النبوية لابن هشام 1/ 266.
(وعن عقيل بن أبي طالب قال: جاءت قريش إلى أبي طالب، فقالوا: إن ابن أخيك قد آذانا في نادينا ومسجدنا فانهه عنا، فقال: يا عقيل انطلق فائتني بمحمد، فانطلقت إليه فاستخرجته من كنس - يقول بيت صغير - فجاء به في الظهيرة في شدة الحر، فلما أتاهم قال: إن بني عمك زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم: فانته عن أذاهم. فحلق رسول الله ببصره إلى السماء، فقال: ((ترون هذه الشمس؟)) قالوا: نعم. قال: ((فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشتعلوا منه شعلة)) فقال أبو طالب: والله ما كذب ابن أخي قط فارجعوا) (1).
وفشلت المحاولة الثانية في أن تزحزح محمدا (ص) قيد شعرة عن دعوته ودينه فإذا كان الجوار ولابد، فعلى أن يمضي رسول الله (ص) في أمره كما أمره الله، ولو أعطي النيرين الشمس والقمر، وعلى الرواية الأخرى: أخذ شعلة من الشمس، أسهل من ترك كلمة حق يصدع يها في سبيل الله.
ثم كانت المحاولة الثالثة:
(ج)(ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله (ص) وإسلامه وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم، مشوا إليه بعمار بن الوليد ابن المغيرة، فقالوا له - فيما بلغني - يا أبا طالب هذا عمار بن
(1) البداية والنهاية لابن كثير 46/ 3،47. وقال: رواه البخاري في التاريخ والبيهقي واللفظ له. الدلائل 186/ 2،187.
الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله فخذه فلك عقله ونصره، واتخذه ولدا فهو لك، واسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك، وسفه أحلامهم، فنفتله، فإنما هو رجل برجل. فقال: والله لبئس ما تسومونني! أتعطوني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه! هذا والله لا يكون أبدا. قال: فقال المطعم بن عدي: والله يا أبا طالب، لقد أنصفك قومك، وجهدوا على التخلص مما تكرهه، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا، فقال أبو طالب للمطعم: والله ما أنصفوني، ولكنك قد أجمعت خذلاني، ومظاهرة القوم علي، فاصنع ما بدا لك - أو كما قال - فحقب الأمر، وحميت الحرب، وتنابذ القوم، وبادى بعضهم بعضا) (1).
إن اجتماع قريش كلها على مبادلة عمارة بن الوليد بمحمد بن عبد الله في محاولة يائسة، لتتمكن من قتل محمد والتخلص منه، هو من أغرب ما روى تاريخ السيرة، واعتبر المطعم بن عدي أن القوم أنصفوا أبا طالب في هذا العرض، بينما وقف أبو طالب كالطود في وجه هذا العرض. أو أن يبادل محمدا بأحد في هذه الأرض. وانتهى من ذهن أبي طالب أن يناقش ابن أخيه محمدا بكلمة واحدة إنه على قول ما أحب، ولو كان عيب الآلهة، وسب الدين، وتضليل الآباء، إنها إجارة مفتوحة لا تقبل ذرة من التعديل أو التغيير.
ولاحظ أبو طالب أن قريشا كلها وقفت ضده بما في ذلك فرعا
(1) السيرة النبوية لابن هشام 266/ 1، 267.
بني عبد مناف، بنو نوفل وعميدهم المطعم بن عدي، وبنو عبد شمس، وسادتهم عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، وتمزق كلمة بني عبد مناف، وانقسامهم تجعل العبء أضخم، وتجعل أبا طالب وإخوانه من بني هاشم وحدهم في الساحة. أرى أخوينا من أبينا وأمنا
…
إذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمر أخص خصوصا عبد شمس ونوفلا
…
هما نبذانا مثل ما ينبذ الجمر وأمام ضراوة الحرب، فقد عمد أبو طالب إلى بني هاشم وبني المطلب، فرعي بني عبد مناف ليكونوا يدا واحدة وراء محمد (ص).
إنها أعراف جاهلية بحتة، تقوم على أساس القبلية والحسب والنسب، وتسخر كلها لخدمة دين الله ودعوته ورسوله.
(وقد قام أبو طالب حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون في بني هاشم وبني المطلب، فدعاهم إلى ما هو عليه، من منع رسول الله (ص) والقيام دونه فاجتمعا إليه وقاموا معه، وأجابوه إلى ما دعاهم إليه، إلا ما كان من أبي لهب، عدو الله الملعون.
فلما رأى أبو طالب من قومه ما سره من جهدهم معه، وحدبهم عليه، جعل يمدحهم، ويذكر قديمهم، ويذكر فضل رسول الله (ص) فيهم، ومكانه منهم ليشد لهم رأيهم، وليحدبوا معه على أمره، فقال: إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر
…
فعبد مناف سرها وصميمها
وإن حصلت أشراف عبد منافها
…
ففي هاشم أشرافها وقديمها
وإن فخرت يوما فإن محمدا
…
هو المصطفى من سرها وكريمها
تداعت قريش غثها وثمينها
…
علينا فلم تظفر وطاشت حلومها
وكنا قديما لا نقر ظلامة
…
إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها) (1)
لقد حرص أبو طالب على الإشادة ببني عبد مناف ليشارك بنو المطلب بهذا الفضل مع بني هاشم، وليفسح المجال مفتوحا أمام أخويهم بني عبد شمس بن عبد مناف، وبني نوفل بن عبد مناف لينضما لحلف أبي طالب، لحماية عميد بني عبد مناف محمد بن عبد الله (هو المصطفى من سرها وكريمها)، واستطاع بهذا الموقف أن يهيىء حرية الدعوة إلى الله للرسول (ص) في كل أرض وفي كل ناد، وفي كل موسم.
وحين حاول أبو جهل أن يخفر جوار أبي طالب - كما رأينا من قبل - تصدى له حمزة، فشجه بقوسه وقال له: تشتم محمدا وأنا على دينه، فرد علي ذلك إن استطعت.
إنها ظاهرة فذة أن تقوم الجاهلية بحماية من يسب آلهتها، ويعيب دينها، ويسفه أحلامها، وباسم هذه القيم يقدمون المهح والأرواح، ويخوضون المعارك والحروب، ولا يمس محمد بسوء.
(د) (فلما خشي أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه، قال قصيدته التي تعوذ فيها بحرمة مكة، وبمكانه منها، وتودد فيها أشراف قومه، وهو
(1) السيرة النبوية لابن هشام 269/ 1.
على ذلك يخبرهم وغيرعم في ذلك من شعره، أنه غير مسلم رسول الله (ص)، ولا تاركه لشيء أبدا حتى يهلك دونه. فقال:
ولما رأيت القوم لا ود فيهم
…
وقد قطعوا كل العرى والوسائل
وقد صارحونا بالعداوة والأذى
…
وقد طاوعوا أمر العدو المزايل
وقد حالفوا قوما علينا أظنة
…
يعضون غيظا خلفنا بالأنامل
صبرت لهم نفسي بسمراء (1) سمحة
…
وأبيض (2) عضب من تراث المقاول
وأحضرت عند البيت رهطي وإخوتي
…
وأمسكت من أثوابه بالوصائل) (3)
ونراه يتعوذ بالبيت وبكل المقدسات فيه، ويقسم فيه كذلك، أنه لن يسلم محمدا ولو سالت الدماء أنهارا، واحتدم سير المعارك:
كذبتم وبيت الله نبزي (4) محمدا
…
ولما نطاعن دونه ونناضل
ونسلمه (5) حتى نصرع حوله
…
ونذهل عن أبنائنا ولحلائل (6)
وينهض قوم في الحديد إليكم
…
نهوض الروايا (7) تحت ذات الصلاصل (8)
ولا ينسى أن يقرع زعماء بني عبد مناف بأسمائهم لخذلانهم إياه، فلعتبة بن ربيعه يقول:
(1) سمراء: كناية عن الرمح.
(2)
أبيض عضب: كناية عن السيف.
(3)
السيبرة النبوية لابن هشام 1/ 273.
(4)
نبزي: أي نسلمه ونغلب عليه.
(5)
ونسلمه حتى نصرع حوله: أي كذبتم أن نسلمه قبل أن نصرع حوله.
(6)
الحلائل: الزوجات.
(7)
الروايا: الإبل التي تحمل الماء للسقاية.
(8)
الصلاصل: المزادات لها صلصلة الماء.
فعتبة لا تسمع بنا قول كاشح (1)
…
حسود كذوب مبغض ذي دغاول (2)
ولأبي سفيان بن حرب يقول:
ومر أبو سفيان عني معرضا
…
كما مر قيل (3) من عظام المقاول
يفر إلى نجد وبرد مياهه
…
ويزعم أني لست عنكم بغافل
وللمطعم بن عدي سيد بني نوفل يقول:
أمطعم لم أخذلك في يوم نجدة
…
ولا معظم عند الأمور الجلائل
أمطعم إن القوم ساموك خطة
…
فإني متى أوكل فلست بوائل (4)
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا
…
عقوبة شر عاجلا غير آجل) (5)
(هـ) وكانت أعنف المعارك حين كتبت الصحيفة:
(قال ابن إسحاق: فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله (ص) قد نزلوا بلدا أصابوا منه أمنا وقرارا، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم، فكان هو وحمزة بن عبد المطلب مع رسول الله (ص) وأصحابه، وجعل الإسلام يفشو في القبائل اجتمعوا وائتمروا بينهم أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني
(1) الكاشح: مضمر العداوة.
(2)
الدغاول: الدواهي.
(3)
قيل: الرئيس الكبير في اليمن.
(4)
لست بوائل: لست بناج.
(5)
السيرة النبوية لابن هشام مقتطفان من 273/ 1 - 280.
المطلب، على أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئا، ولا يبتاعوا منهم .. فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب بن عبد المطلب، فدخلوا معه في شعبه، واجتمعوا إليه) (1).
وقال عروة بن الزبير:
(.... وعمد المشركون من قريش، فأجمعوا مكرهم وأمرهم على أن يقتلوا رسول الله علانية، فلما رأى ذلك أبو طالب، جمع بني عبد المطلب، فأجمع لهم أمرهم على أن يدخلوا رسول الله (ص) شعبهم، ويمنعوه ممن أراد
…
فلما عرفت قريش أن القوم قد اجتمعوا ومنعوا الرسول، واجتمعوا على ذلك كافرهم ومسلمهم، اجتمع المشركون من قريش، فأجمعوا أمرهم على أن لا يجالسوهم، ولا يخالطوهم، ولا يبايعوهم، ولا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا رسول الله (ص) للقتل .. فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين، واشتد عليهم فيهن البلاء والجهد، وقطعوا عليهم الأسواق ..) (2).
وأكد أبو طالب أنه وبنو هاشم وبنو المطلب، على العهد، فداء لرسول الله (ص) مهما نزل بهم من جهد وبلاء: ألا أبلغا عني على ذات بيننا
…
لؤيأ وخصا من لؤي بني كعب
(1) السيرة النبوية لابن هشام 1/ 350، 351.
(2)
المغازي لعروة بن الزبير /114.
فلسنا ورب البيت نسلم أحمدا
…
لعزاء (1) منعض (2) الزمان ولا كرب
ولم تبن (3) منا ومنكم سوالف (4)
…
وأيد أترت (5) بالقساسية (6) الشهب
أليس أبونا هاشم شد أزره
…
وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب
ولسنا نمل الحرب حتى تملنا
…
لا نشتكي ما قد ينوب من النكب
(و) وكانت الحلقة الأخيرة يوم حضرت أبو طالب الوفاة:
قال ابن إسحاق: ولما اشتكى أبو طالب، وبلغ قريشا ثقله، قالت قريش بعضها لبعض إن حمزه وعمر قد أسلما، وبد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب، فليأخذ لنا على ابن أخيه، وليعطه منا، والله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا.
فقال أبو طالب: يابن أخي هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليعطوك وليأخذوا منك، فقال رسول الله (ص):((نعم كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم)) فقال أبو جهل: نعم وأبيك، وعشر كلمات، قال:((تقولون لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعدون من دونه)) قال: فصفقوا بأيديهم ثم قالوا: أتريد يا
(1) العزاء: الشدة.
(2)
عض الزمان: شدته (إشارة لما نزل بهم من البلاء).
(3)
تبن: تنقطع.
(4)
سوالف: صفحات الأعناق.
(5)
أترت: قطعت.
(6)
القساسية الشهب: سيوف تنسب إلى قساس.
محمد أن تجعل الآلهة إلها واحدا إن أمرك لعجب. ثم قال بعضهم لبعض: إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون، فانطلقوا ومضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه، ثم تفرقوا. فقال أبو طالب لرسول الله (ص): ما رأيتك سألتهم شططا، فلما قال أبو طالب طمع رسول الله في إسلامه، فجعل يقول له:((أي عم، فأنت فقلها، أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة)) قال: فلما رأى حرص رسول الله (ص) عليه، قال: يابن أخي، والله لولا مخافة السبة عليك، وعلى بني أبيك من بعدي، وأن تظن قريش إنما قلتها جزعا من الموت لقلتها، لا أقولها إلا لأسرك بها) (1).
وحكي عن هشام بن السائب أو ابنه أنه قال: لما حضرت أبو طالب الوفاة جمع إليه وجوه قريش فأوصاهم فقال: ..... فأوصيكم بمحمد خيرا، فإنه الأمين في قريش، والصديق في العرب، وهو الجامع لكل ما أوصيتكم به .. وايم الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب، وأهل البر في الأطراف قد أجابوا دعوته، وصدقوا كلمته، وعظموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت .. قد محضته العرب ودادها، وأصغت له فؤادها، وأعطته قيادها، دونكم يا معشر قريش ابن أبيكم كونوا له ولاة، ولحزبه حماة
…
) (2).
قال ابن إسحاق:
(1) السيرة النبوية لابن هشام 1/ 417.
(2)
الروض الأنف للسهيلي 171/ 2.
(ثم إن خديجة بنت خويلد وأبا طالب هلكا في عام واحد، فتتابعت على رسول الله (ص) المصائب بهلك خديجة وكانت له وزير صدق على الإسلام يشكو إليها، وبهلك عمه أبي طالب وكان له عضدا وحرزا في أمره، ومنعة وناصرا على قومه، وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين، فلما هلك أبو طالب، نالت قريش من رسول الله (ص) من الأذى، ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش، فنثر على رأسه ترابا.
قال ابن إسحاق: فحدثني هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، قال: لما نثر ذلك السفيه على رأس رسول الله (ص) ذلك التراب، دخل رسول الله (ص) بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته فجعلت تغسل التراب عن رأسه وتبكي، ورسول الله (ص) يقول لها:((لا تبكي يا بنية، فإن الله مانع أباك)) قال: ويقول بين ذلك: ((ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب)) (1).
2 -
ويأتي دور المطعم بن عدي بعد دور أبي طالب، وقد رأينا كيف كان المطعم خارجا على بني عبد مناف ومع قريش، لكنه لم يجد مفرا من إجارة محمد (ص) وقد طلب منه ذلك، وعرض نفسه للموت من أجله.
قال ابن كثير: (وقد ذكر الأموي في مغازيه: أن رسول الله (ص) بعث أريقط إلى الأخنس (2) بن شريق، فطلب منه أن يجيره بمكة، فقال: إن
(1) السيرة النبوية لابن هشام 416/ 1.
(2)
الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة أخوال النبي (ص) وهو الذي خنس ببني زهرة يوم بدر فلم يحضرها زهري واحد.
حليف قريش لا يجير على صميمها. ثم بعثه إلى سهيل بن عمرو (1) ليجيره. فقال: إن بني عامر بن لؤي لا تجير بني كعب بن لؤي. فبعثه إلى المطعم بن عدي ليجيره. فقال: نعم! قل له فليأت .. فذهب إليه رسول الله (ص)، فبات عنده تلك الليلة، فلما أصبح خرج معه هو وبنوه ستة، أو سبعة، متقلدي السيوف جميعا، فدخلو المسجد وقال لرسول الله (ص): طف. واحتبوا بحبائل سيوفهم في المطاف، فأقبل أبو سفيان إلى مطعم فقال: أمجير أم تابع؟ قال: بل مجير. قال: إذا لا تخفر. فجلس معه حتى قضى رسول الله (ص) طوافه، فلما انصرف انصرفوا معه، وذهب أبو سفيان إلى مجلسه. قال: فمكث أياما، ثم أذن في الهجرة، فلما هاجر رسول الله (ص) إلى المدينة توفي المطعم بن عدي من بعده بيسير، فقال حسان بن ثابت: والله لأرثينه، فقال فيما قال:
فلو كان مجد خلد اليوم واحدا
…
من الناس نحى مجده اليوم مطعما
أجرت رسول الله منهم فأصبحوا
…
عبادك ما لبى محل وأحرما
فلو سئلت عنه معد بأسرها
…
وقحطان أو باقي بقية جرهما
لقالوا هو الموفي بخفرة جاره
…
وذمته يوما إذا ما تجشما
وما تطلع الشمس المنيرة فوقهم
…
على مثله فيهم أعز وأكرما
إباء إذا يأبى وألين شيمة
…
وأنوم عن جار إذا الليل أظلما
(1) سهيل بن عمرو من بني عامر بن لؤي وهو بعيد في النسب، ولهذا قال: إن بني عامر لا تجير على بني كعب، وكان محببأ سهلا في قومه، وهو الذي قال عنه الرسول (ص) يوم الحديبية: لقد أرادت قريش الصلح حيث بعثت بهذا.
قلت: ولهذا قال النبي (ص) يوم أساري بدر: ((لو كان المطعم بن عدي حيا ثم سألني في هؤلاء النقباء وهبتهم له)) (1).
3 -
وحين يمس الجوار حرية الدعوة فتختلف الصورة، وتختلف إمكانية الاستفادة منه. ونجد النموذج المتجسد في ذلك من خلال جور ابن الدغنة سيد القارة (2) لأبي بكر رضي الله عنه.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت:
(.... لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله (ص) طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرا قبل الحبشة، حتى إذا بلغ الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة، فقال: أين تريد يا أبا بكر، فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأنا أريد أن أسيح في الأرض، فأعبد ربي. قال ابن الدغنة: إن مثلك لا يخرج ولا يخرج، فإنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق، وأنا لك جار فارجع، فاعبد ربك ببلادك، فارتحل ابن الدغنة، فرجع مع أبي بكر، فطاف في أشراف كفار قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج ولا يخرج أتخرجون رجلا يكسب
(1) البداية والنهاية لابن كثير 3/ 151. وقد أورد الإمام البخاري حديث المطعم بهذا النص: لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له. ك. المغاني ج 5 ص. 11.
(2)
القارة: هي القبائل التي كانت تسكن خارج مكة وهم بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة وبنو المصطلق خزاعة، والهون ابن خزيمة بن مدركة.
المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف .. ويعين على نوائب الحق؟ فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة، وآمنوا أبا بكر، وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر، فليعبد ربه في بيته، فليصل، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا قد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا. قال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فطفق أبو بكر يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بالصلاة والقراءة في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، وبرز، فكان يصلي فيه، فيتقصف (1) عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون وينظروق إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن، فأجزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم، فقالوا له: إنا كنا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في دار، وإنه جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره وأعلن الصلاة والقراءة، وقد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا، فأته، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك، فله أن يرد إليك ذمتك، فإنا كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان.
قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة أبا بكر، فقال: قد علمت الذي عقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترد إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له. قال أبو بكر: إني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله) (2).
4 -
هذا، ولا يعني جواز الاستفادة من هذه المظاهر والقيم الجاهلية
(1) يتقصف: يتجمع ويزدحم.
(2)
البخاري ك. الإجارة ب. جوار أبي بكر ج 3 ص 126.
حين لا تتعارض مع حرية الدعوة، أن على المسلم أن يفعلها، فقد يؤثر المسلم الداعية الصبر على الأذى في سبيل الله، ولا يدع في عنقه منا ومعروفا لمشرك، كما فعل عثمان بن مظعون رضي الله عنه.
قال ابن إسحاق:
(وكان ممن دخل معهم بجوار عثمان بن مظعون في جوار الوليد بن المغيرة .. ولما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب نول الله (ص) من البلاء، وهو يروح ويغدو في أمان الوليد بن المغيرة، قال: والله إن غدوي ورواحي في جوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى ما لا يصيبني، لنقص كبير في نفسي، فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس، وفت ذمتك، وقد رددت إليك جوارك. قال: لم يابن أخي؟ لعله آذاك أحد من قومي، قال: لا ولكني أرضى بجوار الله عز وجل ولا أريد أن أستجير بغيره. قال: فانطلق إلى المسجد فاردد علي جواي علانية كما أجرتك علانية. قال: فانطلقا، فخرجا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد بن المغيرة: هذا عثمان قد جاء يرد علي جواري، قال: صدق قد وجدته وفيا كريم الجوار، ولكن قد أحبيت أن لا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره، ثم انصرف عثمان، ولبيد بن ربيعة في مجلس من قريش ينشدهم، فجلس معهم عثمان، فقال لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. قال عثمان: صدقت. فقال لبيد: وكل نعيم لا محالة زائل. قال عثمان: كذبت نعيم الجنة لا يزول. قال لبيد:
يا معشر قريش، والله ما كان يؤذى جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه في سفهاء معه، قد فارقوا ديننا،
فلا تجدن في نفسك من قوله، فرد عليه عثمان حتى شري (1) أمرهما. فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فخضرها (2) والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان. فقال: أما والله يابن أخي إن كانت عينك عما أصابها لغنية، لقد كنت في ذمة منيعة. قال يقول عثمان: بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله، وإني لفي جوار من هو أعز منك، وأقدر يا أبا عبد شمس، فقال له الوليد: هلم يابن أخي إن شئت فعد إلى جوارك، فقال: لا) (3).
وهو الموقف نفسه الذي وقفه عمر رضي الله عنه حين وفض جوار خاله.
والملاحظ أن ظاهرة الجوار هذه تمس الأحرار فقط، أما العبيد والموالي فلا حق لهم بذلك، ومن أجل هذا، وجدنا التعذيب الذي كان ينزل على المستضعفين في مكة، ولا ينقذهم منه إلا عتقهم أو شراؤهم.
ونشير كذلك إلى أن رسول الله (ص) لقي من الأذى ما لقيه أصحابه رغم منعة وجوار أبي طالب، فهم يعلمون أن منبع الخطر كله منه، وهو ليس كواحد من أصحابه.
ونلاحظ أن الوفاء بالجوار، واحترامه كان قائما في حدود معقولة،
(1) شري: زاد وعظم.
(2)
فحضرها: جعلها خضرء من أثر الضربة.
(3)
السيرة النبوية لابن هشام 1/ 370،371.
وإخفار الجوار يعني إعلان الحرب، وما أحوجنا إلى تسخير قيم الجاهلية وقوانينها، وأعرافها في عصرنا الحاضر لحماية الدعوة من الحرب وحماية الدعاة من الإبادة؟!!
***