الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل العشرون
الإذن في الجهاد
(1)
أولا: مرحلة كف اليد:
يقول الإمام ابن القيم الله:
(أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى أن يقرأ باسم ربه الذي خلق، وذلك أول نبوته، فأمره أن يقرأ في نفسه، ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ، ثم أنزل عليه:{يا أيها المدثر قم فأنذر} فنبأه بقوله: {إقرأ} وأرسله: بـ {يا أيها المدثر} ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين، ثم أنذر قومه، ثم أنذر من حولهم من العرب، ثم أنذر العرب قاطبة، ثم أنذر العالمين، فأقام بضع عشر سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير فقال ولا جزية، ويؤمر بالكف والصبر والصفح، ثم أذن له بالهجرة، وأذن له في القتال. ثم أمره أن يقاتل من قاتله، ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله، ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله
لله) (2).
(1) المقصود في الجهاد هنا هو القتال. أما الجهاد بمعناه الشامل فهو جهاد النفس والجهاد بالمال والمجاهدة، فهذه لم تنقطع إطلاقا.
(2)
زاد المعاد ج 2 ص 90، 91 فصل في ترتيب سياق هديه مع الكفار والمنافقين من حيث بعث إلى حيث لقي الله عز وجل.
لقد كان الجهاد ابتداء ممنوعا ثم صار مأذونا به ثم مأمور به.
وكان الجهاد في المرحلة الأولى يقوم على الصبر على الابتلاء، وتحمل المحن في سبيل الله.
ويشير الشهيد سيد قطب رحمه الله إلى فقه منع الجهاد في هذه المرحلة، وهو يفسر قول الله عز وجل:{ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيدكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا} (1). يقول الله:
(
…
وبهذا الأدب الواجب نتناول حكمة عدم فرض الجهاد في مكة، وفرضيته في المدينة، نذكر ما يتراءى لنا من حكمة وسبب .. على أنه مجرد احتمال .. وندع ما وراءه لله .. لا نفرض على أمره أسبابا وعللا لا يعلمها إلا هو، ولم يحددها هو لنا، يطلعنا عليها بنص صريح.
إنها أسباب اجتهادية تخطئء وتصيب، وتنقص وتزيد، ولا ينبغي بها إلا مجرد تدبر أحكام الله، وفق ما تظهره لنا الأحداث في مجرى الزمان.
(أ) ربما كان ذلك لأن الفترة المكية كانت فترة تربية وإعداد، في بيئة معينة، لقوم معينين، وسط ظروف معينة. ومن أهداف التربية والإعداد في مثل هذه البيئة بالذات، تربية نفس الفرد العربي على الصبر على ما لا يصبر عليه عادة من الضيم يقع على شخصه، أو على من يلوذون به،
(1) النساء 77.
ليخلص من شخصه، ويتجرد من ذاته، ولا تعود ذاته، ولا من يلوذون به محور الحياة في نظره، ودافع الحركة في حياته، وتربيه كذلك على ضبط أعصابه، فلا يندفع لأول مؤثر - كما هي طبيعته - ولا يهتاج لأول مهيج، ليتم الاعتدال في طبيعته وحركته .. وتربيته على أن يتبع منهجا منظما له قيادة يرجع إليها في كل أمر من أمور حياته، ولا يتصرف إلا وفق ما تأمره - مهما يكن مخالفا لمألوفه وعادته - وقد كان هذا هو حجر الأساس في إعداد شخصية العربي لإنشاء ((المجتمع المسلم)) الخاضع لقيادة موجهة، المترقي المتحضر غير الهمجي أو القبلي.
(ب) وربما كان ذلك أيضا لأن الدعوة السلمية أشد أثرا وأنفذ في مثل بيئة قريش، ذات العنجهية والشرف، والتي قد يدفعها القتال معها - في مثل هذه الفترة - إلى زيادة العناد، وإلى نشأة ثارات دموية جديدة، كثارات العرب المعروفة، التي أثارت حرب داحس والغبراء، وحرب البسوس - أعواما طويلة تفانت فيها قبائل برمتها - وتكون هذه الثارات الجديدة مرتبطة في أذهانهم وذكرياتهم بالإسلام، فلا تهدأ بعد ذلك أبدا، ويتحول الإسلام إلى ثارات وذحول تنسى معه فكرته الأصلية، وهو في مبدئه فلا تذكر أبدا.
(ج) وربما كان ذلك أيضا اجتنابا لإنشاء معركة داخل كل بيت فلم تكن هناك سلطة نظامية عامة هي التي تعذب المؤمنين وتفتنهم، إنما كان ذلك موكولا إلى أولياء كل فرد يعذبونه هم ويفتنونه (ويؤدبونه) ومعنى الإذن في القتال - في مثل هذه البيئة - أن تقع معركة ومقتلة في
كل بيت .. ثم يقال: هذا هو الإسلام! ولقد قيلت حتى والإسلام يأمر بالكف عن القتال! فقد كانت دعاية قريش في الموسم، في أوساط العرب القادمين للحج والتجارة .. إن محمدا يفرق بين الولد وولده، فوق تفريقه لقومه، وعشيرته! فكيف لو كان كذلك يأمر الولد بقتل الوالد، والمولى بقتل المولى في كل بيت كل محلة؟
(د) وربما كان ذلك أيضا، لما يعلمه الله من أن كثيرا من المعاندين الذين يفتنون أوائل المسلمين عن دينهم ويعذبونهم ويؤدبونهم، هم بأنفسهم سيكونون من جند الإسلام المخلص، بل من قادته، ألم يكن عمر بن الخطاب من بين هؤلاء؟!
(هـ) وربما كان ذلك أيضا لأن النخوة العربية، في بيئة قبلية من عاداتها أن تثور للمظلوم الذي يحتمل الأذى ولا يتراجع، وبخاصة إذا كان الأذى واقعا على كرام الناس فيهم، وقد وقعت ظواهر كبيرة تثبت صحة هذه النظرة في هذه البيئة، فابن الدغنة لم يرض أن يترك أبا بكر - وهو رجل كريم - يهاجر ويخرج من مكة، ورأى في ذلك عارا على العرب!
وعرض عليه جواره وحمايته .. وآخر هذه الظواهر نقض صحيفة الحصار لبني هاشم في شعب أبي طالب، بعدما طال عليهم الجوع واشتدت المحنة، بينما في بيئة أخرى من البيئات ذات الحضارة القديمة التي مردت على الذل، قد يكون السكوت على الأذى مدعاة للهزء والسخرية والاحتقار من البيئة، وتعظيم الظالم المعتدي!
(و) وربما كان ذلك أيضا لقلة عدد المسلمين حينذاك، وانحصارهم في مكة، حيث لن تبلغ الدعوة إلى بقية الجزيرة، أو بلغت أخبارها متناثرة، حيث
كانت القبائل تقف على الحياد، من معركة داخلية بين قريش وبعض أبنائها، حتى ترى ماذا كون مصير الموقف .. ففي مثل هذه الحالة قد تنتهي المعركة المحدودة إلى قتل المجموعة المسلمة القليلة - حتى ولو قتلوا هم أضعاف من سيقتل منهم - ويبقى الشرك، وتنمحي الجماعة المسلمة ولم يقم في الأرض للإسلام نظام، ولا وجد له كيان واقعي، وهو دين جاء ليكون منهج حياة، وليكون نطاما واقعيا عمليا للحياة.
(ز) في الوقت ذاته لم يكن هناك ضرورة قاهرة ملحة، لتجاوز هذه الاعتبازت كلها، والأمر بالقتال ودفع الأذى، لأن الأمر الأساسي في هذه الدعوة كان قائما - وقتها - ومحققا .. هذا الأمر الأساسي هو ((وجود الدعوة)) .. وجودها في شخص الداعية (ص)، وشخصه في حماية سيوف بين هاشم .. فلا تمتد إليه يد إلا وهي مهددة بالقطع! والنظام القبلي السائد يجعل كل قبيلة تخشى أن تقع في حرب مع بني هاشم! إذا هي امتدت يدها إلى محمد (ص)، فكان شخص الداعية من ثم محميا حماية كافية وكان الداعية يبلغ دعوته - إذن - في حماية سيوف بني هاشم ومقتضيات النظام القبلي. ولا يكتمها ولا يخفيها، ولا يجرؤ أحد على منعه من إبلاغها وإعلانها، في ندوات قريش في الكعبة، ومن فوق جبل الصفا وفي اجتماعات عامة، ولا يجرؤ أحد على سد فمه، ولا يجرؤ أحد على خطفه وسجنه أو قتله، ولا يجرؤ أحد على أن يفرض عليه كلاما بعينه يقوله، يعلن فيه بعض حقيقة دينه، ويسكت عن بعضها، وحين طلبوا منها أن يكف عن سب آلهتهم وعيبها لم يكف، وحين طلبوا منه أن يسكت عن عيب دين آبائهم وأجدادهم